بعد خطاب عباس!

بقلم: جواد البشيتي

عملا بحقه الدستوري، الذي تُنْكره حركة "حماس"، قرر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مُبكِّرة، من غير أن يُغْلِق بالكامل باب الحوار مع الحركة للاتفاق على تأليف حكومة فلسطينية جديدة، يريد لها أن تكون قادرة على إقناع اللجنة الرباعية الدولية بانتفاء مبرِّراتها لبقاء الحصار المالي والاقتصادي والسياسي الدولي المضروب على الحكومة الفلسطينية، وعلى الفلسطينيين بالتالي. وحرص الرئيس عباس على أن يُظْهِر دعوته تلك على أنها الإجراء الذي به تَرْجَم خيار "العودة إلى الشعب"، الذي هو مَصْدَر السلطات جميعا، ويحق وينبغي له أن يَحْكُم بين المتنازعيْن.. بين الرئاسة والحكومة، وبين "فتح" و"حماس". ولكن، ما هو "السؤال الضمني" الذي سيجيب عنه "الناخب" عبر إدلائه بصوته إذا ما جرت الانتخابات؟ إنَّه الآتي: هل ستُصوِّت لمن يريد إنهاء "الحصار" من خلال تلبية السلطة الفلسطينية (حكومة ورئاسة) لشروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية الغنية عن الشرح؟ إنَّ المعاناة الإنسانية التي تسبَّب بها الحصار الدولي يمكن أن تَظْهَر عبر التصويت على أنها الناخب الأكبر. وهذا الناخب الأكبر، الذي ظهوره، حتى الآن، يُعَدُّ احتمالا قد يكون الأقوى، لا تصنعه (أو يمكن أن تصنعه) تلك المعاناة فحسب، وإنما الخوف من أن يتحوَّل استعصاء حل النزاع السياسي بين المعسكرين إلى حرب أهلية. "حماس" تخشى ضمنا، ويحق لها أن تخشى، أن تُتَرْجَم تلك المعاناة وهذا الخوف بنتائج انتخابية ليست في مصلحتها. وتبريرا لاعتراضها على الانتخابات المُبكِّرة، تحدَّثت "حماس"، غير مرة، عن خشيتها من اتخاذ "التزوير" وسيلة لترجيح كفَّة خصومها على كفتها.
لا بأس من جعل الدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مُبكِّرة دافعا إلى تذليل العقبات من طريق تأليف حكومة فلسطينية جديدة في مقدورها إنهاء "الحصار"، فتنتفي الحاجة، بعد ذلك وبفضل ذلك، إلى تلك الانتخابات. على أن فشل الفلسطينيين في تأليف حكومة كهذه يجب ألا يفضي إلى فشل تلك الدعوة، أو إلى تهيئة مزيد من الأسباب المؤدية إلى حرب أهلية.
"حماس" أرادت، وتريد لكثير من الفلسطينيين، أن يفهموا "الدعوة" على أنها غير مستوفية لشروطها الدستورية والقانونية، وانقلاب على "الشرعية" و"الديمقراطية"، وتطاول على إرادة الشعب الفلسطيني. إننا ضد هذا الفهم، الذي لو فهمناه على أنه حق لـ "حماس" في الاجتهاد فإنَّ الموقف السليم الذي يمكن أن يُتَرْجَم به لم تقفه "حماس" حتى الآن، فإذا كانت الحركة ترفض رفضا قاطعا إجراء تلك الانتخابات، أو انتخابات المجلس التشريعي، لانتفاء دستوريتها، على ما تقول، وترفض، بالتالي، أو يمكن أن ترفض، المشاركة فيها، ترشيحا وتصويتا، فإنها يمكن أن تدعو مؤيِّديها من الناخبين الفلسطينيين إلى الامتناع عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، فلا انتخابات، ولا شرعية سياسية وديمقراطية لانتخابات، امتنعت غالبية الفلسطينيين الذين يحق لهم الاقتراع عن المشاركة فيها. أمَّا الخشية من "التزوير"، على افتراض أن "حماس" محقَّة في خشيتها هذه، فيمكن أن تُتَرْجَم بموقف مختلف، فمثل هذه الخشية مألوفة في كثير من المجتمعات التي لم تترسخ فيها بعد، أو بما يكفي، تقاليد الحياة الديمقراطية؛ ولكن التغلُّب عليها لا يتحقق إلا بإجراءات وتدابير يتحقق عبرها مزيد من الرقابة.
إذا كانت الدعوة مستوفية لشروطها الدستورية والقانونية فإنَّ "حماس" مدعوة إلى المشاركة في تلك الانتخابات، ترشيحا وتصويتا. أمَّا إذا كانت غير مستوفية، على ما تقول "حماس" أو على ما لها مصلحة في قوله، فالخيار السليم إنَّما هو الدعوة إلى المقاطعة. كل آراء "حماس" واجتهاداتها في شأن "الدعوة" يمكن أن تكون محل جدل أو حوار أو نقاش إلا قول المستشار السياسي لرئيس الوزراء إسماعيل هنية في "الدعوة" إنها "دعوة إلى حرب أهلية"، ففهم دعوة الرئيس عباس على هذا النحو إنَّما يبذر بذور "ثقافة الحرب الأهلية"؛ وأحسب أن قيادة "حماس" مدعوة إلى نبذ هذا الفهم ومنع الألسن والأقلام من التعبير عنه.
الأزمة الفلسطينية إنَّما هي في المقام الأول أزمة ثلاثة حقوق: حق رئيس السلطة الفلسطينية في تأليف حكومة في مقدورها إنهاء الحصار الدولي، فإنهاء هذا الحصار الواقعي بوسائل وطرائق واقعية هو مصلحة حقيقية عليا للفلسطينيين. وحق "حماس" في أن تظل على رفضها القاطع والمبدئي لشروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية، فالفلسطينيون ما زالوا في حاجة إلى معارضة ترفض الاعتراف بإسرائيل من حيث المبدأ، أو لانتفاء الأسباب الفلسطينية للعدول عن هذا الموقف المبدئي، أو تعديله. وحق الفلسطينيين في أن يظلوا بمنأى عن خطر الاقتتال والحرب الأهلية، فالذي يردُّ على الرصاص بالرصاص إنَّما هو جزء لا يتجزأ من ذوي المصلحة في إشعال فتيل الحرب الأهلية.
هل فشلت حكومة "حماس" حتى تشتد الحاجة إلى "العودة إلى الشعب" عبر انتخابات مُبكِّرة؟ إنني أفهم "الفشل" في معنى مختلف عن معناه لدى "حماس" أو لدى خصومها. لقد فشلت حكومة "حماس" إذ أظهرت عجزا عن كسر أو إنهاء الحصار الدولي من غير أن تلبي شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية. لو أنها جاءت بما يقنع الفلسطينيين بأنها قادرة على إنهاء معاناتهم الإنسانية التي تسبب بها الحصار الدولي من غير أن تلبي شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية لقلنا بنجاحها، ولوَقَفْنا مع تجربتها الجديدة والجيدة في الحكم. أمَّا أن يعجز رئيس وزرائها عن إدخال المال الذي جاء به فهذا إنَّما يدل على أنها لا تملك من القوى والوسائل ما يسمح لها بأن تكون حكومة كَسْرٍ للحصار.
قد تقول "حماس" إنَّ الحصار كان ممكنا كسره لو أنَّ الرئاسة و"فتح" تعاونتا معها، ووقفتا إلى جانبها في سعيها إلى كسر الحصار. هذا القول لا يمكنني أن أفهمه إلا على أنه وجه آخر من وجوه الفشل.. الفشل في أن تُظْهِر من "الحيوية السياسية" ما يكفي للتأسيس لتعاون مثمر وحقيقي مع خصومها ومعارضيها. وقد أرى فشلا حتى في "التوقُّع"، فـ "حماس"، على ما أعتقد، لم تكن تتوقَّع أن يؤدي نجاحها الانتخابي، وتأليفها الحكومة من ثم، إلى هذا الحصار الدولي؛ وإنْ توقَّعته فهي لم تكن تتوقَّع، على ما أعتقد أيضا، أن تذهب جهودها، وجهود مؤيِّديها في الخارج، لكسر الحصار أدراج الرياح.
الحصار مع ما تمخَّض عنه إنما هو ثمرة نقص في السيادة الفعلية التي يملكها الفلسطينيون، والذي تأكَّد وثَبُت بعد تأليف "حماس" لحكومتها، وكأن هذه الحكومة لم تأتِ للتغلُّب على هذا النقص وإنما لإظهاره وتأكيده. لقد اعترف الرئيس الفلسطيني بأن الفلسطينيين لا يملكون، حتى الآن، من السيادة إلا ما يجعلهم لقمة سائغة للحصار، فعابت عليه "حماس" قوله هذا مع أن هنية ما كان له أن يغادر معبر رفح للقيام بجولته لولا المساعي التي بذلتها الرئاسة الفلسطينية والتي شملت الإسرائيليين والمصريين والأوروبيين.
الحصار لم يُفْرَض على الفلسطينيين إلا من أجل منعهم من الاحتفاظ بمعارضة تقوم على رفض الاعتراف بإسرائيل، أو لإيقاعهم في فخ الحرب الأهلية. ولا شك في أن الفلسطينيين سيحبطون هذين الهدفين الكامنين في الحصار إذا ما قرَّرت "حماس" أن تغادر مع "ثوابتها السياسية" الحكومة وكل موقع من مواقع السلطة التنفيذية لتظل محتفظة، فحسب، بموقعها في المجلس التشريعي.. وإذا ما قرَّرت، إضافة إلى ذلك، تفويض الرئاسة الفلسطينية بعمل ما تستطيعه من أجل فك الحصار، وبدء تفاوض سياسي جديد مع إسرائيل، فلا ضرر من "التفويض بالتفاوض" ما دام الشعب الفلسطيني سيدلي برأيه في الاتفاق الذي يمكن أن تتمخَّض عنه مفاوضات السلام.
أمَّّا إذا استصعبت "حماس" هذا التنازل، أو قبول تأليف حكومة جديدة تستوفي شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية لفكِّ الحصار، فإنَّ خير موقف يمكن أن تقفه هو تأييد دعوة الرئيس الفلسطيني إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مًبكِّرة، فإذا استصعبت هذا الموقف فلْيَكُن خيارها، عندئذٍ، هو الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات. إنَّ إنهاء الحصار مع تجنيب الفلسطينيين خطر الحرب الأهلية هو الميزان الذي به ينبغي لـ "حماس" أن تزن من الآن وصاعدا كل موقف تعتزم اتخاذه. جواد البشيتي