مستقبل العراق.. الواقع والمتطلبات (1)

في الوقت الذي تلقى فيه الرئيس بوش التقرير الذي طال انتظاره من مجموعة دراسة العراق عن كيفية مواجهة التحديات الراهنة في العراق، أصدر الجنرال أنتوني زيني قائد القيادة المركزية الاميركية الاسبق دراسة بعنوان "مستقبل العراق.. الواقع والمتطلبات" وتعرض الدراسة تصور الجنرال زيني لواقع الكارثة التي يتعرض لها العراق، وسببتها وتتورط فيها الولايات المتحدة بصورة أساسية.
ويري زيني أن الشعب الأميركي برسالة واضحة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في السابع من نوفمبر الماضي يؤكد فيها أنه لن يقبل بعد الآن بالوضع الحالي في العراق. ونتيجة لذلك، شاهدنا مؤخرا اعترافات بأخطاء وإخفاقات وتعليلات متأخرة جدا. سمعنا الاختيارات الخاصة بالدور المستقبلي للولايات المتحدة في العراق، من "اضرب وفر" أو "البقاء على النهج"، إلى ما أسماه البنتاغون "زيادة القوات والبقاء وقت أطول" أو "الرحيل"، وأخيرا تقرير وتوصيات لجنة بيكر- هاميلتون لبحث الأوضاع في العراق المشكلة من كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
وتقدم هذه الورقة بعض المقترحات حول كيفية التعامل مع تلك الأفكار، إضافة إلى بعض الأفكار الأخرى. كما تتضمن بعض الاقتراحات عن الحقائق التي يجب إدراكها قبل تقديم أي خطة، والهيكل المقترح لتنفيذ أي خطة عمل لدور الولايات المتحدة المستقبلي، وقائمة من المتطلبات المتعلقة بخمسة مجالات- السياسي، الاقتصادي، الأمني، الاجتماعي، الإعلام/الاتصالات التي يجب أن تطرح في مشروع شامل فعلي. وبتفويض من الشعب الأميركي بعد نتيجة انتخابات التجديد النصفي، من الضروري تصحيح الوضع الآن، وإلا سنضيع فرصة الحصول على أي دعم للوصول لنتائج إيجابية.
الحقائق أولا أولى الحقائق التي يجب أن نعترف بها هي أنه لا يوجد خيار استراتيجي بارز على المدى القريب أو نتيجة هامة للانتظار العبقري يمكن الكشف عنها. لقد فاتنا العديد من الفرص، وتسببنا في دمار كبير جدا من الصعب إصلاحه نتيجة الأخطاء التي ارتكبت، مما يصعب معه تحقيق ذلك. ونواجه حاليا مجموعة من المشكلات المعقدة، التي ستحتاج إلى وقت، وتعهدات، ومصادر، ومهارات، وبعض الحظ للتعامل معها.
أما ثاني تلك الحقائق فهي أننا لا نستطيع الخروج من العراق بالسهولة التي نرغب فيها. حيث قد تنطوي عواقب ترك عراق غير مستقر وفوضوي، يقع في قلب منطقة حرجة من العالم، على نتائج مأساوية.
الحقيقة الثالثة هي أنه لا يوجد حل على المدى القريب، فسوف يستغرق الأمر سنين لاستقرار العراق. كم عدد تلك السنين؟ في اعتقادي أنها ستتراوح بين خمس إلى سبع سنوات، الأمر الذي لا يعني بالضرورة إنها يجب أن تكون خمس إلى سبع سنوات من العيش بالوضع الحالي. بل يعني أننا قد نرى تطور بصورة ثابتة وعراق مستقر على مدى تلك المدة.
أما الحقيقة الرابعة فهي أنه لا يمكن حل المشكلة بتحديد المسائل الأمنية ببساطة. فيجب بناء مؤسسات حقيقية إلى جانب الجيش والشرطة. فمن الواضح جدا أن المسألة الأمنية لها الأولوية، ولا يمكن ضبط أي شيء آخر إن لم تكن البيئة الأمنية مستقرة بالدرجة الكافية. ولكن الأمن وحده ليس هو الحل.
هيكل الأزمة الخطوة الأولى، قبل أن نفكر أو نبحث "الأفكار الجيدة" هي وضع هيكل لفحص وعرض التوصيات؛ وفحص ورسم الإنجازات، ومراقبة التقدم، وتحديد متطلبات الموارد؛ وجمع الدعم الإقليمي والدولي؛ إضافة إلى توحيد الجهود. لن ينفعنا أن يكون لدينا مجموعة من الأفكار المخلخلة التي تطرح على رأس الرئيس جورج دبليو بوش وإدارته. ولن يجدي أيضا أن نكلف وكالات حكومية متنوعة بالأفكار المختارة لتنفيذها كل على حدة.
لم يمر بتاريخ الولايات المتحدة وقت مثل هذا احتاجت فيه للاتحاد والتعاون بين وكالات الحكومة الأميركية. وقد عرف عن الوكالات المتنوعة العليا، خاصة وزارتي الدفاع والخارجية، أنها فاشلة ككيان متعاون. ولم يعد بإمكاننا تحمل هذا الخلل والافتقار إلى التعاون، خاصة في هذا الوضع. فمن الممكن تشكيل الهيكل المقترح على ثلاث مستويات لتأكيد اتحاد وتعاون جميع الجهود في العراق.
مجموعة تنفيذية من الحزبين يأتي على رأس هذا الهيكل المقترح مجموعة تنفيذية أو توجيهيه، ويجب أن يكون الأعضاء على قدر لجنة بيكر- هاميلتون لدراسة الأوضاع في العراق. كما يجب أن تقوم اللجنة بمراقبة مستمرة وتقديم تقارير دورية للرئيس والكونغرس. وقد تمد مثل هذه الخطوة اللجنة وجهودها بالمصداقية في المنطقة على المستويين الدولي والمحلي. كما ستتمتع بالأهمية والمكانة الضرورية لعقد مؤتمرات وقمم دولية وإقليمية رفيعة المستوى، كما أوصى البعض، من أجل طلب الدعم والمشاركة. قد يزيح تأسيس هذه اللجنة السياسات، بقدر المستطاع، من المعادلة وضمان سماع جميع وجهات النظر بصورة عادلة. مجموعة عمل بين الإدارات المختلفة تقدم هذه المنظمة تقريرا للرئيس، ومديري مجلس الأمن القومي، والمجموعة التنفيذية المكونة من الحزبين. وتكون مسئولة عن برنامج التنمية والتخطيط المتكامل، والتعاون بين الوكالات، ومراقبة تنفيذ البرامج وتحديد الموارد. كما سيكون لديها خمسة مكونات أو مجموعات فرعية لإعادة الإعمار. تتواجد في مجالات دعم إعادة الإعمار السياسي، والتنمية الاقتصادية، والأمن، والبرامج الاجتماعية، والمعلومات وبرامج الاتصالات. كما سيكون لدى مجموعة العمل بعد تنسيقي إقليمي ودولي.
فرق التنفيذ
نحتاج فعليا لفرق تنفيذ عالية المستوى تعمل عن قرب مع الجيش والعراقيين على جميع المستويات، لتفعيل البرامج المنظمة التي تطورها مجموعة العمل بين الوكالات. ستكون مهمة منظمة بهدف تنفيذ البرامج، يقدم من خلالها الأعضاء تقارير إلى الوكالات الحكومية التابعين لها وأيضا إلى مجموعة العمل.
تأسيس الهيكل وتكليف أعضائه إذا كان هناك أي شيء نتعلمه من تجربة الكيانات المؤقتة مثل سلطة التحالف المؤقت، ومكتب إعادة الإعمار، والمساعدات الإنسانية، فهو وببساطة أن اختيار أصحاب النوايا الطيبة لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد للنجاح. إذ يجب أن نعين في هذه الأجهزة أصحاب الخبرة العملية المتعلقة بالموضوع، الذين يتمتعون بذكاء ثقافي وإقليمي. هكذا يكون الحال عندما تكون هناك حاجة للأفضل والأذكى. كما نحتاج أيضا إلى تسلسل إداري كي لا تعيق البيروقراطية تدفق المعلومات، وكي لا تمنع الخلافات بين الوكالات المتعاونة التبادل الصحي لوجهات النظر سواء على المستوى الرأسي أو الأفقي.
ولن تقبل المؤسسة الحكومية القائمة بمثل هذا الهيكل المطروح، إذ يتفهم الجيش فقط تنظيم مهمة متكاملة لتحقيق الهدف. وقد حان الوقت لكي تتبنى الوكالات المتعاونة فيما بينها هذا المفهوم لمواجهة ظروف غير عادية، حيث أن الهيكل الحكومي الموجود بالفعل غير كافي للوفاء بمطالب التعاون والتكامل الخاصة بالمهمة. وقد تتصدى الحكومة الأميركية لمسألة تكامل الوكالات طالما كانت هناك وكالات منفصلة. وبات هناك إجماع واضح على فشل الهيكل الحالي، وأنه قد حان الوقت لتجربة مدخل جديد.
متطلبات الحل يجب أن تجيب جميع المتطلبات المتبناة التي تحولت إلى جهود تنفيذية في هذه المرحلة على السؤال الأساسي أو مواجهة المتطلبات الأساسية، في جميع المجالات الآتية، وتجاهل أي مجال يجعل الاستقرار الناجح أكثر صعوبة.
المجال سياسي كيف نساعد الحكومة العراقية على النجاح؟ فالحكومة العراقية هشة، وتقع تحت ضغط هائل من مصادر داخلية وخارجية، والحكومة الأميركية جزء من هذا الضغط، والمتطلبات الموضوعة قد تكون أبعد من قدرة تلك الحكومة وزعمائها على تلبيتها. إنه مجتمع متشرذم لم يعرف قط حكومة فعلية ممثلة للشعب، فما بال الديمقراطية، وقد فرض عليهم النظام الجديد سلسلة من الانتخابات السريعة والمتتابعة. فالمجتمع العراقي يحتاج إلى العون، حيث يواجه مشكلات مثيرة للجدل مثل السلطات المحلية في مقابل السلطات الفيدرالية، وتقسيم العوائد، ودور الإسلام في الحكم، وكذلك وضع الميليشيات.
فهذا البلد لم يعاصر أي تاريخ سوى الحكم الفاشي، لذا تختلف وجهات نظر صناع القرار من عناصر حكومة غير طبيعية، يشك بعضهم ببعض. فالحكومة العراقية بحاجة إلى خبرة ومشورة تكنوقراطية، وسيكون الدعم الدولي في هذا المجال هو الأفضل، ويجب أن يكون على هيئة مجموعات استشارية باستطاعتها تقديم النصائح والخبرات والتوصيات، وما إلى ذلك للنظر في القضايا الشائكة التي تواجه الفروع التشريعية والتنفيذية. كما يحتاج العراقيون أيضا إلى عون ودعم خبراء الوساطة الذين من المفضل أن تكون منظمات غير حكومية متخصصة في الوساطة والتسهيل. وفي النهاية سوف تحتاج الأحزاب الطائفية وضع خلافاتها على طاولة السلام. وقد لا تحب الولايات المتحدة هذا الجمع، لكن العراقيون في حاجة لحل مشاكلهم بين بعضهم البعض، وليس بإمكانهم القيام بذلك دون دعم وسطاء محايدين وموضع ثقة.
وللقيام بوظيفتها تحتاج جميع الحكومات لمؤسسات بيروقراطية، والمطلوب بناء هذه المؤسسات في العراق. ويجب أن تكون تلك المؤسسات فعالة بالدرجة الكافية، وغير فاسدة. ومرة ثانية، يجب خلق الدعم الدولي للمساعدة على إنشاء تلك المؤسسات. ولا يتطلب الأمر وجود قوات على الأرض، وإنما دعم ومشورة تكنوقراطية. وفي النهاية، يحتاج هذا المجتمع الذي يكافح من أجل مواجهة بيئة عدائية إلى مؤسسات حقيقية تساعده على النجاة، ومن ثم الازدهار. وأفضل طريقة لمساعدة العراق على النجاح هي مساعدته على بناء المؤسسات التي توفر له قواعد البقاء والنمو، وتكون مؤسسات سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية ضرورية لتحقيق الاستقرار.
أما هؤلاء الذين يعملون على انقسام الدولة فقد تقوقعوا في الاختلافات العرقية والقبلية والدينية التي تفك التحام تلك الدولة المصنعة. ومن المهم تذكر أهداف الولايات المتحدة. إنها المنارة بالنسبة لهؤلاء الذين يرغبون في العيش في عالم لا يقسم نفسه مثل هذه التقسيمات. وكما يعتقد الأميركيون بأن وجود حكومة تمثل جميع الطوائف هي حق لجميع الرجال والنساء، كذلك الحريات الثمينة التي توحد الأميركيين رغم اختلافاتهم الاجتماعية. إلى جانب ذلك، فلن يجدي وجود دول سنية وشيعية وكردية مقسمة. فالدولة السنية ستكون محصورة وتفتقر بشدة للموارد الطبيعية اللازمة لدعمها. أما الشيعة فسوف يأهلون نوع من بقايا الدولة في الجنوب، وسيحثون المواطنين الشيعة في دول الخليج الأخرى على الانفصال. أما الأكراد فسيكونون محاصرين أيضا بالدولة التركية التي تراقبهم وتستمع إليهم حين يتفوهوا بأي كلمة عن الاستقلال، في الوقت الذي تتخذ فيه أنقرة ردة فعلها. فلا يعقل انفصال تلك الدول الثلاث، وإشعال التوترات حتى تصل إلى المرحلة التي تفقد فيها المنطقة بأكملها الاستقرار.
المجال الاقتصادي كيف نساعد على بناء اقتصاد عراقي قابل للتحقيق؟ يأتي التطور الاقتصادي كثاني أهم مهمة حرجة بعد توفير بيئة آمنة. فالعراقيون يحتاجون إلى الوظائف ويرغبون في طريقة نحو معيشة كريمة لدعم عائلاتهم والتمتع بحياة سعيدة. لذا يجب أن يكون للشركات ذات العمالة المكثفة أولوية. كما أن هناك حاجة للاستثمار، وأيضا قد يشجع عقد مؤتمرات لمناقشة تطوير الأعمال برعاية دول إقليمية، مثل الأردن، مع دعم دولي الاستثمار في شركات تحت مراقبة الولايات المتحدة، ووكالات حكومية عراقية ودولية لضمان تحقيقها وتماسكها، كما أنها قد تكون بداية صحيحة. فقد تحصل الشركات على أولوية التعاقد المبني على المراقبة المستمرة لضمان المصداقية.
الاستخدام المستمر لمواطني العالم الثالث للعمل في تعاقدات مربحة هو مصدر غضب يعوق الاستقرار. فالأعمال والشركات في المناطق الأكثر أمنا قد تكون بمثابة برامج البداية لتشجيع الآخرين في المناطق الأقل أمنا، كحافز، للتعاون على إزالة عناصر عدم الاستقرار. حيث أن معدل البطالة المرتفع جدا يهيئ المناخ لهؤلاء الذين يرغبون في توظيف المنشقين لأغراضهم الخاصة.
كما يمكن تطويع مسئولي الأعمال التنفيذيين الأميركيين والدوليين لدعم أفكار تطوير الأعمال ومراقبة برامج قادة الأعمال العراقيين. فالشراكة وفرص الاستثمار والرعاية قد تؤدي، في الوقت المناسب، إلى خلق نشاط اقتصادي إيجابي. (تقرير واشنطن) الجنرال انتوني زيني
قائد القيادة المركزية الاميركية الاسبق