ابن عروس.. مصري أم تونسي؟

بقلم: السيد نجم
لم يره أحد

أحمد بن عروس هو رائد شعر العامية المصرية، اختلفت حوله الآراء: فمن قائل أنه مصري، ومن قائل أنه تونسي.. ومن قال أنه خيال ولا وجود له، ومن قال بل عاش ومات في صعيد مصر.
وقع الفنان الباحث محمود الهندي في الشرك، وهو ما أشار إليه في كتابه المهم "ابن عروس: السيرة..اللوحات.. النصوص" الذي صدر مؤخرا عن سلسلة "الدراسات الشعبية" بالقاهرة.
يقول الكاتب في المقدمة "بدأت قصتي مع ابن عروس عام 1970م، حققت ديوانه الصغير.. بعد فترة سألت الشاعر عبدالرحمن الأبنودي عن رأيه في فكرة كتاب حول ابن عروس فحذرني، ولا أخفي أن هذا الرأي صدمني".
وتابع الباحث عمله، فكانت الآراء التي اختلفت إلى حد التناقض، فالأبنودي يرى أنه تونسي والهندي يرى أنه مصري، وهناك رأى ثالث بأنه عن رواية لأحد المغاربة، ولكل من الآراء أنصار ودلائل تثبت رأيه.

هناك عدد من الظواهر أو الحقائق التي تكاتفت معا لخلق هذا اللبس.
فشخصية ابن عروس هي شخصية شفهية، ولا توجد مدونة موثقة واحدة تشير إلى تاريخه ورسمه أو حتى مكان ميلاده وأصله بالتأكيد.
مجتمع الرواة، وهم من يقومون عن الشاعر بحفظ أشعاره وترديدها في التجمعات، فهذا أمر مهنتهم ويسترزقون بها، ينالون من الهبات والهدايا ما يستحقه الشاعر، الذي لا ينال شيئا، وهم أنفسهم لا يعنيهم الإفصاح عن الشاعر الأصلي فضلا عن كون بعضهم يقرض الشعر وقد يضيف من قريحته أو حتى ينسب كل العمل اليه.
لأنه هكذا شاعر رائع يهتم بهموم الناس، يبدو أن البسطاء نسبوه إليهم سواء في مصر أو في تونس.
كما تلاحظ أن هناك الكثر من الشعراء الجدد الذين تمثلوا أعماله وساروا على خطاه.
إن كان البعض يرى أن ابن عروس تونسيا قدم إلى مصر وأقام بها ومات، فان الهندي خلص إلى بعض ما يعتقده صحيحا بعد هذا البحث الطويل.
يقول الهندي "من الممكن أن يكون ابن عروس تونسيا حضر إلى صعيد مصر وترك خلفه طريقته في المربعات (القطعة الشعرية من أربعة سطور)، ثم عاد إلى تونس ليدفن هناك".
ويضيف "ومن الممكن أن يكون مصريا عاش حياة قطاع الطريق في صعيد مصر ثم تحول إلى الزهد والتصوف، وكعادة المتصوفة رحل إلى تونس ليموت على أرضها"، كما يمكن ترجيح وجود شخصين كلاهما يحمل اسم ابن عروس، واحد بمصر والآخر بتونس وكل منهما كتب الشعر بنفس الطريقة وبنفس التناول".

بذلك العرض الافتراضي الذي قدمه الهندي في كتابه قدم للقارئ وجبة دسمة لإمكانية البحث من جديد.
لم يحسم الأمر في كل الآراء والإشكاليات التي تعرض لها أي باحث من قبل في تناوله لشخص وأشعار ابن عروس، وهو حل تحليلي، لكنه لم يحسم القضية/القضايا المتعلقة بأحد أهم شعراء العامية في العالم العربي وربما الرائد الحقيقي لهذا الفن.

أما الذي لم يختلف حوله أهل الذوق والبحث والجمال هي أشعار ابن عروس سواء لموضوعاتها التي تلاحق المشاعر والأحوال الإنسانية، أو الشكل البسيط العميق لقصائده أو اللغة القريبة إلى وجدان الجميع والى فهم الناس، فضلا عن الخيال الشعبي المتميز وصاحب الخصوصية، وهنا نعرض لبعض تلك النصوص:
الصديق.. ما يرقد الليل مغبون (المغبون هو المنسي)
ولا يقرب النار دافي
ولا يطعمك شهد مكنون (أو مستور)
إلا الصديق الوافي.
الدنيا.. دنياك ما فيها مغنم
شبه الذي بات يحلم
طلع النهار ما لقي شي (شيء)
الجاه.. لو كنت خايف من الله
ولا من القبر والهول (الفزع)
ما كنت تغتر بالجاه
والظلم والجوز والصول (أي الصولجان والنفوذ)
كيد النسا.. كيد النسا يشبه الكي
من كيدهم عدت هارب
يتحزموا بالحنش (الثعبان) حي
ويتعصبوا (طي الشيء) بالعقارب
الكي بالنار.. يا قلب لاكويك عاشق بالنار
وان كنت عاشق لازيدك
يا قلب حملتني العار
وتريد من لا يريدك
الكلام.. قلل كلامك وخليك (اجعل من نفسك)
في كل محفل موقر
وأحسن لمن كان يؤذيك
بالسوء في كل محضر (مجلس).

تتنوع الموضوعات إلا أنها تحرس القيم العليا والمفاهيم الجماعية التي ترعى مصالحها على مستوى الفرد والجماعة.

وتبقى الإشارة إلى أن الكتاب المتميز يضم ديوان ابن عروس وهو صغير لا يزيد عن ثلاثين صفحة، كما يضم عرض مفصل للآراء المؤيدة لكون ابن عروس تونسيا وتلك التي تؤيد كونه مصريا، بالإضافة إلى رأي الكاتب الذي جعل القارئ على رغبة من تجديد البحث والتنقيب عن تلك الشخصية الرائدة.
وأخيرا هناك عدد غير قليل من رسومات الكاتب نفسه، الذي عرف في الحياة الثقافية بكونه فنانا تشكيليا، وكل ما تقدم أعطى للكتاب نكهة خاصة، نظرا لجديته ومنهجه العلمي وقدر النزاهة الذهنية والعاطفية مع أشعاره ورسوماته.

السيد نجم

abnegm@gmail.com ab_negm@yahoo.com