من يرى مآسي بغداد ينسى مآسي غزة

بقلم: حسن عبيد عيسى

خلال أربع وعشرين ساعة دموية مرت بالعراق بين عصر الخميس 23/11/2006 وعصر الجمعة، قتل قرابة ثلاثمائة عراقي في مناطق مختلفة من بغداد (مدينة الصدر والاعظمية والحرية وغيرها من مناطق)، وفي مدينة تلعفر في محافظة نينوى الشمالية. ربما لم ينتبه اغلب المراقبين الى أن التفجيرات التي حصدت تلك الارواح البريئة وقعت ضمن عملية صهيونية مدمرة يشنها الجيش الاسرائيلي في قطاع غزة بحجة منع الفلسطينيين من إطلاق صواريخ القسام على مستوطنة سديروت، وهي الحملة الثانية خلال هذا الشهر الذي شهد عملية غيوم الخريف وما نجمت عنه من مأساة متمثلة بمجزرة بيت حانون الدموية التي حركت بعضا من الضمير العالمي الذي يمكن وصفه بالمحايد.
فرئيس الوزراء الصهيوني الذي ذاق مرارة الهزيمة في أول اختبار عملي له في جنوب لبنان، حاول أن يتقرب الى الاسرائيليين وكسب ودهم عن طريق رشوتهم بمزيد من الدم الفلسطيني الى درجة أنه تباهى بقتل ثلاثمائة فلسطيني في قطاع غزة منذ أسر فلسطينيون جندياً إسرايلياً في ذلك القطاع وحتى شروعه بعمليات غيوم الخريف. والجميع يعلم أن أغلب اولئك الشهداء هم أطفال ونساء وعجزة قابعون في بيوتهم يحاصرهم الجوع والخوف، فالجيش الاسرائيلي لا يقاتل جيشا مقابلا، وانما يعاقب شعبا أعزلا. وكانت عملية غيوم الخريف وسيلة لسفك دماء جديدة يلمّع بها الرجل الدموي أولمرت صورته عند الاسرائيليين.
لقد كان ذلك كله في حقيقة أمره نكسة لسمعة إسرائيل في الخارج إذ عدها مشاركون في استفتاء دولي انها الدولة الاسوء عالميا بين 35 دولة، وتلك مصيبة جديدة تمنى بها السياسة الاسرائيلية التي تجد ان القتل والتدمير هو الوسيلة الوحيدة التي تحقق فيها أمنها واستقرارها.
الحال إذن يشكل مأزقا لاسرائيل لا تنفع معه المساعدة الاميركية سواء عن طريق الفيتو في أروقة مجلس الامن، أو حتى عن طريق الدعم الخطابي الذي يؤمنه الرئيس بوش بين آونة وأخرى وكلما احتاجت اسرائيل الى ذلك، من خلال تفهمه الدائم للدفاع الاسرائيلي عن النفس والذي صار الجميع يعرفونه حتى ولو لم يصرح الرئيس الاميركي به. فالقتل الاسرائيلي العشوائي في غزة بات مشكلة لاشرائيل نفسها، ولكن لا وسيلة بديلة يمكن التعويض بها تساعد اولمرت وكاديما في كسب ود الاسرائيليين.
ولما كان الغزو الاميركي وما نجم عنه من ظرف دموي اغرق العراق، هذا البلد المستباح، وحوَّله الى أتون متأجج يحرق كل سكانه، يُعَد نعمة بالنسبة لأمن إسرائيل كما عبر عن ذلك أولمرت نفسه، وانه يشكر الله على ذلك (انظر تقرير دان وليامز من القدس والمنشور في موقع ميدل ايست أونلاين بتاريخ 23/11/2006) فلا بد من استثمار تلك النعمة الالهية الى أقصى الحدود على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.
وجاء الاستثمار التكتيكي فوريا مزامنا للحملة الدموية في قطاع غزة، فمقتل ثلاثمائة عراقي خلال أربع وعشرين ساعة (منذ عصر الخميس وحتى عصر الجمعة)، سوف يصرف كل الانظار عن مجريات الامور في غزة، وسيصير مقتل صبي فلسطيني داخل منزل عائلته بنيران دبابة اسرائيلية عصر يوم الجمعة، حادثة لا تثير اهتمام أحد. فالجميع يرى اشلاء مئات الصبية والنسوة في مدينة الصدر والاعظمية وتلعفر وهي تنتشر على مساحات واسعة من تلك الاحياء المكتضة بالسكان.
لاشك إن الكثيرين سيستنكرون الاعمال الوحشية الممارسة في غزة، ولكن تأثرهم بما يحصل في مدن العراق سيريهم ان تلك الاعمال الاسرائيلية هي قطرة في بحر الجرائم المرتكبة في العراق. لذا فانهم سيعدلون عن اتخاذ أي موقف حاسم من هذا العدوان الذي يشنه واحد من أقوى الجيوش ضد السكان العزل دفاعا عن أمن سكان سديروت.
من هنا نستطيع تلمس طريقنا الى الفاعل الحقيقي الذي فجر السيارات المفخخة وأطلق قذائف الهاون والذي يساعده الاعلام المأجور والمسخر عندما يزعم أن تلك السيارات فجرت من قبل عناصر انتحارية لاثبات أن ثمة عناصر عراقية متحمسة لقضية ما هي التي نفذتها، وانها ليست تدبير أميركي أو موسادي يهدف الى انقاذ السمعة الاسرائيلية التي أوصلت اسرائيل الى مستوى الدولة الاسوء عالميا اضافة الى تحقيق اهداف استراتيجية ابعد مرمى.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن يوما دمويا كالذي اشرنا اليه، سيجعل من أعمال الانتقام بين مكونات الشعب العراقي أمرا واردا يقابله انتقام مضاد بين تلك المكونات تعيد الى الاذهان ما حصل في شباط الماضي عندما جرى تفجير قبة الامامين العسكريين في سامراء، وما اعقبها من أعمال اجرامية نفذها مجرمون باسم الطرفين الرئيسين من مكونات الشعب. ولعل ذلك الانتقام وتصعيده وتوسيعه هو الوسيلة الوحيدة التي ستمزق العراق وتحوله الى كانتونات خطَّطَ لها بيغن وفريقه الحكومي الامني منذ العام 1980، والا فكيف يمكن الاستفادة القصوى من الفوضى التي أشار اليها يوفال ديسكين رئيس جهاز الشين بيت للامن الداخلي عندما قال "عندما تمزق نظاما كان فيه ديكتاتور يسيطر على شعبه بالقوة كانت هناك فوضى" في مجال النعمة التي انعم الله بها على اسرائيل؟
ولا شك فان استثمار تلك الفوضى من اجل تحقيق الاهداف الاستراتيجية الاسرائيلية العليا هو الامر المتحقق الان سواء عن طريق تفجير السيارات المفخخة أو اطلاق قذائف الهاونات، وسواء نفذت تلك الجرائم من قبل عناصر موساد يعرف كل العراقيين انهم موجودين بين ظهرانيهم منذ نيسان 2003 أومن قبل أميركان، أو من قبل عراقيين مأجورين قضوا سنوات يتدربون في الخارج في معسكرات مخابراتية على كيفية تمزيق الوطن، ثم عادوا بصفة مناضلين محررين لما يزعمون انه وطنهم. حسن عبيد عيسى