اغتيال الجميّل يعيد لبنان إلى غرفة الإنعاش مجدداًً

لا شك أن استئناف مسلسل الاغتيالات في لبنان يثير الكثير من المخاوف حول مستقبل هذا البلد، ويطرح العديد من التساؤلات عن المخطط والمنفذ والمستفيد الحقيقي من هذه الجريمة النكراء في هذا التوقيت الحساس جداً.
لن نخوض في تحليل التطورات الأخيرة لأن ناقوس الخطر يـدق في لبنان.. وإذا أضفنا إلى عملية اغتيال وزير الصناعة اللبناني بيير الجميل استمرار التردي في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يوماً بعد يوم، وهجرة الشباب المتصاعدة بوتيرة أعلى، والدمار الإسرائيلي الناجم عن العدوان الإسرائيلي الأخير نصبح أمام تحديات كبرى يواجهها لبنان.
اغتيال الجميّل يعيد لبنان إلى غرفة الإنعاش مجدداًً، ويؤكد ضرورة العمل على إيجاد حلول سياسية فورية تنزع فتيـل التوتر الخطير الحاصل، وتخرج البلاد من أزمتها السياسية الحادة، لتجنيب الشعب اللبناني بجميع أطيافه انفجاراً آخر جديداً قد يودي بالسلم الأهلي ويدفن صيغة العيش المشترك في لبنان لنصبح عراقا آخر.
لبنان الذي لا يكاد يخرج من أزمة حتى يدخل في أخرى أشد خطورة، هو بأمس الحاجة إلى تغليب لغة العقل والمنطق واعتماد الحكمة والحلم بحيث تتقدم مصلحة لبنان الوطن والشعب على أي مصلحة أخرى داخلية كانت أم خارجية. فالتشنجات والسجالات العنيفة والاتهامات المتبادلة لا تخدم بأي حال من الأحوال المصلحة الوطنية العليا للبنان، ولا يمكن أن تؤدي سوى إلى المزيد من الانقسامات والحرب الأهلية المدمرة.
هذه الحرب الأهلية التي سبق وأن عايشها اللبنانيون ما يزيد عن 17 عاماً، أثبتت أن من المستحيل لأي فئة أو طائفة أن تلغي الأخرى.. في هذه الحرب خرج الجميع خاسراً، والخاسر الأكبر كان لبنان الوطن والشعب، فهل يحتاج اللبنانيون اليوم إلى تجربة أخرى مماثلة لإدراك هذه الحقيقة الراسخة؟!.
إن الأولوية اليوم في هذا البلد الجميل بكل تناقضاته هي للمصالحة الوطنية والتنمية والبناء، لكن ذلك لا يمكن أن يتم في مثل هذه الأجواء الشديدة التعقيد والممتلئة بالاحتقان والتوتر. ومهما كانت خيارات وقدرات وإمكانات القوى الموجودة على الأرض فليس لديها بديـل عن التوافق باعتباره أفضل وأنسب وأسلم وأجدى الحلول.. لأن أي مواجهة جديدة ستعيد لبنان عقوداً إلى الوراء في الوقت الذي يتطلع فيه جميع اللبنانيين إلى اندمال الجراح الكثيرة التي أنهكت جسد الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
إذا كان اللبنانيون غير قادرين على التفاهم حول القضايا الأساسية لوطنهم فلن تكون الأطراف الإقليمية والدولية قادرة عل مساعدتهم للخروج من أزمتهم، وأي خيار آخر غير التفاهم لن يجلب على لبنان إلا المزيد من الأزمات والانتكاسات والحروب.
من المؤكد أن العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان كان قاسياً ومدمراً، لكن لا هذا العدوان ولا أية حرب إسرائيلية جديدة مهما كانت ضراوتها، تؤذي لبنان بالقدر الذي يمكن أن تلحقه حرباً أهلية أخرى من كوارث ودمار بهذا البلد. مع الأسف هذه الحرب بـدأ شبحها يتبدى في أجواء لبنان جنباً إلى جنب مع الطائرات الإسرائيلية التي تحلق في نفس هذه الأجواء.
رهان اللبنانيين اليوم يجب أن يكون على الوطن وأي رهان آخر سيبقي لبنان في مهب التجاذبات الإقليمية والدولية، وساحة تصفّى فيها الحسابات على حساب لبنان الذي يشكل الحلقة الأضعف في هذا الصراع. وغالب الظن أن جريمة اغتيال الوزير الجميّل لا تخرج عن سياق الأجندات الخارجية التي وضعت للمنطقة.. ومعظم القوى السياسية في لبنان تدرك ذلك جيداً لكنها لا تتحرك بما يكفي لإخراج لبنان من هذه الساحة.
العيش المشترك والقبول بالآخر مهما كانت آراؤه وانتماءاته السياسية أو المذهبية هو القاسم الوحيد والمحور الأساسي الذي يجب أن يلتف حوله جميع اللبنانيين. وعلى القوى والتيارات والزعامات إذا ما كانت حقاً حريصة على مستقبل لبنان أن تقرّ بالعيش المشترك واحترام الآخر بعيداً عن المشاحنات والاتهامات التي ازدادت حدتها في الفترة الأخيرة حتى وصلت حد التحريض والتخوين والطعن في لبنانية بعض الشخصيات السياسية.
ليس أمام الفرقاء اللبنانيين إلا أن يعملوا على بناء مناعة لبنان وتحصين وحدته الداخلية، فالجراثيم والفيروسات تنتشر أكثر ما تنتشر في الجسم المريض، أما عندما يكون سليماً معافى فإن لهذا الجسم مناعةً لا يمكن اختراقها.
هذه المناعة لا تبنى إلا من خلال تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية والحزبية.. ولا بأس من التوفيق بين المصلحتين بشكل لا يتعارض مع المصلحة الوطنية العليا وإن تعارضتا، فالأولوية للمصلحة الوطنية والمصلحة الوطنية فقط.

شادي جابر Shadi2000sa@yahoo.com