الشعوذة تعوض الطب النفسي لطرد الجن في كردستان

السليمانية (العراق) - آزيز محمود
اخرج منها يا ملعون

وسط غرفة مظلمة، ينطرح رجل وثلاث نساء على الارض والبطانيات تغطي اجساد ووجوه النسوة، بينما يوضع القران على رؤوسهم. يبدو انهم غائبين عن الوعي وعيونهم مغمضة.
يقف الملا نوشيروان، طويل القامة، طغى الشيب على لحيته، قرب رؤوسهم يتلو سورا من القران بصوت عالي. ثم بدأ بضربهم بعصا وهو يصرخ، "اخرج ايها الجن من جسد هذا المسلم".
بينما كان يضربهم، كانوا يصرخون دون ان يفتحوا عيونهم، واجسادهم ترتجف. استمر ذلك لنصف ساعة وبعد ذلك اخبرهم نوشيروان، " انهضوا، فقد غادر الجن اجسادكم".
يجتذب منزل نوشيروان في مدينة سيد صادق، 40 كم شرق السليمانية، الناس الذين يفقدون ايمانهم وثقتهم بالطب التقليدي ويعتقدون ان مرضهم هو بسبب قوى خارقة وليس بسبب نفسي او جسدي.
الناس الذين يقصدون نوشيروان مقتنعون تماما ان "الجن" يتملك اجسادهم ويتسبب في آلامهم وضيقهم.
في الاساطير الاسلامية، فان الجن هو مخلوق خارق للطبيعة وغير منظور وبامكانه تقريبا فعل أي شيء، وطرده من الجسد يتم عبر شعائر دينية معروفة ولها تاريخ طويل في المنطقة.
يعتبر الشيوخ والملالي رجال دين مقدسون في كردستان وبامكانهم معالجة مثل تلك الامراض. الاطباء والاطباء النفسانيين لا يعترفون بتلك الشعائر كونها خرافية، لكن الكثير من الناس العاديين يؤمنون بقواهم وقدراتهم على الشفاء.
زار عبد الرحمن عبد الله، 55 عاما عدد من الاطباء بحثا عن علاج لألم في معدته. وصف له الاطباء الحقن والحبوب وفحصوه بالامواج فوق الصوتية ولكن دون جدوى.
اخيرا، شخص الاطباء اصابته باختلال نفسي وارسلوه ليفحصه اخصائي في مستشفى السليمانية.
لكنه احس بتردي حالته هناك. واعتقد انه لم تتم معالجته كما ينبغي، لذلك ترك المستشفى وتوجه الى نوشيروان الذي اخبره ان هناك جنا متلبسا في جسده وهو سبب الالم.
قال عبد الله" قرأ القران على رأسي وضربني بالعصا بقوة. كان يردد عبارة "الله اكبر" مرارا وتكرارا، احسست بالخدر في جسدي، ثم احسست ان شيئا يخرج من قمة اصبع قدمي الاعلى".
يقول نوشيروان، 42 واسمه الحقيقي هو نوشيروان محمود عبد الله انه يعمل باخراج الجن منذ 10 سنوات. لم يدخل كلية الطب، بل حاصل على شهادة الثانوية فقط. لكنه مقتنع بقدرته على الشفاء "استطعت علاج الكثير من المرضى الذين لم يستطع الاطباء شفائهم".
ذهبت تارا احمد، 45 مدرسة ثانوية، الى نوشيروان بسبب آلام في ظهرها. ومثل عبد الله، فقد ذهبت عدة مرات الى الاطباء ولكنها لم تشف. بعد حضورها الشعائر في بيته، تخلصت من مشكلتها.
يقول نوشيروان الذي يتقاضى بين 30000 الى 50000 دينارا من المريض عن كل جلسة وهو ما يعادل 20-33 دولارا، ان الناس المصابين بالجن تظهر عليهم اعراض نموذجية. " يحس المريض بالصداع النصفي، الام في الظهر، صعوبة في التنفس اثناء الليل، الكآبة، الصراخ وفقدان الشهية".
يقول الدكتور نزار محمد امين، طبيب نفسي من السليمانية، ان غير المتعلمين والعوائل التقليدية هم الذين يذهبون الى المعالجين بالعقيدة. واضاف "يزورني الكثير من المرضى المثقفين ولكنهم يبقون زياراتهم سرية لانهم من عوائل عشائرية. انهم يعرفون ان اكتشاف عوائلهم لتلك الزيارات للطبيب النفسي ستدفعهم لاخذهم الى الشيخ للعلاج".
يتفق الاستاذ كريم شريف قرجتاني، استاذ علم النفس في جامعة السليمانية، ان تلك الآراء منتشرة بشكل واسع قائلا "لا يزال مجتمعنا يملك بعض معتقدات خرافية التي ورثناها عن ابائنا واجدادنا".
لكن شعبية الملالي والشيوخ في المنطقة هو بسبب سوء نوعية علاج الصحة العقلية في المنطقة. "هناك الكثير من الامراض النفسية في مجتمعنا، ولسوء الحظ ، فان الاطباء النفسانيين يعالجونها بالأدوية بدل التفكير بطرق أخرى للعلاج." قال قرجتاني.