'المجال' الليبية تقفز من فوق أسوار جامعة عمر المختار

كتب: أحمد فضل شبلول
تتأسس اليوم بآفاق الغد

دائما ما ترتبط المجلات الجامعية في ذهن القارئ أو الدارس أو المتابع، بأنها مجلات علمية محكَّمة ورصينة، شكلا وموضوعا، وأنه لا مجال للمادة الخبرية أو الكتابات الخفيفة فيها، ولا مكان للصور الفوتوغرافية المصاحبة، إلا فيما يتصل بمادة البحث العلمي، أو الدراسة الأكاديمية التي يقدمها الباحث أو أستاذ الجامعة الذي يحرص على نشر أبحاثه في تلك المجلات الجامعية ذات الطابع الخاص، للحصول على ترقية، أو درجة أعلى في مجاله الأكاديمي، بل أن هناك من أساتذة الجامعة من يدفع مقابلا ماليا نظير نشر ورقته البحثية في المجلات الجامعية المحكمة، وذات مرة اطلع أحد أقربائي على بحث أدبي منشور لي في إحدى المجلات الأدبية، فسألني: كم دفعت نظير نشر هذا البحث؟ فأجبته إنني لم أدفع شيئا، بل أتقاضى مكافأة مالية. فباح لي أنه يدفع مبلغا ماليا نظير نشر أبحاثه في مجلة الكلية التي يعمل بها، فقلت له: ربما في عالم الثقافة والأدب الأمر يختلف.
ومنذ أن وقع في يدي العدد الجديد من مجلة "المجال" الليبية التي تصدرها جامعة عمر المختار بالبيضاء، ويشرف عليها أ. د. محمد السنوسي بن عامر، ويرأس تحريرها سالم الهنداوي، وأنا أقول إن هذا هو دور الجامعة الحقيقي، أن تربط ثقافتها بثقافة المجتمع المحلي والعربي والعالمي، وألا تكون مجلتها مجرد مجلة جامعية رصينة ومحكَّمة ومنغلقة على نفسها، ولا يعرف عنها المجتمع الثقافي الداخلي والخارجي شيئا.
وبما أن "المجال" اختارت لنفسها أن تخرج إلى المجتمع الثقافي الواسع، وأن تكون مجلة ليبية عربية ثقافية شاملة، لذا فإن ثوبها جاء مناسبا لهذا الخروج، وجاءت موضوعاتها معبرة عن اللحظة الثقافية والعلمية الآنية.
ومع الرصانة العلمية وجديتها في بعض المواد، سنجد في "المجال" مواد أخرى حوارية وإخبارية ثقافية وعلمية، ذات إخراج وتبويب يناسبان طبيعة المجلة التي تتوجه إلى القارئ العادي، إلى جانب المثقف العضوي الفعَّال.
وكان مدار العدد الجديد (الحادي عشر) من "المجال" ـ أو ملف العدد ـ هو حقوق الإنسان، "وعندما تتصدى "المجال" لفتح ملف حقوق الإنسان، فإنها لا تريد أن تعكس صدى تلك الضجة المثارة في الأوساط الغربية، بل تسعى إلى تأكيد رسالتها المعرفية، باعتبارها قناة للتواصل بين الجامعة والمجتمع، تعمل على توسيع مساحة الوعي والحرية والحقوق، من خلال المعرفة"، على حد قول المشرف العام د. السنوسي بن عامر.
وعلى هذه الخلفية، يحاور د. محمد فلحي (مدير التحرير) السفيرة نجاة الحجَّاجي ـ الرئيس السابق للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي ترى أن حقوق الإنسان مشكلة دولية ولا نريد دروسا من الغرب، وأنها لم تشعر يوما في بلدها أن لديها حقوقا ناقصة عن الرجل، أو أن هناك تمييزا ضدها لكونها سيدة، وفي رأي السفيرة الحجَّاجي أن الدول الاستعمارية مارست كل أنواع انتهاكات حقوق الإنسان، حينما احتلت بلداننا في فترات تاريخية سابقة.
ثم يتساءل د. محمد عابد الجابري عن: حقوق الإنسان: ثقافة أم أيديولوجيا؟ وهو يرى أن تراجع الماركسية وسقوط الاتحاد السوفيتي، كان له الدور الأكبر في تراجع مفهوم "الأيديولوجيا".
ويتحدث د. عباس غالي الحديثي عن حقوق الإنسان والتنمية المستدامة بين رؤية الشمال وطموحات الجنوب. وهو يرى أن حقوق الإنسان لا يمكن تحقيقها، إلا في مجتمع يعيش عملية تنموية شاملة، وأن الحق في التنمية حق إنساني غير قابل للتحويل.
إما هبة رؤوف عزت، فتتناول إشكاليات مفهوم "حقوق الإنسان"، وهي تقدم نموذجا للمفاهيم التي يحاول الغرب فرض عالميتها على الشعوب الأخرى، في إطار محاولته فرض سيطرته ومصالحه القومية، في حين أن الحق الشرعي للإنسان في الإسلام، يستند إلى التكريم الإلهي ويرتبط بمفاهيم الأمانة والاستخلاف والعبودية لله وعمارة الأرض.
وعن حق الجنسية في ضوء القانون الدولي العام والوثيقة الخضراء لحقوق الإنسان، يتحدث د. عبد الناصر عبد الفتاح زهرة، فيقول: إن الجنسية نقطة البداية الحقيقية للحياة القانونية للفرد، والتي لا كيان له بدونها، وأن الوثيقة الخضراء نصَّت على أنه لا يجوز إسقاط الجنسية أو سحبها نهائيا. بينما يتحدث حسان أيو عن التربية على حقوق الإنسان.
أما جعفر حسن الطائي، فيتفاعل مع العصر الرقمي ويتساءل: من المسئول عن حق حماية العقول، وهل تضليل العقول أداة للقهر، وهل هناك علاقة بين تكنولوجيا الاتصالات وحقوق الإنسان؟ ويكتب طيب تيزيني عن العولمة وحقوق الإنسان. في حين يتناول د. ميلاد الحراثي موضوع تأصيل ثقافة حقوق الإنسان والحريات في ليبيا، فيقول: إن أبناء المجتمع الجماهيري يتصرفون كما يشاؤون في حياتهم الخاصة، وأن الأسرة والعائلة والقبيلة نالت مساحة مميزة وفريدة في أدبيات الحقوق والحريات في ليبيا.
وينهي د. ميلود المهذبي مدارات حقوق الإنسان، بمقال عن التعذيب، ومعناه قانونا، وقيم الإسلام ومعاملة الأسير.
وتبدأ بعد ذلك مجالات ـ أو مدارات ـ الأدب والثقافة، فيقدم لنا رئيس التحرير القاصة المغربية منى وفيق، وجماليات الأنوثة في قصص الحياة، كما يحدثنا عن واسيني الأعرج ضمير الأوراس، الذي تحاوره منى كريم، فيقول لها: إننا نملك ذخائر عظيمة، وتمر أمامنا كالهواء.
ولم تكتف "المجال" بالحوار مع الأعرج، بل تقدم ملفا صغيرا عنه، يشارك فيه مراد الطرابلسي الذي يكتب عن "حارسة الظلال"، وجمال فوغالي الذي يلتقي الأعرج في دوَّار منحدر السيدة المتوحشة.
ثم تهب علينا رياح الإبداع الجميل، متمثلة في قصيدة "مات ملكا على المدينة" للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين، وقصائد أخرى لسليمان رجب، ومحمود بن نجاح، ومحمد أبو جارالله، وقصص لحسن حميد، وتمام محمود، وزينب إدريس الخضر.
وفي مجال الدراسات الأدبية والنقدية، يكتب مصباح الغناي قجدور عن توظيف الحكاية الشعبية في الكتابة الأدبية، ويتحدث خالد مفلح عيسى عن أدب المقامات والترسل وإشكالية تأخر ظهور الفن القصصي عند العرب، ويتناول د. ناصر علي إبراهيم قصيدة "سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا" لمحمود درويش من خلال السمة الدرامية، وتقنية السرد الواضحة بالقصيدة.
وعن العمارة والشعر تكتب فاطمة ناعوت. ومن الآداب العالمية يكتب ويترجم د. محمد قصيبات لأنطونيو ماشادو، وإيقاع الطبيعة البطيء.
ومن المشهد الأدبي العربي والعالمي، تنتقل بنا "المجال" إلى مرايا المشهد اللبناني، ثم يحدثنا خالد محمد الهذَّار عن كتاب "عرض للوقائع التاريخية البرقاوية" لروفيري، الذي ترجمه د. إبراهيم المهدوي. بينما يعرض سالم امحمد الرعيدي، لمرايا الطوابع البريدية، وهل هي مجرد رسوم مالية أم رؤية فنية؟ وعن مرايا الحركة الكشفية يكتب محمد خليفة إدريس، وعن مرايا التراث يحدثنا ميكائيل الحبوني، ويتساءل: هل تمتد جذور عاداتنا الاجتماعية إلى الديانات القديمة، وهل طبيعة الإنسان وفطرته تجعله يتخوف من المجهول؟
أما مرايا قورينا (الليبية) ذات الطبيعة الساحرة واللذة الخالصة، فيحدثنا عنها محمد عبد الرازق عمران. وعن الموقف المفاجئ بين مدريد والرباط يكتب ناصر الدعيسي، بينما تكتب عناية جابر عن عالم من متاع بخس.
وغير ذلك من الموضوعات العلمية المفيدة التي منها عرض كتاب موضوع الإنترنت في العالم العربي، وهل هو مساحة جديدة من القمع، لمؤلفه جمال عبد العزيز عيد.
وعودة إلى بيروت، لتكون مسك ختام العدد الجديد من "المجال"، فيكتب عنها سالم الهنداوي تحت عنوان "بيروت .. ضاحية الشمال والجنوب".
وهكذا نرى أن تلك المجلة الجامعية الفصلية التي تصدر عن جامعة عمر المختار، خلعت ثوب الأكاديمية، ووشاح الأستاذية، وقفزت خارج أسوار الجامعة، وانطلقت في عوالم أكثر رحابة، وأعمق تأثيرا في واقعنا المعيشي واليومي، دون أن تتخلى عن المنهجية والتناول العلمي الموضوعي للمقالات والدراسات والأخبار وعروض الكتب، وغيرها من المواد الجديرة بالقراءة.
ومن الجدير بالذكر أيضا أن "المجال" فتحت أبوابها لكتابها من الجامعات الليبية الأخرى، فإلى جانب كتَّابها من جامعة عمر المختار، نجد كتَّابا من جامعة قاريونس، وجامعة سبها، بل إنها توجه الدعوة للجامعات العربية للمشاركة في تحرير موادها تحقيقا للتواصل الثقافي والمعرفي بين مختلف جامعاتنا.
وإلى جانب كتَّابها من الأدباء والكتاب والباحثين الليبيين، نجد كتَّابا عربا من مصر ولبنان وسوريا والمغرب والجزائر وفلسطين والأردن.
فعلا إن "المجال" مجلة فصلية للثقافة والعلوم، تتأسس اليوم بآفاق الغد، لذا نرى أنه من الأهمية إصدارها بصفة شهرية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية