البلدوزر.. العدو الأول للآثار في العالم العربي

بقلم: السيد نجم
لا للبلدوزر!

أطرف ما انتهى إليه المؤتمر الدولي للمدن التراثية الذي عقد في مدينة الأقصر الأثرية بجنوب مصر، والتي تضم ثلث الآثار التاريخية المصرية أن "البلدوز" هو العدو الأول للتراث في مصر والعالم العربي.
عقد المؤتمر تحت رعاية رئيس الوزراء الدكتورأحمد نظيف وبمشاركة وزراء الإسكان والسياحة والثقافة المصرية خلال الفترة من 29-11 حتى 3-12-2006، بمشاركة 96 باحثا وبحثا علميا حول موضوع الحفاظ على التراث في مواجهة العولمة وضياع الهوية للشعوب، وبالإضافة إلى الباحثين المصريين شاركت كل من الصينا وتايلاند وصربيا وفرنسا وتركيا وايطاليا وروسيا واليمن والسعودية والأردن.

بعد تقديم التعريفات التقليدية للتراث والمنشآت التراثية والتي لم تختلف كثيرا في جوهرها، قدم البعض وجهة نظر أخرى تتمثل في كون المبنى التراثي لا ترجع أهميته إلى الفترة الزمنية التي بني فيها فحسب، بل هناك قيمة ثقافية لبعض المباني لا تقل أهمية، هناك منازل الزعماء وأصحاب الفكر والرواد، وتلك التي شهدت حوادث هامة تاريخيا وان لم تخضع لشرط "الزمن" في تقييمها بكونها تراثية، وبالتالي يجب الحفاظ عليها.
اتضحت بالتالي بعض المشاكل في مواجهة تلك الفكرة وغيرها، ربما لأسباب اقتصادية، حيث كثيرا ما يرغب ورثة الأثر في الحفاظ عليه لهدمه وبناء ما يمكن أن يكون صرحا كبيرا أو برجا يدر الكثير والكثير جدا من المال، خصوصا أنه حتى الآن لا توجد القوانين التي تحظر ذلك في أغلب الدول العربية على الأقل.
كما بدت مشكلة فكرية وان تشكلت بشكل عقائدي في السعودية تحديدا، وذلك نظرا للفتوى التي أعلنها الشيخ ابن باز بعدم تعظيم المباني ولا عظمة إلا للكعبة الشريفة، وعلى الرغم من الحظر الذي قال به الملك عبد العزيز آل سعود باعتبار المباني التراثية والمتعلقة بالصحابة وسلالة الرسول (عليه الصلاة والسلام) وقفا، إلا أنه من جراء الفتوى الأخيرة، تم هدم العديد من المباني والبيوت والمقابر التي تعد تراثا إسلاميا ثقافيا.
وعلى الرغم من أهمية التجديدات والتطوير الذي تقوم عليه محافظة الأقصر حاليا، بدت مشكلة إزالة العديد من المنازل في المسافة ما بين معبدي الكرنك والأقصر، على اعتبار أنهما في الأصل كانا متصلان معا عن "طريق الكباش" الشهير. واعتراض البعض اعتمد على فكرة أن النظر إلى المباني التي تعتبر حديثة بلا أهمية تراثية وبالتالي يمكن إزالتها بالبلدوز فكرة مرفوضة، وهناك حلول أخرى، كما كانت نظرة البعض الآخر أن الحفاظ على التراث لا يجب أن يكون على حساب الإنسان، ويجب احترام حقوق الأفراد.

قدم البعض تعريف اليونسكو للبيئة التراثية أنها البيئة الحضارية التاريخية لمجموعة من المباني والمنشآت والفراغات المفتوحة في محيطها البيئي والطبيعي الذي يؤثر على المجتمع الحديث.
وهذا عارض ما تم من بداية المبنى الضخم (عدد من الأبراج، كل برج 44 طابق) في مواجهة قلعة صلاح الدين بالقاهرة، نظرا للمشاكل المترتبة عليه سواء على الأثر الهام اوالبيئة المحيطة به. (توقف العمل في المنشآت المذكورة الآن، وينتظر إصدار حكم القضاء في 12-12-2006).
وقد اعتمد الرأي على أن لكل أثر حرم ومحيط ويمنع البناء في الحرم، أما في المحيط فيمكن بشروط معينة، كما شيد متحف معبد الأكروبول اليوناني تحت الأرض تقريبا حفاظا على الأثر وعدم حجب الرؤية عنه.

لقد عرضت البحوث الحلول والإجراءات الواجب اتخاذها تجاه التراث في أشكاله المختلفة، بحيث يقدم التراث أو أن موضوع التراث هو دراسة الإنسان وكيف تفاعل مع البيئة(الإنسان-الأرض-التقنية) الأول هو الوسيلة والثاني بما تحتويه والثالث بما يتلاءم مع المناخ والإنسان.
فليست المباني وحدها المعنية والواجب رعايتها، بل الفنون والملابس وحتى التعرف على التقنيات الفنية والإنشائية والمعيشية التي مارسها الإنسان في منطقة ما.

لذا كانت النظرة إلى مواجهة المشاكل التراثية بما يعرف بالحل الكامل أوالتوجه التكاملي:
1- الإدارة الإستراتيجية للمبنى الثري بالتعامل مع المخاطر مثل الحريق والفيضانات.
2- الحفاظ على الأثر حيث ان له حرما ومحيطا (وتحديد المسافات)ومنع البناء في الحرم، أما المحيط فهناك المواد المستخدمة والتقنية وغيرها.
3- تنسيق الموقع.
4- الحفاظ على كل ما يتعلق بالنشاط الإنساني في موقع الأثر.

وقد تجددت النظرة إلى المباني التراثية بحيث تم إنشاء جمعية متخصصة في تقييم تلك المباني منذ حوالي ست سنوات في لندن، حيث تعتبر تلك المنشآت من الناحية الاقتصادية ذات قيمة أعلى بمرور الزمن، وهي بذلك على العكس من المباني التقليدية حيث أنها ذات قيمة تاريخية ثقافية وهي تراث معماري وبالتالي تزداد قيمتها، كما يجب حمايتها ووضع القيود على استغلالها.

رافق أعمال المؤتمر، تسليم سكان البر الغربى لمدينة الأقصر صكوك تمليك مساكن جديدة بقرية القرنة الجديدة، تلك القرية التي تم ترحيل 350 أسرة إليها، بعد تهجيرهم من الإقامة بآثار البر الغربي وهو ما يعد انجازا حقيقيا، نظرا للأضرار الجسيمة التي تسببت بها اقامة البعض فى مواقع الآثار، وبالتالي تم حماية 950 مقبرة فرعونية.
كما تم متابعة ما يتم في مدينة الأقصر، حيث توجد خطة طموحة لتطوير النجع التحتاني، وخطة أخرى لإبعاد المياه الجوفية عن الآثار ثم تطوير قلب المدينة بحيث يطل الزائر فور وصوله محطة السكك الحديدية على معبد الأقصر بالإضافة إلى تمهيد طريق الكباش وإيصاله بمعبد الأقصر وهو ما أثار الكثير من الجدل.. مع ما أثاره البعض من الدول العربية حول عمليات الإزالة العشوائية بالمناطق الأثرية.
فأصبح شعار كل الحضور والمتحدثين في المؤتمر "لا للبلدوزر".

السيد نجم abnegm@gmail.com ab_negm@yahoo.com