دور جديد للجيش الأميركي في العراق (2)

يوضح الجنرال أنتوني زيني القائد الاسبق للقيادة المركزية الاميركية في الجزء الثاني من دراسته "مستقبل العراق.. الواقع والمتطلبات" كيف يمكن للولايات المتحدة أن تنشأ وتقوي من قوى الأمن العراقية تكون قادرة على التعامل مع المشكلات المعقدة التي تهدد العراق؟ وكيف يمكن للجيش الأميركي أن يغير من طبيعة مهامه خاصة بعدما أثبتت السنوات الثلاثة الماضية خطأ التصورات الأميركية عن طبيعة المواجهات في العراق. دور جديد للجيش الأميركي ينصح الباحث العسكري صن تزو بأنه يجب أولا معرفة عدونا. فهل حاولت الإدارة الأميركية فعل ذلك في العراق؟ في البداية، تم يرى زيني أن الولايات المتحدة صنفت ببساطة العدو في العراق على أنهم مجموعة من "انتحاريين" و"متمردين"، لكن يبدو أنهم خليط يشكل تهديدا أكبر. فهناك عناصر القاعدة، وبقية أعوان الرئيس السابق صدام حسين، والمجرمون، والميليشيات الطائفية، والمتمردون من داخل البلاد، خمسة أعداء. فهل هناك طريقة واحدة يمكن التعامل بها مع الجميع؟ هل يمكن التفاوض مع عناصر معينة دون الأخرى؟ وهل الاستراتيجيات والأساليب متماثلة للجميع؟
ليس من الواضح إذا ما كانت الولايات المتحدة تخوض معركة ضد التمرد، أم تشن حرب على الإرهابيين، أم هي حرب أهلية، أم كل ما سبق. اختارت الإدارة مواجهة تلك التهديدات المختلفة بتشكيل قوى أمن عراقية تركز على وحدات قتالية تقليدية وقوات شرطة. فكم عدد وحدات الشئون المدنية التي أنشأناها ضمن القوات العراقية؟ وماذا عن وحدات العمليات النفسية؟ أو وحدات استخبارات مضادة؟ كم عدد الوحدات الطبية أو الهندسية العراقية التي ترافق الوحدات المقاتلة في المجالات التي يمكن بها كسب القلوب والعقول؟ هل تخترق القوات الشيعية والكردية المناطق السنية، وكيف يتم استقبالها؟
لنتخيل معا إرسال الحرس الوطني لولاية نيويورك إلى ولاية ألاباما للسيطرة على اضطراب أهلي بدلا من أن يكون الحرس الوطني لولاية ألاباما أول المشاركين. والسؤال الذي يجب أن يطرحه صناع القرار هو إذا ما كنا نكون قوى الأمن المناسبة لمواجهة الخطر؟. فقد لا يكون الحجم والقوى القتالية والأعداد هي الإجابة المثلى. فنوع وجودة الوحدات وقدرتها على التواصل مع الناس ربما يكون لها أولوية أكبر.
فقوات التحالف في العراق تواجه مشكلة مع الميليشيات المحلية، فمنذ أن تضمنت العمليات الأولي قوات أميركية، كان ذلك غير ملائم من البداية، ولم تكن قادرة على منع ظهور الميليشيات، تورطت قوات الجيش معها، فما هو الحل؟ مواجهتهم في هذه المرحلة قد يورط الجيش في حرب أهلية، فهل يمكن أن نقدم بديلا أكثر جاذبية؟ وهل يمكن تشكيل قوات حرس وطني لكي تكون بمثابة الجسر الذي يربط بين القوات المحلية والقومية؟. هل يمكن استمالة أعضاء الميليشيات والأعضاء المحتملين مستقبلا بدفع رواتب أفضل للخدمة في الوحدات المحلية التي تقوم بمهام مثل الشئون المدنية، والأمن المحلي، والإعمار التي تجعل مجتمعهم أفضل حالا، وتضمن لهم الأمن في الوقت الذي تتعاون فيه مع القوات القومية؟
وشأنها شأن الحرس الوطني الأميركي، من الممكن توحيد هذه الوحدات في نظام فيدرالي وتتحمل مسئولية واضحة وتتمتع بالشفافية، وتكون مسئوليتها الأولى أمام السلطات المحلية. قد تقدم وجهة النظر تلك أو ما شابهها بديل مقبول للميليشيات، وتجعل قرار الحكومة العراقية بحلها مقبولا بدرجة أكبر.
من ناحية أخرى، هناك جدل ساخن حول مستويات الجيش الأميركي في العراق. فمن الواضح أن هذه المستويات قليلة وغير ملائمة بالرغم من المزاعم بأنها كافية وفعالة. فالقوات العسكرية غير قادرة على تأمين خطوط الاتصالات والخطوط اللوجيستية. كما أنها غير قادرة على قطع خطوط العدو التي تمر عبر الحدود المفتوحة. وعلى حد قول السيناتور جون ماكين فإن القوات لعبت دورا كبيرا في نقل الوحدات إلى المناطق الأكثر خطرا، تاركين المناطق التي غادروها معرضة لعودة قوات الأعداء.
أما المبدأ وراء استراتيجية (التأمين، والبقاء، والبناء) المعلنة يتطلب البقاء في منطقة لمدة كافية حتى تكون عملية البناء فعالة. أما الانتقال إلى الداخل أو الخارج أو الاحتلال بعدد قليل جدا من القوات فلا يضمن سوى فشل عملية البناء. هناك حاجة لمزيد من القوات، إلا أن الولايات المتحدة ليس لديها هيكل قوى في الجيش والبحرية لاستمرار حتى المستويات الحالية خلال عملية الانسحاب الطويل. بينما يمكن للجيش الأميركي، وبصعوبة، زيادة عدد القوات على المدى القصير في حال ما وفرت هذه الزيادة درجة عالية من الأمن للبرامج القادمة الأخرى.
وفي النهاية، يجب أن يتحول دور الجيش الأميركي إلى دور أكثر دعما للوحدات العراقية، حتى تصير أكثر براعة، وإلى وجود إقليمي مؤازر. يجب أن تواصل الإدارة برنامج المساعدة الأمنية النشط لقوات الأمن العراقية على المدى الطويل، والاهتمام بدمجهم في تنظيم أمني إقليمي هناك حاجة ملحه إليه. كما تتطلب هذه النتيجة وضع خطة مفصلة يتم تنفيذها على مراحل، وتقوم على أساس أهداف وشروط يفهمها القادة الأميركيين والعراقيين. مساعدة أميركية في المجال الاجتماعي بقدر ما ندعي فهمنا أن الصراع هو صراع من أجل القلوب والعقول، فشلت الحكومة الأميركية في كسب المعركة. لم يستسغ الشعب العراقي فكرة عراق موحد كأفضل نتيجة بالنسبة لهم – عراق يستحق القتال من أجله، فقد تراجعوا خلف هوياتهم الطائفية. فالأشرار نجحوا في خلق الرعب اللازم، والبلادة، والدعم لهم للبقاء وسط الناس. فإذا نظر إليهم الناس كعقبة في سبيل حياة أفضل وأكثر أمنا، لن يصبح لهم وجود. لذا يجب إشراك الناس، كما يجب أن يكون لهم صوت. ومن الضروري أن تهبط جهود الوساطة لحل الخلافات المباشرة بين الفئات العراقية المختلفة. فبرامج الشباب، كبذور السلام، يجب وضعها لكي يجد الشباب نقاط التقاء عبر الفواصل الطائفية قبل أن تتمكن منهم الكراهية وتقودهم تجاه هوية عرقية أو دينية تحول بينهم وبين الاتصال بعضهم ببعض.
من الأهمية بمكان أن تأخذ "هجرة العقول"، التي تتسبب في هروب العراقيين المتعلمين، اتجاها عكسيا لضمان دعم قدرة المجتمع على العمل مع قيادة جيدة وأعضاء ذوي مهارات. ومثل هذه البرامج التي تجعل للشعب دورا في عملية بناء عراق موحد هي مكونات ضرورية للنجاح. فلا يمكن للشعب أن يكون متفرجا غير مشارك. مجال الإعلام والاتصالات هل تصل رسائل الإدارة الأميركية إلى الشعب العراقي؟ يجب أن يبدأ القادة العراقيون، بمساعدة الأميركيين، حملة إعلامية فعالة، وحوارا وطنيا، وبرنامج إصلاح، وتحديدا لجميع المشكلات التي تواجه العراق بصورة سهلة. كان من الضروري أن تستهل محاكمة وإدانة صدام حسين تلك العملية، ولكنها فشلت في ذلك. بل إنها أصبحت ميدانا له تأثير أكثر استقطابا من أن يكون ميدان توحيد. لذا يجب تطوير برنامج استخدام جميع وسائل الإعلام لإشراك ومساهمة كافة مستويات المجتمع في حوار مفتوح حول الأمور التي تحدث انقسامات وخلافات وشكوك. كما يجب أن تكون منبر عام لبحث التوصيات من أجل حل المشكلات والعمل معا. وفي نفس الصدد يجب تكوين جماعات طائفية متداخلة لترويج الحوار ومشاركة المجتمعات المتباينة. وأيضا يجب تطوير مصادر الإعلام بصورة فعالة ودمجها لتوفير قنوات الحوار والاتصال. المشاركة الإقليمية والدولية هل بإمكان الإدارة الحصول على دعم إقليمي ودولي للمساعدة على استقرار العراق؟ يجوب مسئولو الولايات المتحدة أنحاء العالم في محاولة للحصول على الدعم لمساعدة أميركا على الخروج من ورطة العراق. ستكون المهمة صعبة حيث رفضت الولايات المتحدة في البداية طرح الأمم المتحدة، وصدمت العديد من الحلفاء بخطابها البلاغي المتكبر، والافتقار إلى التشاور. قد يشك البعض في أن الإدارة سوف تسمع الآن شروطا معينة مقابل تقديم العون لها. فالممثلون الدوليون سوف يرغبون في استراتيجية أوسع تشمل تنظيم أمني إقليمي كبير يحل محل التنظيم المهلهل الحالي. كما سيرغبون أيضا في إعادة الالتزام بعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، ودبلوماسية مباشرة بصورة أكبر للمساعدة على دخول الدول المارقة، مثل سوريا وإيران، إلى الحلبة. وكذلك سيرغبون في أن تعمل الولايات المتحدة معهم لتحسين العلاقات والصور في كلا الجانبين.
ستعتمد المشاركة الدولية خارج المنطقة على بعض الظروف ذاتها، ولكنها سوف تتطلب أيضا مداخل سياسية واقتصادية وصوتا كان منكرا من قبل. وبالرغم من أن وجود القوات على الأرض لا يساعد على كسب الحلفاء المطلوبين حديثا في هذه المرحلة، إلا أنه يمكن ضمان واجب المساهمة، والدعم، والمشاركة السياسية، والتدريب الأمني، ودعم التنمية الاقتصادية، إلى جانب أشياء أخرى. الخاتمة كما ذكر من قبل، لا نرغب في أفكار حول كيفية استقرار العراق، حيث أنه ليس من المجدي مجرد تقديم قائمة أفكار دون طرح وسائل مترابطة وشاملة لتنفيذها. ويتطلب ذلك تخطيط، وتنظيم، واتجاه واضح، وقدرة حقيقية على مستوى القيادات. تلك هي الرسالة الرئيسية المطروحة هنا. قد لا تكون الأفكار والمقترحات المقدمة هي الأفضل، أو حتى قابلة للتحقيق. إنها مقدمة لتحفيز الفكر ولإظهار كيف يمكن أن تناسب هيكلا ثمة حاجة ملحة إليه، وضروري لأي أفكار كي تترجم إلى أفعال محل ثقة. حتى الهيكل المطروح قد لا يكون هو الأفضل، ولكن مرة ثانية، الهدف هو إدراك الحاجة إلى هيكل لتنفيذ أي أفكار. وما شاهدناه حتى الآن هو الحيرة، والعجز، والتضارب. ولا يمكن في هذه المرحلة اللجوء إلى التجميل، ومقترحات مبعثرة لا تحمل شيئا لمحاولة تصحيح المسار. لدينا الفرصة الأخيرة لتصحيح الأشياء، فالشعب الأميركي لا يرغب في رؤية الفشل، ولن يواصل دعم شيء لا يظهر تقدم فعلى ونجاح واضح. (تقرير واشنطن) الجنرال أنتوني زيني - القائد الاسبق للقيادة المركزية الاميركية