مصالحة على عجل! <br>(النسخة الثالثة لمؤتمر المصالحة)

بعد لقاءه مع بوش في عمان، وبعد صدور توصيات بيكر – هاملتون، وبعد ان وصل الوضع الامني والسياسي الى مرحلة الاستباحة الكاملة لجميع مقومات الحياة في العراق، "أدرك" السيد نوري المالكي رئيس وزراء حكومة الاحتلال، ان عليه القيام بعمل ما للمحافظة على بقاءه في السلطة واستمراره في الحكم، خاصة وان اغلب المؤشرات تؤكد أن هنالك توافق في الاجندة الانية لإدارة الاحتلال وبعض قوى التحالف الشيعي والقيادات الكردية، تتطلب ازاحته وتغير حكومته وتحجيم داعميه من التيار الصدري، وتحميله مسؤولية ما الت اليه الاوضاع.
فما هي دواعي ادارة الاحتلال لأزاحته رغم تبجحها الذي لا ينقطع بالعملية السياسية الجارية وديمقراطيتها وشرعيتها ونموذجيتها؟ فالبرغم من ان توصيات بيكر وهاملتون، ازاحة الغطاء وحددت عمق المأزق الامريكي، الا انها شكلت بنفس الوقت عامل ضغط اضافي على ادارة بوش، بعد فشل حزبه في الانتخابات الاخيرة وسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس بمجلسيه، فأنها استوجبت تغيير المسار في العراق، والذي يعني بين ما يعنيه تأكيد الفشل والاعتراف به والاستعداد للتخلي عن "المهمة الكبرى وانجازها" والتواضع في قبول بعض "النجاح" في العراق.
لذلك فأن هذه الادارة تبغي القفز على شرعية عمليتها السياسية المزعومة، بتغيير الوجوه واستبدال الأداء، بما يحقق تجاوزا يحسب لصالحها، ويغنيها عن الاخذ بتوصيات بيكر – هاملتون كسلةٍ كاملة، ولكن هذه المرة بأيدي عراقية ضمن اطار المؤسسة التي انتجتها (البرلمان)، فكان الالتفاف، الذي نشط فيه زلماي خليل زادة بتشكيل حلف جديد من المجلس الاعلى بقيادة الحكيم والحزبين الكرديين والحزب الاسلامي وبالتداول مع اياد علاوي، لأضعاف وازاحة المالكي وداعميه من التيار الصدري.
ولذلك كان لقاء بوش مع الحكيم والهاشمي في واشنطن لتمهيد الطريق لهذا التغيير الذي ترافق مع اصرار بعض صقور هذه الادارة في انجاز "المهمة كاملة" واهمال بعض التوصيات الاساسية في تقرير بيكر – هاملتون لجهة التفاهم مع سورية وايران، وما لها من تأثير في الحسابات المتعلقة بالملف النووي الايراني والوضع في لبنان، ولهذا أجل بوش اعلانه لإستراتيجيته الجديدة بشأن العراق لبداية العام القادم ليرى بعض النتائج من الترتيب الجديد للاوراق، الذي ربما يسمح له بهامش اكبر للمناورة.
أما المالكي فبدوره يستعد لمنازلة سياسية وميدانية، في مواجهة حلفاء الامس وادارة الاحتلال والوضع الامني، وهو يعلم جيدا ان وقت هذه المنازلة محددا بأسابيع وليس بشهور، حيث سيحاول من خلالها ان يثبت، انه الرجل القوي الممسك بزمام الامور، والقادر على تغيير الاوضاع نحو الافضل، والمتمكن من مساعدة بوش في محنته الداخلية، ولكسب رضاه وادارته على أدائه لزيادة فرص بقاءه واستمراره.
فما الذي يمكن ان يفعله المالكي؟
يعلم المالكي وبطانته السياسية، ان اعمال القتل والترويع والتهجير الطائفي، تتم برضا واشراف المخابرات الامريكية، وبفعل الموساد الأسرائيلي، الذي يوجه المهمات الاساسية وجغرافيتها لفرق الموت الجوالة، في بغداد وضواحيها، وهو يعلم جيدا ان كل ذلك يتم وفق أجندة الاحزاب الطائفية والقيادات الانفصالية العاملة ضمن حكومته، في تنظيف بغداد الصغرى من السنة العرب، للانتقال فيما بعد لفك "الطوق" السني المحيط ببغداد الكبرى، والذي يعني بما يعنيه اجبار السنة العرب بالهجرة الى الغرب لتكريس العزل السكاني الطائفي، تمهيدا لتمرير مشاريع فدرالياتهم واقطاعياتهم ولضرب الحاضنة الشعبية للمقاومة الوطنية، والتخفيف من حدة "التمرد" اي المقاومة والتقليل من خسائر المحتلين.
لذلك فأن مهمة المالكي المباشرة وعلى مدى اسابيع مقبلة، هي اعادة انتاج للمعالجات الامريكية القديمة الجديدة، والتي تتضمن حزمة من الحلول لتسهيل انجاز المهمة الامريكية في العراق، وتمهيد الطريق لتمرير مطامح القيادات الطائفية والانفصالية، والتي لازالت لا تخرج عن منطق الترهيب والترغيب للقوى الرافضة والمناهضة للعملية السياسية.
وهذا ما يتطلب فك تحالفات المالكي بالصدريين، او اقناعهم بحل جيش المهدي والاعتدال في مواقفهم المعلنة من المحتل ومسايرة العملية السياسية والعدول عن الاستمرار في تعليق عضويتهم في السلطة التشريعية والتنفيذية، اضافة الى النجاح في استثمار نتائج مؤتمر المصالحة لجهة كبح العنف واضعاف "التمرد" ضد قوات الاحتلال.
وهذا ما اكده المالكي يوم الجمعة 15-12-2006 في اتصاله الهاتفي بالرئيس بوش قبل البدء بمؤتمر المصالحة الذي عقد السبت 16-12-2006، بأنه مصمم على تحسين الوضع الامني في بغداد وضرب واستهداف مصادر العنف، بما فيها المليشيات والتمرد ويقصد المقاومة الوطنية، وبذلك فأنه اكد تعهده امام الرئيس بوش، الذي قطعه سابقا، مضيفا بقطعية نجاح مؤتمر المصالحة الذي تم الاعلان عنه على عجل في عمان اثر لقاءه ببوش.
ربما الشكوك بنجاح المالكي في الوفاء بألتزاماته امام بوش، لا تأتي فقط من كونه لا يمتلك من امر قيادته الاسمية للقوات المسلحة شيئا، بل من التناقضات مع حلفاء البيت الشيعي وخاصة المجلس الاعلى بقيادة الحكيم، الذي يسعى جاهدا للاطاحة بالمالكي وحلفاءه من الصدريين، وكذلك فأن اتساع نشاط المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وازدياد خسائره بالمعدات والجنود حتى ضمن المناطق المحاصرة في مناطق الصينية وهيت وحديثة والفلوجة، يشير الى ان الاحتلال وبكل ما يملك قد استنفذ جهوده العسكرية والمحلية دون طائلِ يذكر عدا القتل والتدمير والخراب.
ان المالكي الذي تغطي حكومته عمل ونشاط المليشيات، لا يمتلك إلا ان يعول على النسخة الثالثة لمؤتمر المصالحة الذي دعا له، وهو مؤتمرهم للتصالح، اي انهم يتصالحون مع انفسهم، حيث تصدرت الصفوف الاولى فيه نفس قيادات "العملية السياسية" للمحتل، مع جلب ودعوة بعض الذين لا تأثير لهم سياسيا وميدانيا، ليكونوا الديكور الضروري لهكذا جلسات معروفة الغاية والهدف، لقد ولد هذا المؤتمر ميتا ونتائجه لا تختلف عن المؤتمرات السابقة، حيث يفتقد مفهوم المصالحة، التوافقية، الضرورية بين فريقين ونهجين وخندقين في النظر وكيفية معالجة الوضع العراقي.
ان ضرب التمرد الذي يعنيه المالكي، هو ضرب المقاومة التي تقتل جنود الاحتلال وتدمر الته العسكرية، وبما ان الاحتلال هو من يتحكم بشؤون البلاد والعباد، فأن الاحتلال نفسه هو من يقف حجر عثرة في طريق المصالحة الحقيقة المفترضة والذي لم يرد له ذكر جدي في كلمة المالكي او كلمات اقرانه من اصحاب العملية السياسية.
لقد تراجع المالكي حتى عن مبادرته السابقة التي طرحها في النسخة الثانية من مؤتمر المصالحة، والتي تضمنت 24 بندا، والتي ايضا لم تكن بعيدةَ عن لمسات ودعم خليل زادة، لاسيما وان ادارة بوش قد شجعت الكثير من الوساطات لمحاورة فصائل المقاومة وهيئة علماء المسلمين وشخصيات ورؤساء عشائر مناهضة للاحتلال، لغرض عقد صفقات محلية معها، ومن ثم لاحتوائها.
ان المالكي يطالب بالمصالحة مع الاحتلال وافرازاته ونتائجه، وهي محاولة جديدة، تؤكد مأزق الاحتلال وادواته، وتعكس انهيار بورصته السياسية.
وبغياب القوى الفاعلة الحقيقية من المقاومة الوطنية والمؤتمر التأسيسي وهيئة علماء المسلمين والقوى والشخصيات والمراجع المناهضة للاحتلال، فأن تأشيرة الفشل قد ادمغت مؤتمرهم هذا، والذي اتبع بانسحاب وعدم مشاركة حتى بعض القوى المساهمة في عمليتهم السياسية كالصدريين وجبهة الحوار وجماعة الوفاق التابعة لعلاوي.
لقد كان منطق المالكي، هو منطق التماهي مع الوضع القائم والقبول به، وإلا فالعصا لمن عصا، ان رئيس حكومة الاحتلال الفاشلة في بغداد في عجلة من امره، وفي سباق مع الزمن لأرضاء سيد البيت الابيض، وإلا فالتغيير قادم، وهو ما يخشاه رئيس حكومة الاحتلال. كاظم محمد