العالم الجديد ليس جديدا

الاسكندرية (مصر) - من سعد القرش
حضارات اميركا ما قبل كولومبوس تتعرض للانكار

في تأريخه لفجر الكتابة يصف كاتب بريطاني النظريات الغربية حول الحضارات بالعنصرية كما يشير الى أن "العالم الجديد" كان يمتلك حضارة وتاريخه لم يبدأ مع وصول كريستوفر كولومبوس في نهاية القرن الخامس عشر.
ويقول أندرو روبنسون في كتابه "اللغات المفقودة" إن جهود العلماء منذ سبعينيات القرن العشرين كشفت عن حقائق جديدة منها أن "العالم الجديد أيضا كان يمتلك حضارة مزدهرة في مجال الكتابة زمن الامبراطورية الرومانية لعل أشهرها حضارة المايا التي يرجع تاريخها الى قرابة 1500 عام قبل أن يصل كولومبوس الى أرض تلك البلاد" عام 1492.
ويضيف أن حضارة المايا ازدهرت بالمكسيك بين عامي 250 و900 ميلادية "وقد ترك لنا المستعمرون الاسبان ورجال الارساليات الكاثوليكية روايات شتى عن الاثار المذهلة التي كانت مدفونة في غابات أميركا الوسطى" مضيفا أن المستعمرين استكثروا على من أطلقوا عليهم الهنود الحمر "التعساء" أن يكون لاسلافهم صلة بهذه "الآثار العظيمة".
ويشير الى أن أهل المايا كانوا "مثل الهندوس أسبق من البابليين والرومان في اختراع علامة الصفر في شكل الصدفة أو القوقعة... استنتج علماء القرن العشرين ملامح منظومة المايا للارقام من واحد الى تسعة".
ويقول إنه بعد فك طلاسم كتابة المايا يمكن القول بثقة ان تاريخ أميركا لا يبدأ بوصول كولومبوس "كما كان يظن الجميع منذ نصف قرن أو أقل" مشيرا الى أن هذه الطلاسم التي ترجع الى ألفي عام تجعل بمقدور الباحثين أن يقدموا دراسة بهمة وحماس لا يقلان عما صاحب دراسة تاريخ مصر القديمة وبلاد اليونان.
وأنجز الطبعة العربية مترجمون مصريون وأشرف على تحرير الكتاب الباحث المصري خالد عزب.
وصدر الكتاب الذي يقع في 343 صفحة كبيرة القطع في سلسلة "دراسات في الخطوط" عن مكتبة الاسكندرية بعنوان فرعي هو "لغز كتابات العالم المطلسمة".

ويعد روبنسون من المهتمين بالتأريخ للكتابة عبر كتب منها"قصة الكتابة.. الابجديات. الكتابات المقدسة والرموز التصويرية" و"شكل العالم.. رسم الخرائط واكتشاف الارض".
ويرى أنه بعد فك رموز بعض اللغات المفقودة في أماكن متفرقة منها جزيرة كريت والهند وأميركا الوسطى وبلاد ما بين النهرين ومصر القديمة "استقامت صور هؤلاء القدامى وحكامهم وعوفيت من ضباب الاسطورة وشطحات الخيال... وبهذه الجهود الجبارة أصبح موقع الحضارتين اليونانية والرومانية الكلاسيكيتين في إطارهما الصحيح بحيث لم نعد ننظر اليهما كالأساس الأوحد الذي قامت عليه الحكمة الغربية".
ويصف النظريات الغربية التي سادت حول نشوء الحضارات القديمة بأنها عنصرية.
ويرجح أن شعب المايا أخذ فكرة الكتابة وليس العلامات والرموز عن كتابات أقدم زمنيا لكنه لم يحدد طبيعتها أو مكانها أو البيئة الحضارية التي أنتجتها.
ويرى روبنسون أن اختراع الكتابة من أهم الانجازات البشرية "ان لم يكن أهمها جميعا فبدون الكتابة ليس ثمة تاريخ".
وتمكن المستشرق الفرنسي جون فرانسوا شامبليون عام 1823 من معرفة اللغة المصرية القديمة بعد أن فك نقوش حجر رشيد الذي عثر عليه جنود نابليون بونابرت عام 1799 لكن الحجر نفسه استقر في المتحف البريطاني بلندن بعد انتصار القوات البريطانية على نابليون.
ويروي المؤلف واقعة تجسد اكبار جنود نابليون لما تمثله مصر القديمة حيث توقف جيش نابليون أمام معبد الاقصر بأعمدته ومسلاته الضخمة التي تحمل نقوشا منها هجوم الرماة الفرسان بقيادة رمسيس الثاني على الحيثيين في شمال بلاد الشام ومنطقة الاناضول في معركة قادش نحو عام 1275 قبل الميلاد.
وينقل عن شاهد عيان أن جيش نابليون شعر بالرهبة من هذا المنظر حتى أن الجنود "توقفوا من تلقاء أنفسهم وبحركة تلقائية طرحوا أسلحتهم أرضا".
ويقول إن الفيلسوف سقراط روى قصة ذهاب "الاله المصري توت (تحوت) المبتكر الاسطوري لفن الكتابة" الى ملك مصر ليتلقى منه التهنئة على اختراعه الكتابة فخاطبه حاكم البلاد قائلا "أنت يا رب الحروف" لكن الفرعون ذكر تحوت بأن للاختراع وجها حسنا واخر سيئا.
وتحوت هو اله القمر ومن أسمائه أيضا رسول الالهة ورب الكتابة والحكمة واتخذت منه جامعة القاهرة شعارا لها.
وينوه روبنسون بجهود المؤرخ مارتن برنال في كتابه "أثينا السوداء" الذي ترجم الى العربية بالقاهرة ودلل مؤلفه على أن هناك جذورا أفريقية-اسيوية "للحضارة الكلاسيكية".
ويرى روبنسون أن فك طلاسم الكتابات القديمة يتطلب جهدا "عقليا خارقا وخيالا واسعا" مشددا على أن الامر يستحق هذا الجهد فمن شأن هذه الاكتشافات أن تجعل البشرية تتواصل مع الطرق "العبقرية" للتعبير عن المشاعر خلال خمسة الاف عام مضت.
ويقول في السطر الأخير من الكتاب ان "في هذا كله ما يجعل جنسنا البشري انسانيا بمعنى الكلمة".