هذا هو المسدس.. وهذه هي طلقته الأخيرة

بقلم: علي الصراف

أخيرا، قدمت "مجموعة دراسة العراق" تقريرها الى البيت الأبيض بشأن ما يمكن عمله للخروج من المأزق.
التقرير لم يقترح معجزات، ولا كان بوسعه أن يفعل. وكما كان متوقعا، فانه اختار "البقاء أكثر، بقوات أقل"، كحل وسط بين "اقطع واهرب" وبين "الحفاظ على المسار".
ولكن، هذه هي الطلقة الأخيرة في المسدس. لن يشغل أحد نفسه بالبحث عن حلول "وسط" أخرى إذا تعمق المأزق. وككل طلقة أخيرة، فانها لو كانت طلقة في الرأس لكانت خيارا أفضل منها تجاه أي هدف آخر.
"مقامرو واشنطن" أرادوا، فقط، أن يقولوا إن غباءهم التاريخي المدجج، يمكنه أن يجرب حظه مرة أخرى. لقد وضعوا على طاولة الروليت 500 مليار دولار حتى الآن، ورأوا، انهم إذا وضعوا 200 أخرى، لعام آخر، فلعلهم يعوضون الخسارة كلها. ولئن كان خيار اليائسين هذا، هو آخر ما في المسدس، فانه سيوفر للعراقيين فرصة أعظم، بالأحرى، ليس للتخلص من مجرد احتلال، بل للإطاحة بالإمبراطورية كلها. ولإزالة ثكنتها الإقليمية (إسرائيل) من الوجود. لسحقها كليا. لإخراجها من التاريخ. و... لإعادتها (كقوة غطرسة استعمارية) 200 عاما الى الوراء.
فرصة كهذه، لن تتكرر مرتين. ويجب استنفاذها الى أقصى حد.
المسألة، ليست، بطبيعة الحال، مسألة أموال. فمثلما أمكن لواشنطن طباعتها، على حساب الآخرين من قبل، فسيمكنها طباعتها مرة أخرى وأخرى. ولكنها مسألة المتعلقات الاستراتيجية التي علقتها الولايات المتحدة بنفسها على رقبة احتلالها للعراق. تلك المتعلقات التي قررت، بالطلقة الأخيرة هذه، أن تواصل تعليقها، بدلا من اختيار مسار آخر. أي أنها استبدلت الحصان، ولكنها اختارت أن تجعله يمشي في الاتجاه الخاسر نفسه.
لقد كان يمكن للولايات المتحدة أن تجعل من هزيمتها في العراق شيئا لا يتجاوز هزيمتها في فيتنام، ليكون بمثابة انسحاب، يخلف وراءه القليل من الأعباء الاجتماعية، والقليل من الخسائر المادية، ولكنه يسمح بإعادة ترتيب الخيارات الاستراتيجية، ويسمح بالتركيز على دفع الاقتصاد الى الأمام مستفيدا من مناطق نفوذ لم تتأثر بتلك المغامرة. ولكن الولايات المتحدة اختارت أن تضع كل شيء على الطاولة: مكانتها الدولية، مصير إسرائيل، اقتصادها، علاقاتها مع أوروبا (فرنسا، ألمانيا)، جيشها الذي استنزف الى أقصى حد، قدرتها على ردع الخصوم (إيران، كوريا الشمالية، سوريا) والمشاغبين (فنزويلا، كوبا، الإكوادور، بوليفيا)، وزنها في التجمعات الاقتصادية الدولية، وبالتالي، كل قيمتها كقوة عظمى. كل هذا... مقابل طلقة أخيرة في المسدس. وكل هذا، بينما تتربص قوى دولية أخرى (الصين، روسيا، الهند) الفرص لتقاسم تركة الرجل الدولي المريض. وكل هذا برئيس غبي، وبمؤسسة تفكير تغلب عليها الحماقات الأيديولوجية (الأصولية، بالمناسبة) اكثر مما يغلب عليها المنطق التقليدي (البراغماتي) الذي يضع حساب المصالح فوق حساب الأفكار والديانات والأخلاقيات. وكل هذا بحلفاء هم إما خرقة ممسحة (توني بلير)، أو جشعين متهسترين (ايهود اولمرت، شمعون بيريز، بنايامين نتانياهو...)، او طغاة معزولين (برويز مشرف، حسني مبارك...).
إنها فرصة تاريخية، بأفضل لما يمكن لأي فرصة تاريخية أن تكون. كما إنها لن تتكرر.
وحيال "عدو" لم يترك جريمة، في قاموس الجرائم، إلا وفعلها، ولم يترك انحطاطا أخلاقيا إلا واستنفده، ولم يترك حقدا عنصريا إلا ومارسه، فان السماح له بالإفلات، سيكون خطأ قد نندم عليه العمر كله والتاريخ كله.
إذا كان تقرير جيمس بيكر- لي هاملتون أتاح لنا هذه الفرصة، أفلا يحسن أن نقول لهما: شكرا؟ أفلا يحسن أن نحتفل بمقامرتهما الأخيرة، على أنها مشروع تاريخي لانتحار أغبى إمبراطورية عرفها تاريخ الإمبراطوريات، وأقصرها عمرا؟
يا سيدي: شكرا.
والله، لو كان بوسع الكرامة أن تنحني للسفالة، لكان كل الضحايا الذين سقطوا في العراق، انحنوا، ليقولوا: شكرا، ولسوف نعيدكم، والله، 200 عاما الى الوراء.
لم نخسر، حتى الآن، إلا ثلث ما خسر أشقاؤنا الجزائريون من اجل الحرية. ومن اجل هدف، بعظمة الإطاحة بآخر الإمبراطوريات في التاريخ، لن يكون كثيرا إذا خسرنا ضعف ما خسر الجزائريون.
انتم وحوش، ونحن وحوش.
انتم لديكم الكثير مما تخشون خسارته، ونحن ليس لدينا ما نخسره سوى أغلالنا.
وإنها لفرصة. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
***
إنها فرصة لتكبيد قوات الاحتلال المزيد من الخسائر، حتى إذا ما وصلت الى نقطة الانهيار أصبح هربها مخزيا أكثر، وانحسرت قدرتها على إعادة تجميع قواها لعدة أعوام، يمكن لكل الطامعين بوراثة أسلاب الإمبراطورية أن يفعلوا خلالها ما يشاؤون.
إنها فرصة، فإذا ما هزمت القوات الأمريكية وهي تجر ذيول العار والخيبة، فمن ذا الذي سيبقى من عملائها في المنطقة؟ ومن ذا الذي سيجد في نفسه القدرة على الإصغاء لأوامر واشنطن او الامتثال لإرادتها. فإذا فعلوا، صار سحقهم وإلقاؤهم في مزبلة التاريخ سهلا.
إنها فرصة، لكي يستعيد العراقيون حقهم في الكويت، التي بسببها دفعوا كل ما يدفعون اليوم من آلام وعذابات وقهر. وبسببها كان الحصار الذي زهق حياة اكثر من مليون طفل، وبسببها كان الغزو والدمار، وبسببها كان كل الخراب الذي لحق بالمنطقة، وبسببها تمت التضحية بقوة التوازن الاستراتيجية الوحيدة تجاه إسرائيل لتزداد، هذه الأخيرة، عنفا وغطرسة تجاه الفلسطينيين وتزيد في سومهم سوء العذاب.
من المعروف حتى لكل الحمقى، إن التهديد بالقوة اكثر فاعلية من استخدام القوة. الولايات المتحدة اختارت أن تستخدم القوة. وان تذهب فيها الى أقصى حدود القهر والقسوة. فماذا سيكون بعد، إذا هزمت؟ هل ستهددنا بغزو آخر؟ هل ستلقي فوق رؤوسنا قنابل نووية، هي التي أبادت حتى الآن ما يناهز ثلاثة أضعاف عدد ضحايا قنبلة هيروشيما؟
ماذا ستفعل واشنطن، إذا أرسلت بغداد 200 "إرهابيا" من مجاهديها ليتسلموا مفاتيح هذه الإمارة أو ليقبلوا دعوتها الملحة لـ"عودة الأصل الى الفرع" (بدلا من العكس).
إنها فرصة، لجعل إسرائيل تبدو معزولة ومكشوفة، فلا يقدم الفلسطينيون تنازلات، وليجدوا في ذواتهم وفي دعم أشقائهم حافزا لجعل المقاومة المسلحة حربا أهلية شاملة داخل الكيان الصهيوني تجبره على قبول كل مقررات الشرعية الدولية، قبل أن يكتشف الصهاينة بأنفسهم ان إسرائيل كيان جغرافي فاشل، وسياسي فاشل، واقتصادي فاشل، فيختارون الرحيل الى غير رجعة، تاركين وراءهم أشقاءنا اليهود العرب ليعيشوا بيننا بتآخ وأمن وسلام.
***
ثم إنها فرصة لإسقاط النظام الدولي أحادى القطب، الذي تستغله الولايات المتحدة لإملاء مصالحها التجارية وخياراتها السياسية على كل البشر بصرف النظر عن مصالحهم وخياراتهم.
فرصة، لبناء عالم جديد من دون بلطجة. عالم تحترم فيه سيادة الدول وثقافات الشعوب وطرائقها في الحياة. عالم لا تكون القوة المسلحة فيه أداة الابتزاز لإعلاء شأن المصالح أو لفتح المزيد من الأسواق أو توسيعها، وليعود العلم والابتكار والمبادرة والجودة والمصالح المشتركة هي قوة الدفع الأساس في علاقات التجارة والاستثمار.
فرصة، لإسقاط منظمة أمم الزور المتحدة، التي تحولت الى مسرح للأكاذيب ولتغطية الجرائم والانتهاكات، ومن اجل بناء منظمة أمم متحدة جديدة تتبنى ميثاقا إنسانيا جديد، وتتعهد بألا تخضع مرة أخرى لهيمنة قوة غطرسة دولية، أيا كانت؛ منظمة جديدة تدافع عن حقوق الإنسان من دون نفاق ولا معايير مزدوجة. تنصر الفقراء وتغيثهم إذا نُكبوا. وتجبر الأغنياء على الحد من أعمال التخريب الشامل للبيئة على كوكب الأرض.
فرصة، تدفع بنك الاحتياط المركزي لكي يطبع المزيد من الدولارات بلا تغطية، فتضطر الولايات المتحدة الى الضغط على كل اقتصاديات العالم حتى يبلغ الجميع الزبى، فينهار اقتصاد الوهم القائم على "الثقة" والابتزاز.
وذلك فوق أنها فرصة للوطنيين العراقيين لإعداد برنامج وطني يحدد طبيعة ومقومات جمهورية ما بعد التحرير؛ برنامج يفضح الطائفيين ويعريهم ويعزلهم،
وفرصة، لتأكيد فشل العملاء في إدارة دولة،
فرصة، لهزيمتهم سياسيا وأخلاقيا،
فرصة، للتخلص من اكبر عدد ممكن من العملاء والخونة،
فرصة، لاصطياد وتصفية المزيد من قادة "عملية النهب السياسية"،
فرصة، للتخلص من مرجعيات الدعارة الطائفية و"سادتها"،
فرصة، لبناء عراق جديد، يحترم حقوق الإنسان، ويقدس الحرية، ويساوي بين الجميع، ويرفع الانتماء إليه الى مصاف المقدس،
فرصة، لبناء دولة قانون تستعيد مجد دولة القانون الأول في تاريخ الإنسانية،
فرصة، لبناء دولة علم وثقافة وإبداع، على أنقاض دولة الفقراء والمشردين والجياع التي يحرسها الاحتلال وطغاته وعملاؤه.
وإنها لفرصة. إذا كان قد أتاحها الفشل على امتداد ثلاثة أعوام (لم تترك خلالها الولايات المتحدة حجرا لم تقلبه)، فسيكرسها الفشل ذاته لعام آخر.
هذا هو المسدس، وهذه هي طلقته الأخيرة...
وليس من الكثير على المقامرين والحمقى، أن نقول لهم شكرا. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com