حق المرأة في قيادة السيارة!

أسمعتنا إدارة الرئيس جورج بوش، وكذلك "المؤلَّفة قلوبهم" من العرب، كلاما كثيرا عن "الإصلاح" في العالم العربي؛ على أنَّ أكثره إثارة للتعجُّب كان الخاص بحق المرأة، في مجتمعنا العربي الإسلامي، في "قيادة السيارة"، وكأن منحها هذا الحق هو خير مقياس نقيس به مدى ما أُنْجِز، ويُنْجَز، من إصلاح سياسي وديمقراطي واجتماعي وتربوي.. في عالمنا العربي. وغني عن البيان أن سعي إدارة الرئيس بوش إلى إظهار وإبراز حقيقة أن المرأة في بعض مجتمعاتنا العربية لا تملك الحق في قيادة السيارة يفيد كل من له مصلحة في تصوير المجتمع العربي لمواطني الدول الغربية على أنه مجتمع لم يبلغ بعد من الإصلاح بأوجهه كافة ما يجعل قيادة المرأة فيه للسيارة أمرا طبيعيا، ويستحق، بالتالي، أن يلقى، مع ثقافته، مزيدا من العداء (الحضاري) الغربي.
لقد تحدانا العالم أن نُظْهِر مجتمعنا له في صورة المجتمع الذي فيه من إرادة الحياة، والرغبة الحقيقية في أن يصلح أحواله كافة، ما يمكِّنه من أن يشق لنفسه، وبنفسه، طريقا إلى القرن الحادي والعشرين بكل معانيه السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية، فإذا بنا نزوِّد أعداءنا بمزيد من الأسلحة التي يحاربوننا بها.
كان جوابنا هو الآتي: لن نسمح أبدا للمرأة بقيادة السيارة؛ ولكننا قد نفكِّر في منحها، مستقبلا، حق المشاركة، تصويتا وترشيحا، في الانتخابات البلدية، تعزيزا لدورها الاجتماعي، وفي سبيل تمكينها من المشاركة (عبر المجالس البلدية) في مناقشة مشاكلها، وإيجاد حلول لها. وهذا "الجواب الاجتماعي الثقافي" لم يأتِ من هيئة حكومية لديها من الخواص والسلطات والصلاحيات ما يسمح لها بالتحدُّث عن هذا الأمر، وبتِّه، ولكنه أتي من وزارة الداخلية، التي ينبغي لها، بحكم اختصاصها، أن تتحدث في أمور لها من الخواص ما يجعلها تخص الأمن القومي، أو بعضا منه.
وقيل في التبرير: إن الإسلام يقر للمرأة بحق امتلاك سيارة، وأي شيء؛ ولكن ثمة فرق (شرعي) بين "حق التملُّك" و"حق الاستعمال"، فالمرأة لا يحق لها أن تستعمل، أي أن تقود، السيارة التي يحق لها تملكها. وقيل، أيضا، إن "البيئة الصحراوية"، واتساع المسافة بين حي وحي في المدينة الواحدة، تجعلان حياة المرأة، التي تقود السيارة، عرضة للخطر، "وهذا ما لا يقبله أبدا وليُّ أمرها"!
المأساة تَعْظُم ليس في قول ما قيل فحسب، وإنما في وجود غالبية عظمى من الرجال تؤيِّد حق ولي أمر المرأة في درء الخطر عن حياتها من خلال منعها من قيادة السيارة. أمَّا المهزلة فنراها في أن النصف الآخر من المجتمع، أي الرجال، لا يملكون من الحقوق إلا تلك التي في منزلة حقهم في قيادة السيارة. ولو تحرَّى الرجال أسباب مأساتهم السياسية لوجدوا أن بعضا من أهمها يكمن في الدوافع الاجتماعية الكامنة في منع المرأة من قيادة السيارة. ولو أرادوا سماع تبرير لمأساتهم تلك لسمعوا تبريرا مشابها، فوليُّ الأمر يمنع المجتمع من أن يقود نفسه بنفسه سياسيا حتى يدرأ المخاطر عن حياته.
إنني متأكِّد أنَّ السبب الحقيقي لمنع المرأة من قيادة السيارة ليس هذا الذي ذكروا، فتعرُّض حياتها للخطر، إذا ما قادت السيارة، ليس بالأمر الذي يهمهم كثيرا، فما يهمهم، في المقام الأول، إنما هو الإبقاء على معاني الشرف لدى الرجال في غير المواضع التي فيها ينبغي للمجتمع والأمة أن تُركِّز معاني الشرف. إنَّ الرجل الذي أسس لنفسه "كرامة"، تُجْرَح، وقد تُقْتَل، إذا ما قادت المرأة التي تخصُّه سيارة هو ذاته الرجل الذي لا يبالي كثيرا بفقده، أو بإفقاده، الكرامة السياسية والقومية والإنسانية.
والمهزلة تَعْظُم عندما نسمع الرجال، في مجتمعنا، يعترضون على منح المرأة حقوقا سياسية وانتخابية، قابلين على مضض منحها حق المشاركة، تصويتا وترشيحا، في الانتخابات البلدية، فالمرأة، في تصورهم، تُعرِّض حياتها للخطر إذا ما قادت السيارة؛ ولكنها تعرِّض حياة المجتمع للخطر إذا ما سُمِح لها بالمشاركة في حياة سياسية، تتحدانا أن نقيم الدليل على وجودها. مَنْ يسمع اعتراضهم يظن أنهم يملكون أمرهم السياسي، أو أنهم يملكون أكثر مما تملكه نساءهم من الحقوق السياسية والانتخابية!
إن للمجتمع الحر مقاييسه ومعاييره التي من أهمها أن حرية الرجال تنتفي حيث تنتفي حرية النساء، أي حيث تسود "المرأة المعبودة ـ المستعبَدة"! جواد البشيتي