الربيعي: في العراق اليوم أدب مقاومة يشكل رديفاً للمقاومة المسلحة

عمان
لم أقرأ نصاً لاديب واحد يحتفي بما يجري في العراق

قال الكاتب والروائي العراقي المعروف عبد الرحمن مجيد الربيعي ان ما دمره الاحتلال وسرقه من الشواهد الثقافية في العراق لا يمكن تعويضه، وان قوات الاحتلال جاءت لتدمير العراق تحركها كراهية عجيبة.
ووصف الربيعي موقف غالبية المثقفين العرب بانه موقف ممتاز، وان المثقفين العراقيين المناهضين للاحتلال، وان بدأوا حركتهم بجهد فردي، الا ان تصاعد المقاومة الباسلة قد دفع الى تشكيل نواة مهمة، ودفعت بعض الذين غرر بهم الى اكتشاف حجم الخديعة.
الربيعي الذي يعد احد أبرز الاسماء الادبية في العراق، امتلك واحداً من أعلى الاصوات المناهضة للاحتلال، مستثمراً سلاح الكلمة المقاتلة لمجابهة العدوان والاحتلال وفضح جرائمه بحق العراقيين. وتمت محاورته عن بعد، من مقر اقامته في العاصمة التونسية، ليقدم موقفه الواضح الذي ينتمي للعراق، ويدافع عن مقاومته ووحدته وعروبته.
* بعد أكثر من ثلاث سنوات على الاحتلال كيف ترى دور المثقف العراقي في مواجهة هذا الاحتلال؟ لنبحث اولاً ما هي ادوات المواجهة لدى المثقف؟ ان ادوات هذه المواجهة هي في هوية كل مثقف ووسيلة تعبيره، الشعر، الرواية، القصة القصيرة، المقالة، الرأي مذاعاً او متلفزاً، واعتقد لو ان المثقفين الوطنيين الذي لم ينجرفوا مع موجة الاحتلال والشعارات التي سبقته او التي جاءت معه قد استغلوا ادواتهم بأعلى طاقاتها ما دام الحريق قد وصل الى ثيابهم فان عملهم هذا من شأنه ان يشكل مجابهة للخراب.
ويبدو لي ان المواقف انفرزت ووضحت قبل الاحتلال بسنوات ووظفها الكثيرون من اجل مكاسب تظل صغيرة وتافهة مهما ظنوا انها كبيرة، بعد الاحتلال وعلى الضد منهم وقف الشرفاء وان كان عددهم قليلاً لانهم وبرؤية (زرقاء يمامية) ادركوا فداحة الخطر القادم وما هي نتائجه؟ لقد ادركت شخصياً عندما كنت اقيم للعمل في بيروت وفي تونس بعد ان تركت عملي وانسحبت من ايقاع الحياة العراقية ان الخطر القادم يفوق التصور، ورغم ما لدي من اعتراضات كانت السبب وراء مغادرتي الا انني تجاوزتها لاقف مع وطني في عدوان 1991 وفي الحصار وبعد احتلاله، لم اخضع موقفي لحسابات الربح والخسارة او البحث عن ثأر بل حسمت امري بدون مراجعة ووقفت مع وطني واهلي وتاريخي وانتمائي وعروبتي ورثيت للصغار الذين انقادوا ليتحولوا الى ادوات ترسخ الاحتلال والطائفية والفرقة ويتحول الادب العراقي بكل مجده الى أدب طوائف يسيرها الماضي بعماء عجيب.
دور المثقف العراقي ان يقف مع العراق، مع وحدته، مع عروبته، مع سماحته، مع فسيفسائه الجميلة التي كانت قد حولته قبل هذا الخراب الى بستان نادر.
ورغم حفلات قطع الرؤوس، وثقب الجماجم والتمثيل بالموتى واغتصاب الكرامة، ورغم كل ما جرى ويجري من بشاعات لا مثيل لها على المثقف العراقي ان يواصل طرق جدران خزان الموت الذي تحدث عنه المرحوم غسان كنفاني.
ربما تكون سمتيات (مروحيات) امريكا وصواريخ التوما هوك والقنابل الفسفورية وفرق الموت وقذارة المارينز وتوجيهات المحافظين الجدد التي تصل بوش من الهه بالاتصال المباشر (ربما عن طريق هاتفه الجوال مثلاِ) ربما تكون كل هذه الامور قادرة على نحر المزيد منا وتهديم المدن الرافضة للعدوان الا ان الاتي لنا، المستقبل لنا، والعراق كان دائماً عصياً، كل الفاتحين والخونة وبرامكة العصور الغبراء سقطوا وبقي العراق.
* هل تؤكد ولادة ادب للمقاومة العراقية؟ وما هي ادلتك على هذا؟
نعم، ولد ادب للمقاومة العراقية وهو رديف المقاومة المسلحة التي بدأت منذ اليوم الاول للعدوان، واذا كانت المقاومة المسلحة منظمة واعد لها ولها وسيلتها وتشكيلاتها وطرقها - مهما اختلفت التسميات - فان ادب المقاومة تشكله مجموعة أصوات تكتب وتنشر في الصحف العربية الملتزمة وعلى مواقع الانترنت، وانا واثق ان ادباء العراق الذين ما زالوا داخل العراق ورغم المجازر وتقطيع اوصال المدن والاعتداء على الرموز وتفريغ البلد من عقوله اما بالقتل او التهجير والفرز الطائفي، اقول ان هؤلاء ما زالوا يكتبون، ولم أقرأ نصاً لاديب واحد يحتفي بما يجري. كلهم يكتبون عن الشعب الواحد والعراق الواحد وبغداد الحاضنة الموحدة عدا تلك الوجوه الغبراء التي تنفث السم في صحفها او فضائياتها السوداء.
* اختلط السياسي بالثقافي في معركة تحرير العراق، وانت واحد من هذه الاصوات العالية والمؤكدة في المشهد، هل هناك تنسيق بين الثقافي والسياسي؟
لا بدأ من كلمة (تنسيق) التي اوردتها في سؤالك، واجيبك بان التنسيق بمعناه المباشر والمتفق عليه كما يدل معنى الكلمة ليست بالضرورة ان يكون موجوداً لان لكل من السياسي والثقافي طريقتهما التي يختلفان بشأنها. لكن هذا لا يمنع من القول انهما يلتقيان في الغاية والهدف.
نحن نكتب بدافع من داخلنا ومن ضمائرنا ولم يطلب أحد منا ذلك، وطنيتنا وحبنا لبلدنا وخوفنا عليه وعلى أهلنا، على الدور الحضاري والتاريخي لوطننا هي العوامل والمسببات الساخنة التي تجعلنا نكتب، هذه حالتي الشخصية على الاقل التي هي وليدة استقلاليتي التي اعتز بها. وهناك غيري من ينطلق بتنسيق ما مع الجهة السياسية التي ينتمي اليها، وهذا حقه. نحن نقرأ ونرى ونتابع ونتأمل ونخرج ثم نكتب.
* تعمد الاحتلال منذ البداية تدمير البنية التحتية للثقافة في العراق، عبر احراق ونهب الشواهد الثقافية التاريخية، كيف ترى مواجهة ذلك؟
اذكر لك اولاً ان هناك عدداً من المثقفين العراقيين اصيبوا بالصدمة من اللحظة الاولى وانقلبوا الى الضد من مواقفهم التي قادتهم الى الجري وراء سراب "التحرير" كما خيل لهم، وتم تسريبه اليهم.
ادرك هؤلاء انهم خدعوا وتم التغرير بهم، وان المأساة اكبر من تصورهم والمستهدف فيها ليس نظام الحكم الذي لم يتركوا تهمة الا والصقوها به، من ديكتاتورية الى اسلحة دمار شامل الى القبور الجماعية بل المستهدف العراق كله، وهاك خطة معدة قبل الغزو بتدمير كل المعالم الثقافية في البلد وبطريقة ممنهجة جرى ادخال الاف الرعاع وكل مجموعة ذهبت الى المكان المكلفة بتخريبه، ونهب كل شيء حتى مقاعد الطلبة في المدارس، وسجلات الاحوال المدنية، ووثائق الوزارات في عملية اعدام للذاكرة الوطنية ولم يحافظ الغزاة الا على مبنى وزارة النفط وما فيه ومن المؤلم ان اقول لك بان ما دمر وما نهب لا يمكن تعويضه بالمرة، انها خسارة ما بعدها خسارة فكيف اذا اقترنت بخسارة بلد وتسليمه لعملاء الغزاة ليتحكموا فيه ويحاكموا تاريخه، ويزحف الزاحفون الدهماء على كل المواقع الكريمة فيه؟
ما حصل قد حصل، وفي بعض المجالات علينا ان نبدأ من الصفر ولست بمبالغ في هذا، جاؤوا باصرار ليدمروا، تحركهم كراهية عجيبة، سرقوا حتى تمثال عبد المحسن السعدون الشخصية الوطنية الذي يتصدر الشارع المسمى باسمه، ونسفوا تمثال ابي جعفر المنصور الذي كنت احييه كل صباح عندما اغادر بيتي وكان قريباً منه.
مع هذا انا مؤمن بان اهلنا هناك الذين صنع آباؤهم واجدادهم كل ذلك المنجز الثقافي والحضاري قادرون على الاتيان بمثله، بعد ان يدحروا الغزو ويقتصوا من الدخلاء ومن جاؤوا بهم من عملاء، ولي الثقة التي لا يساورها اي شك في ان العراق باق.
* يبدو ان الجهد الثقافي العراقي في مواجهة الاحتلال ما زال فردياً، لماذا تأخر الاعلان عن تأسيس هيئة موحدة للمثقفين العراقيين المناهضين للاحتلال؟
ربما اجبت على المقطع الاول من سؤالك هذا في اجوبتي السابقة على فردانية الجهود الثقافية، اذ انبرى كل واحد منا في أي موقع كان، وفي اي بلد مستعيناً بادواته ليرفع صوته، هو رد الفعل الوطني، واعتقد ان الجهد الفردي يكتسب قوته الجمعية من اهمية صاحبه ومكانته والمنجز الابداعي الذي يستند اليه.
ولكن هناك مثقفين وان بدا ان ما يقدمونه هو جهدهم الفردي الذي يحمل اسماءهم فهم في الوقت نفسه منضوون في تشكيلات سياسية معينة.
اذكر لك امثلة فاضل الربيعي ونوري المرادي وعوني القلمجي مثلاً. وهؤلاء يشتبكون مع الاعداء ويعرون ما يجري في كتبهم - حالة فاضل الربيعي تحديداً - ومقالاتهم والبرامج التلفزية التي يدعون للمساهمة فيها.
ولما كان المثقفون الوطنيون الذين لا يقيمون في العراق متناثرين في ارجاء الدنيا فان انضمامهم الى تنظيم ثقافي يشكلونه لا يبدو امراً ملحاً، وارى ان المطلوب هو جعل الوطنية العراقية تأخذ مداها متغذية على نبض الضمير.
* كيف ترى موقف المثقفين العرب بعد الاحتلال وما الذي تريده منهم؟
موقف اغلبيتهم ممتاز ورائع مع العراق ومع شعبه ومع رموزه وهم يعملون على عزل كل من له موقف مغاير حتى وان كان من بين صفوفهم.
تسنى لي بعد الاحتلال ان ازور عدداً من البلدان العربية كالمغرب واليمن والاردن وسوريا فلم اجد الا الحرص على العراق والدفاع عنه، ولي ايضاً تجربتي المعاشة في تونس العربية التي احتضنت رموز الثقافة العراقية والعربية بشكل عام واحتفت بهم اي احتفاء، واستضافت عدداً منهم سواء في مهرجانات الاتحاد التونسي للشغل او الاحزاب الوطنية.
ولما كنا نعرف ظروف كل بلد وطبيعة علاقته فاننا لا نطلب اكثر من هذا، وكل ما نريده ان يواصلوا دعمهم لنا حتى ساعة النصر.