منْ يتصالح مع منْ؟

منْ يتصالح مع منْ؟ سؤال طالما ردده من يجتمع الآن فيما سُمي بمؤتمر المصالحة. كانوا يزعمون إن الكل مُتصالح، والكل راض ومساند للديمقراطية الآتية على طبق أمريكي، وأنه لا ينبغي مطلقاً التصالح مع قتلة الشعب، وأن كل من يغرّد خارج خيار الشعب، والذي هو حسب زعمهم الإنخراط فيما أسموه بالعملية السياسية، لا يمكن التصالح معه، لأنه أختار طريقه، وأصطف مع الإرهاب والإرهابيين، البعث والبعثيين، صدام والصداميين، ومع أولئك القتلة الذين جاءوا عبر الحدود، من قاعديين وتكفيريين.
كانوا يعتبرون أنه لا يوجد شيء أسمه مقاومة، وأن ما يجري ما هو إلا مجرد إرهاب. إرهاب فحسب، يمارسه أعداء الديمقراطية ضد الديمقراطية والديمقراطيين، وأعداء الحرية ضد الأحرار، وأعداء السلم والتطور والإستقرار ضد العراق الجديد، الذي رسم ملامحه قادة الحرية والتحرر، بريمر ونغروبونتي وخليل زاد.
ولم يكذّبوا خبراً. لم يتراجعوا عما كانوا يقولونه ويدعونه، ويزعمونه. نعم لا صلح ولا تصالح، حتى ولو لم يبق في العراق سوى القاطنيين في المنطقة الخضراء، وعلى فكرة فإن عدد القاطنيين في المنطقة الخضراء من نزلاء ما بعد 9 نيسان 2003 في تناقص مستمر، فرئيس الجمهورية السابق، ورئيس الوزراء السابق والأسبق، ووزير الدفاع السابق والأسبق، وما قبل الأسبق، ووزير الداخلية الأسبق، وما قبل الأسبق، وغيرهم من المسؤولين والقادة الُمُخلّقين، قد رتبوا أوضاعهم، وغادروا خضراءهم، وعادوا من حيث جاءوا، بفارق وحيد، وهو أنهم جاءوا خفافاً، وعادوا ثقالاً بكل شيء، بالمال والأوزار.
إنهم لا ولن يتصالحوا، ولمن يشكك في قولنا هذا فلينظر وجوه من أجتمعوا وفق رغبة ماما أمريكا. ليدقق قليلاً أو كثيراً، فإنه سوف يجد الأب وابنه، والخال وابن أخته، والأخ وأخته، سيجد أعضاء مجلس الحكم سيء الصيت، وأعضاء مجلس الوزراء الحاليين منهم، والسابقين، الذين طالتهم قائمة هيئة النزاهة، أم الذين ما زالوا ينتظرون. سيجد أعضاء برلمان حاليين، وأعضاء برلمان سابقين، فشلوا في الإنتخابات الأخيرة فشلاً ذريعاً، عدَّ فضيحة بجلاجل، كما يقول الأخوة المصريون. وسيجد المستشارين الذين عينهم بريمر، ثم ركلهم بعد إنتهاء عقودهم، وحتى قبل إنتهاء هذه العقود بالنسبة لبعضهم. سيجد كل الوجوه التي أعتصرت كما تعتصر الليمونة. تلك التي أستنزفت، وأفل نجمها في سماء الخيانة. سيجد الحزب الذي شُكل على عجل قبل إحتلال العراق، وقد منَّ الله عليه بوفير الولادات، فوّلد أحزاب ننونيّة، حلوه وزغيرونه. أحزاب رشيقة وفق العصرنة والحداثة، ليس من الضرورة أن تتجاوز العضوية فيها الأب والإبن، ولا بأس لو إنضم ابن العم أو ابن الخال، وسيجد تنظيم مافيوي بمسيات مختلفة، وتحت امرة حاوي واحد. لم يعد الرجل من هؤلاء، معمماَ كان أم حاسراً، يرضى بحزب واحد يتزعمه، أو منظمة واحدة يقودها، لذا تراه يُنشئ، منظمة القمر، ومنظمة المًصلى، وهيئة بالغي الرشد، وأحباب الحزن. ولم يعد أحدهم يرضى بجريدة، أو محطة تلفزيون، أو مؤسسة إعلامية واحدة، إذ أصبح همه إنشاء المؤسسات الإعلامية، أو شبه الإعلامية. لم يعد هذا الأمر حكراً على السيد الرئيس، أقصد رئيس جمهورية العراق، ولا على السيد رئيس الإقليم، وإنما شمل أيضاً رؤساء الكتل النيابيّة، وكل رؤساء الأحزاب تقريباً، فمال العراق سائب، وذمم قادة العراق الجديد سائبة أيضاً.
لقد نفذوا قرارهم، وعقدوا مؤتمر اللاتصالح، من أولئك الذين كانوا وما زالوا لا يريدون التصالح. لقد قاموا بعملية ساذجة، تثير السخرية، فمنْ يتصالح مع منْ؟ هل يتصالح السيد الحكيم مع العامري وجلال الدين الصغير، وأكرم الحكيم؟ هل يتصالح الشيخ محمد بحر العلوم مع ابنه إبراهيم بحر العلوم، ومدير مكتبه بعد أن أصبح له مكتباً، وحاشية ومريدين؟ هل يتصالح فؤاد معصوم مع برهم صالح أم مع إبنته الوزيرة جوان فؤاد معصوم؟ هل يتصالح مجيد موسى مع مفيد الجزائري؟ هل يتصالح مهدي الحافظ مع صفية السهيل؟ أم يتصالح سامي عزارة المعجون مع شيوخ عشائر بني حجيم؟ هل يتصالح السيد مسعود البرزاني مع خاله السيد هوشيار زيباري؟ منْ يتصالح مع منْ؟ سؤال برسم السيد رئيس الوزراء، مرشح الصدريين الذين قاطعوا مؤتمره، والفضليين الذين تحفظوا، وبرسم أولئك الذين أخرجوا هذه المسرحية الهزلية، التي أسموها مؤتمر المصالحة الوطنية؟
أين القوى الرافضة للمحتل والإحتلال؟ أين المؤتمر التأسيسي؟ أين التيار القومي؟ أين الطيف الواسع من التنظيمات والأحزاب التي أعلنت منذ يوم العار مواقفها ضد الإحتلال وأذنابه؟ أين الشخصيات الوطنية دينيّة وسياسية، فكرية وثقافية؟ أين الضاري، والصدر، والخالصي، والبغدادي، والحسني، واليعقوبي، والمالكي، والمؤيد، وخير الدين حسيب، وقادة الجيش العراقي، الذي حاول المؤتمرون رشوة أفراده بالمال؟ وقبل هؤلاء جميعاً، أين المقاومة الوطنية العراقية المسلحة، التي هي الرقم الصعب، الذي لا يمكن تجاوزه؟ أين الذين فرضوا على الأمريكان أعادة النظر بمجمل خططهم؟ خائب بداهة منْ يظن أنه يمكن أن يتجاهل القوى الحقيقة التي بيدها الكثير من مفاتيح الحل، وغير جدير بالمسؤلية منْ يعتقد إنه بمثل هكذا نهج إنعزالي، بهلواني، يمكنه أيقاف التدهور، وإعادة لحمة النسيج الإجتماعي العراقي.
أيها السادة: العراق للعراقيين، كل العراقيين، وليس لمنْ تسلق ظهر دبابة الإحتلال، والعراق الذي لكل أبنائه، هو العراق الخالي من الإحتلال وقوانينه وإجراءاته. العراق النابذ للطائفية والتقاسم الطائفي. العراق الواحد السيد المستقل، المالك لقراره الحر.
هل يتصور السيد رئيس وزراء العراق، أنه لو تصالح مع أي من هؤلاء الذين حضروا مؤتمره فإن السلم والأمن سيعم البلد؟ هل يكون واهماً للحد الذي يتصور أن هؤلاء، الذين حضروا مؤتمره، هم الذين يقاومون ما يسميه بالعملية السياسية، وأن بمقدورهم توطيد الأمن والإستقرار في البلد؟ أيكون رئيس الوزراء واهماً إلى هذا الحد؟ أم أن السيد رئيس الوزراء يناور، ويقوم بعملية إلتفاف لتغيير مسار الإتجاهات التي ستفرض نفسها على الوضع العراقي لا محال. إذا كان هذا هو الهدف، وهو هكذا كما نظن، فإننا نهمس بإذن السيد رئيس الوزراء، ونقول له: لعبك على فاشوش!
لقد جعلت حكومة المالكي من نفسها في مسرحيتها الهزلية هذه جزء من المشكلة، وليس جزء من الحل، وأثبتت بالملموس أنها أعجز من أن تقوم بمهمة نبيلة، بمستوى المصالحة الوطنية، التي هي الشرط اللازم والضروري لإستقرار وأمن البلد، وأن مهمة كهذه أكبر من حكومة المنطقة الخضراء. إنها حكومة لا تسمع سوى صدى صوتها، وحيث أن صوتها، وصوت مريديها لا يعزف لحناً عراقياً صميمياً وأصيلاً، فإنه لا يلقي صدى في الشارع العراقي الذي يغلي، وقد آن للصوت العراقي الواحد الموحَّد والموحِِّد أن يعلو فوق كل الأصوات النشاز. نريد عزفاً عراقياً، عراقياً حقيقياً، عراقياً فحسب. صباح علي الشاهر