العراق: حدّ الضمير.. وحدّ الجريمة

أكثر من 200 أم وأب وأخ وأخت وإبن وإبنة بكوا في "مدينة الصدر" (الخميس الماضي)، وأكثر من 655 ألف أم وأب وأخ وأخت وإبن وإبنة بكوا في ما صار "جمهورية الموت" منذ بدء الغزو. وهناك مليونا مُهجر، تركوا منازلهم لكي لا ينظمّوا الى قافلة الموت. الموت الذي يتوزع، كما تتوزع مقاعد البرلمان والحكومة، حسب الطوائف. بالقسط والميزان. بالديمقراطية التي حملها سفلة الجشع والهمجية والهيمنة الإمبريالية. قد نختلف في الأرقام. لا بأس. هذا كل ما بقي من "السياسة"... سياسة الامتناع عن تعداد الموتى او الكشف عن "أرقامهم". لعلها تزيد ولعلها تنقص. ما الفرق؟ هل يعقل ان يقف (الرقم) "بيننا"، كإخوة في الموت. ألف أو ألفان، لا فرق. انهم "فدوة" على لمعان قنادركم. ودمهم صبغة شَعرٍ على شواربكم. لن نختلف. ولكننا إذ نرى الموت، فإننا نراه. لا أحد منا يحتاج الى "عدّاد" ليعرف ان مستنقع الموت العراقي لا يهدد من ماتوا، ولكنه يهدد كلَّ باقٍ، بالصدفة، على قيد الحياة؛ كل سابحٍ بدم أبيه او أخيه أو إبنه.
نقيم موكبا للعزاء. ولكن من دون ان نعرف بمن نعزي. فقد صار العراقيون كلهم موتى. يموتون إذ يحييون، ويموتون إذ يموتون. والكل يعزي. انما يعزي في نفسه.
وقد لا نعرف للجريمة حداً، لكن أما آن الأوان لنرسم حداً للضمير؟ أما آن الأوان لنعرف أين يمكن لغفلته أن تتوقف؟ أم هل مات هو أيضا؛ ضاع كما ضاع البلد، وتداعت حدوده وانتهكت كما تداعت وانتهكت؟
لنقل، ان نظام صدام ارتكب الكثير من الجرائم. لنقل أيضا ان الانتقام جائز. ولكن ألا يكفي؟ ألم تشبع الأحقادُ حقداً؟ ألم يكتفِ الموتُ بما أشاع من عويل نساء ولطم خدود وصدور؟ ألم يصبح الدم رافداً ثالثا في "بلاد الرافدين"؟
ولا حد للجريمة. انها مفتوحة حتى في ضمائرنا على استسهالٍ وتعايشٍ وتآلفٍ مع الموت الذي صرنا نراه "عاديا". أفلا يصحّ ان نضع لنوم الضمائر او لموتها حداً؟ فنقول كفى. ونكفُّ فعلا.
أما آن الأوان لوقفة "تأمل" لنرى إن كانت شاعريةُ الموت ما تزال تغري سوريالية القتل والتعذيب برمي المزيد من الجثث. أما آن الأوان، لنعيد النظر، ليس في المجزرة التي ارتكبناها، ولكن في الأقل، في المجزرة التي سنرتكب؟ لعلنا نرى طفلا لا يجب ان يموت في حضن أمه. لعلنا نرى أرملة تركت أطفالها وحيدين في المنزل. لعلنا نرى أبا كان ما يزال يركض وراء لقمة عيش لا دخل لها بمَنْ جاء ومَنْ ذهب. ولعلنا.. نجدُ فرصةً للبكاء على ما جلبناه لأنفسنا. ولعلنا نندم. فنسأل الله ان يغفر لنا ما تقدم وما تأخر. ولعلنا نتوقف. نقول كفى. لا شيء في الدنيا يستحق ان تبكي هذه الأم طفلا. ولا شيء في الدنيا يستحق ان يموت هذا الأب وهو يجلب رغيف خبز. لا شيء. لا سلطة ولا جاه ولا مال ولا مركز. لعلنا نتبرأ. نقول لضمائرنا ان تصحو، فنكف عن قتل جار، كان على الدوام جارا. ونكف عن قتل طفل كنا على الدوام نراه طفلا. ونكف عن قتل وطنٍ كنا على الدوام نجد فيه سقفاً وسِتراً ، ونعود لنقول "بلادي، وإن جارت عليّ، عزيزةٌ".
***
ماذا فعلت مدن المقاومة لكي تُهدم على رؤوس أهلها؟ هل قتلت جنودا أمريكيين؟ هل قاومت؟ هل إعترضت على وجود غزاة؟ هل جلبت "مجاهدين" و"إرهابيين" من الخارج؟ ألم نجلب 150 ألف جندي أمريكي من الخارج أيضا؟ فماذا كان يجب ان تفعل؟ ألم يكن من حقها ان ترفع السلاح في وجه السلاح؟ أليست هذه شرعة من شرائع كل الأمم؟ أم اننا نختلف، لان غزاتنا "ذوو نوايا طيبة"، أم لانهم جاءوا من اجل ان يكونوا، فوق جثث أطفالنا، جمعية خيرية لبناء الديمقراطية؟
هل كان يجب للحماقة ان تذهب بنا كل هذا المذهب؟
هل كان للعنف والقسوة ان يكونا هما المدخل، ضد ما كنا نراه عنفاً وقسوة؟
ولكن، ماذا كان يجب ان تفعل مدننا وقرانا حيال إحتلال جائر، جاء على أساس جائر، ومن أجل هدف جائر؟ ماذا كان يمكن ان تفعل أي مدينة مثلها في العالم؟
ثم ماذا فعلت الفلوجة والقائم وبلد والكرابلة والموصل وسامراء وتكريت والرمادي وحديثة والديوانية والحلة وبعقوبة؟
هل مات لنا (أو لكم) خمسة آلاف في حلبجة؟ ولكن لماذا صار كل العراق حلبجة؟ لماذا صار لكل حي من أحياء بغداد مجزرة خاصة به؟
وهل قتلنا 150 شخصا في الدجيل؟ أو ألفا في معتقل او ألفين في "تمرد"، او خمسين ألفا في لا مكان محددا؟ ولكن لماذا نضرب الانتقام بعشرة، ضد أبرياء ما كان لهم أي شأن في الناقةِ ولا في الجمل، وكانوا كغيرهم "ضحايا" لمن نفترض انه "ديكتاتورية ظالمة"؟
وفي أي مكان في التاريخ سنضع دكتاتورية الموت الفسيح هذه؟ ماذا سنسميها؟ ومن سيقدر ان يحمل أعباءها على كتفه، ليقول انها كانت "تجربة" او "محاولة" لبناء ديمقراطية جثث. أنجربُ بالموت بلداً وحكماً؟ أكانت أي سلطة تستحق ان يُقتل ويُهجر كل أولئك الذين قتلوا وهجروا غيلةً وعبثاً؟
التجربة فشلت. الرجال القادرون على النجاح هم وحدهم الذين يقدرون على الاعتراف بالفشل. والاعتراف لا يكتمل من دون استعدادٍ لطلب المغفرة ولقبول المغفرة.
لقد قتلنا عراقا، كان يمكن ان يكون عراق توادٍ وتآخٍ ورحمة، بما نقدمه لغيرنا من توادٍ وتآخٍ ورحمة. لا بما نزرعه من جثث. ولا بما ننشره من ذعرٍ وخوفٍ وأحقادٍ قاتلة.
***
اليوم تركنا مدينة الصدر تبكي. ليس مهما مَنْ قُتل ومَنْ قَتل. القاتل والمقتول نحن. انه أنا. انه أنت. ولكن ليس تلك الأم التي جلست لتلطم وتنوح وتنحب على طفل كان يجب ان يذهب الى المدرسة.
والعراق كله يبكي.
انه يبكي دماً. ينزف. ينثرهُ كما يُنثر العطرُ على وجه وردة. ولكنه دمٌ ظالم وقاسٍ.
تقول حكومة الطائفيين، "فلنوقف الفتنة الطائفية". حسنا.
قد يمكن للسياسيين في كل العالم ان يكونوا منافقين. لا بأس. ولكن لماذا يبلغ الأمر حدّ الدعارة؟
هل من الضروري للفضيحة ان تكون قميئة الوجه أيضا؟
"فلنوقف الفتنة الطائفية". تقولها حكومةٌ وزعت مقاعد برلمانها على أساس طائفي. وتقاسمت مناصبها على أساس طائفي. وأقامت تحالفاتها على أساس طائفي. وعزلت عراقيين عن عراقيين على أساس طائفي. وتريد فيدرالية على أساس طائفي. وتتقاسم حصص النهب على أساس طائفي، ولكنها تعود لتقول "فلنوقف الفتنة...".
فلنوقف الدعارة، أيها السادة. (السادة).
فهذا زواج متعة، مع السفالة، إذا أمكن طرحها على فراش الذل والانحطاط والخيانة.
فلنوقف التصويت على فراش الدعارة الطائفية بفتوى مقدسة ومدنسة، تغمز للاحتلال بعين، وترفع ثوبها ليرى، في ما تحته، "نصرا للديمقراطية".
وهذه هي الديمقراطية. انها ديمقراطية تعذيب وتهجير وجثث.
إناء أبو غريب، صار ينضح في النجف، تواطؤا و... زواج متعة مع الاحتلال، من دون أن نسمح لأحدٍ ان يعدّ الجثث. فهنا، نختلف. الأرقام ليست هي. "انها مُبالغ فيها". وليست على الحقيقة بصلة. الموت هو الصلة. ذاك الذي نراه ويرانا.. كل يوم كمشروع لعزاء آخر. لعويلٍ آخر. لأمهات يبكين ويتعفرن بالتراب حزنا.
وسأعترف. نعم. لديكم المقدرة، كل المقدرة، على ان ترتكبوا فينا كل ما تشاؤون من الجرائم. وان تستفظعوا في تقطيعنا إربا إربا. ولا حدود تحدكم، من شرق بلاد فارس الى غرب إمبراطوريتها الغاربة. ولكن هل ثمة حدّ لما قد ظل حياً من ضمائركم؟
فماذا فعلنا، لكي يصبح العراق أرضا للنفاق والدعارة، وهو، ولو بالزعم، كان عراقكم يوما؟
ثمّ،..
أيريد عملاء أكرادكم، إستقلالا؟ فليأخذوه. وليغربوا عن وجوهنا. أي حقد على العراق هذا الذي يجيز لهم أن يحولوا كردستان الى إسرائيل أخرى؟ أي كراهية تلك التي تبرر أن يجلبوا له كل هذا الموت الدمار طائرا ومؤللا ومسلحا بقوة إبادة شاملة؟
سأقول: خذوه. نحن لم نقف في وجه استقلالكم. سادتكم هم الذين ظلوا يعارضون. لم نكن نحن الذين لم نسمح بأن تكونوا أمة ووطنا. خذوه. لعنة الله عليكم. خذوه. اذهبوا، لتعيشوا به إذا كنتم قادرين. ولا تلتفتوا إلينا أبدا. أعطيناكم ما لم يعطه أحد، فجلبتم لنا غزوا لتأخذوا ما ليس لكم، فاذهبوا لتكونوا أحرارا أو عبيدا، تجارا أو مهربين "قجقجية". اذهبوا. انسونا واذهبوا الى الجحيم أو الى الجنة. لقد كان جواركم كارثة. وضيق أفقكم كارثة. وأنانيتكم كارثة، وأحقادكم كارثة.
ولكم ولهم: آن أوان الحساب. إذ بلغ سيل الدماء الزبى. وأزفت ساعة الحقيقة.
لم تفشل خططكم الأمنية التي لم تجلب أمنا. المشروع كله فشل.
لم يبق منه إلا جثث. نكدسها فوق بعضها، لنرى أباً وأماً وأخاً وأختاً وإبناً وإبنةً يبكون على بلدٍ يجوع، ويتمزق ويلدُ موتُه موتاً.
كفى.
قولوا: كفى. كلنا ارتكبنا خطأً، بحق عراقٍ كان يستحق أن نجلّه ونتخذه سقفاً وسِتراً ومعبداً، لا مقبرة.
قولوا: كفى. وقد آن الأوان لنطلب المغفرة ونقبل المغفرة. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com