مشهد من معركة وهمية في شوارع بغداد

في الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم الاثنين الحادي عشر من كانون الاول/ديسمبر 2006 كنت متجها من منطقة "الوزيرية" ببغداد الى ساحة "المقاتل العراقي" في "الباب المعظم"، وقبل ان نصل الساحة بثلاثمائة متر، طلب مني سائق سيارة الاجرة الترجل، وأخذ يحوِّل اتجاه سيارته بهدف الرجوع على الرغم من انه سيسلك الاتجاه الخطأ. رفضت النزول كوني اهدف الوصول الى الساحة حسب الاتفاق، ولكنه تصرَّف بخشونة وقلة أدب، فقد كان الذعر بادياً عليه. لم اتبين ما يحصل هناك في ساحة المقاتل العراقي، ولكني ترجلت ورحت ادقق فيما يجري. كانت كل السيارة تعود مسرعة، والرجال والنساء يركضون بشتى الاتجاهات، وكان صوت إطلاق النار يصم الاذان ويزيد من فزع المارة.
وقفتُ مقابل "الكرنتينة" اراقب المنطقة محاولا فهم ما يجري. كان حراس كل البنايات الحكومية هناك يقومون باطلاق النار، وهي بنايات كلية الحكمة الموجودة في عقار تابع للوقف السني، فرع مصرف الرافدين المقابل للكلية، مركز صحي يجاور الكلية، ديوان الوقف الشيعي، وزارة الصحة التي تقع على طرف الساحة، ثكنة وزارة الدفاع وهي على الطرف الاخر من الساحة في مدخل شارع الرشيد. لم يكن طلاق النار موجها نحو جهة محددة. وكان الحراس يقفون منتصبين ويطلقون النار نحو شتى الاتجاهات، وقلة منهم كانوا بوضع اطلاق النار من البروك.
وفجأة وجَّهَ أحد حراس المصرف سلاحه نحو مُجمَّع سكني غير شرعي، احتل أفراده بناية كانت تابعة للجيش داخل ساحة الكرنتينة، وسرعان ما وجه آخرون بنادقهم نحوها. وبحركة دراماتيكية، أخرج بائع الشاي الرجل المُسِن الذي كنت أقف الى جواره بندقيته ووجهها نحو المجمع، ولكنه لم يفتح النار. كان الحارس الذي فتح النار على المجمع يصرخ: يوجد في ذلك الشباك مسلح أطلَقَ النار نحونا. وفي الحقيقة فإنني وكنت في جانب الطريق الذي يقف فيه الحارس لم الحظ أي إطلاق نار من المجمع. وبعد قليل حوَّل الحارس فوهة سلاحه نحو جهة أخرى، ومر رتل من سيارات الشرطة والجيش مجتازا واجهة المجمع، ولم يطلب الحارس المذكور منهم محاصرة المجمع وتفتيشه مايدل على انه لم يكن صادقا في زعمه.
استمرت هذه المعركة حوالي نصف ساعة، وفجأة توقف كل شيء، وخرج موظفو الدوائر الحكومية المحاصرون يهرولون نحو الازقة المجاور. وبعد قليل عادت الحركة الى شكلها الطبيعي وكأن شيئا لم يكن.
لم اجد في نفسي رغبة لمغادرة المكان. فقد كنت أريد ان احلل ما جرى بشكل مهني احترافي. تفقدت الجدران التي كان حراس المصرف يسندون ظهورهم اليها عندما كانوا يطلقون النار، فلم أجد أثرا لإطلاق نار على أي منها وكذلك بقية الجدران للبنايات الاخرى، أي ليس ثمة عدو في الجهة المقابلة يطلق النار باتجاههم. ولما كان الحراس المدنيون والشرطة والجنود الذين كانوا يقومون باطلاق النار يفعلون ذلك من وضع الوقوف، وانهم لم يصوِّبوا اسلحتهم نحو اتجاه واحد، بل ان اغلبهم كان يوجهها نحو السماء. وان أي منهم لم يبحث عن ستر يدرأ عنه الرصاص القادم من جهة الخصم، وان أيا منهم ممن لم يجد سترا لم يحاول الانبطاح. وان تلك أمور يجري تدريب الجندي المستجد عليها ويطلب منه اكتساب المهارات اللازمة لتنفيذها وخلال الشهر الاول من دخوله الجيش. فان هؤلاء كانوا يقومون باعمال خلاف ما تلقوا في مراحل التدريب الاساسي، والسبب في ذلك انهم لم يكونوا يخشون إطلاقات معادية تقتلهم.

ماذا يعني ذلك كله؟
انه يعني ان ما حصل كان معركة من طرف واحد. أي انها معركة وهمية أطلق خلالها الجنود النار اعتباطا. وهي واحدة من الفعاليات التي تكرّس الرعب والفزع في عاصمة البلاد. أما لماذا اختلقوا هذه المعركة، فوراء ذلك اسباب كثيرة منها:
1. سيثبت هؤلاء الحراس لمسؤوليهم ضرورة تواجدهم الكثيف وانه لامجال للاستغناء عن بعضهم، بدليل ان وجودهم حال دون احتلال "الارهابيين" للبنايات الحكومية المهمة تلك.
2. لاشك ان كل حارس وشرطي وجندي قام باطلاق عشرات الطلقات، وبذا فانه سيقدم تقريرا لرئيسه يذكر فيه انه قام باطلاق مائة إطلاقة أو أكثر من أصل مائة وعشرين إطلاقة هي ما بعهدته مما يسمى "عتاد الخط الاول" سيؤمن له ذلك الافتراء في حالة حصوله الاحتفاظ بكمية كبيرة من الاطلاقات يسلمها الى تنظيم مسلح معين ، أو يبيعها لحسابه الخاص.
ان من شأن اختلاق مثل هذه المعرك الوهمية:
1. اثارة الفزع بين صفوف المدنيين من موظفين وسابلة.
2. تعطيل الدوام الرسمي إذ ان جميع الموظفين في الدوائر التي كان حراسها يقاتلون الهواء، انصرفوا مبكرا وقبل انتهاء الدوام الرسمي.
3. تكبيد الميزانية صرفيات هائلة هدرا، سواء عن طريق عشرات الالاف من الاطلاقات المستخدمة والمسروقة، أو عن طريق اندثار البنادق والرشاشات المشاركة في اطلاق النار.
4. وقوع خسائر في الارواح والممتلكات نتيجة لاطلاق النار الذي كان الرماة يستمتعون به حتى ان حراس مصرف الرافدين كادوا يحرقون مجمعا سكنيا يضم عشرات العوائل، لمجرد ادعاء احد هؤلاء الحراس ان احد سكان المجمع قام باطلاق النار باتجاهه.
الملاحظ على طريقة عمل هؤلاء الحراس، انها طريقة أمريكية صرفة، فمؤسسات الادارة الامريكية كالبنتاغون ووزارة الخارجية والمخابرات المركزية، تسعى كلها من أجل خلق اخطار وهمية تهدد الامن القومي الامريكي وربما العالمي، وانها بصدد التصدي لتلك الاخطار.
وهي تهدف من وراء ذلك الى اقناع الكونجرس المغفَّل بانها بحاجة الى مزيد من الدعم والميزانيات المالية المرتفعة للنهوض بأعباء تلك المهام الخطيرة. وما حرب أمريكا في العراق غير شاهد بسيط على ذلك. ولما كان عسكريو "الباب المعظم" هم ثمرة التعاون التدريبي العسكري الامريكي، فلا شك ولا ريب، انهم لُقنوا تلك الاساليب من قبل معلميهم الامريكان، ليثبتوا لرؤسائهم وللحكومة العراقية اهميتهم والحاجة الماسة اليهم، ومكافئتهم على نجاحهم في صد الارهابيين، عدا عن الاستحواذ على اكبر كمية من الاطلاقات التي ستتسرب تحت معاطفهم، على أساس انها اطلقت لصد الهجوم المعادي.
ترى الى متى نظل تحت رغبات ومزاجات مثل هذه العناصر، فيموت الناس جراء اطلاق النار الطائش والمتهور، وتُحرق الممتلكات وتُهدر الاموال ويشاع الرعب والفزع ليحصلوا على اطلاقات مجانية، ويثبتوا جدارتهم وأهميتهم في تحقيق الامن والامان؟ حسن عبيد عيسى