تونس: من تأسيس مقوّمات الديمقراطية.. إلى الممارسة

بقلم: محمد بوسنينة

تبني الشعوب حضاراتها بتراكم تجاربها، وما تولده تلك التجارب من ثقافة تتوارثها الأجيال وتثريها بعبقرية قادة الفكر فيها. ذلك التراكم وتلك الإضافات الحضارية هي التي تشكل الفارق بين الشعوب، فبعضها يتميز بالديناميكية التاريخية لأنها تشارك في صنع التاريخ، وبعضها لا يعرف من التاريخ سوى أن يعيش الزمن الذي هو فيه، فيندثر إما لعوامل داخلية أو لأخرى خارجية لم يمتلك القوة لمواجهتها.
وعندما يتابع المرء بموضوعية ما يعيشه الشعب التونسي في هذه الحقبة من تاريخه، ثم في هذه المرحلة بالتحديد، فلا يمكنه إلا أن يصنفه في خانة الشعوب الديناميكية التي تصنع التاريخ وتؤثر فيه، وتصنع لذاتها دوما موقعا في الحضارة الإنسانية. والحكم مثله مثل الفكر والعلم، هو من أهم الشواهد التي تبقى أثرا ممتدا عبر الزمن على مدى ما بلغه شعب ما في ممارسته للحكم والفعل فيه. مقوّمات الحكم الديمقراطي وفكرة الحكم في الأصل تنبني على مبدأين هما: تأسس الحكم على سلطة الشعب ثم الممارسة الديمقراطية.
والمبدآن هما في ذات الوقت منطلق وهدف فكرة الديمقراطية وكل ما يندرج في إطارها من مناهج سياسية وآليات فكرية وثقافية ومجتمعية.
ولقد مثل الوضع القائم في المنطقة العربية والإسلامية إشكالية استراتيجية مع بعض القوى الغربية، تلك التي تعتقد أن أنماط الحكم القائمة في المنطقة لا تعبر عن مدّ ديمقراطي يؤدي بها إلى بلوغ ما تعتبره تلك القوى النمط الأمثل للممارسة الديمقراطية القائمة في الغرب. ومن هنا برزت رؤى وطروحات حول ما يعرف بالإصلاح في المنطقة، ولكن بمفهوم تلتقي عنده المصالح الإستراتيجية للقوى ذات النماذج المسقطة بمصالح الأنماط الجديدة للحكم التي تريدها منبثقة عن ذلك المفهوم للإصلاح وللديمقراطية. في هذا الوضع تحديدا، وفي مناخ مرافق أصبحت فيه الديمقراطية قرينة للتنمية ومرتبطة بها، تطرح حالة تونس بما يمكن أن تعتبر وفقه كأنموذج له خاصيات التفرد والاختلاف. فهذه الحالة تختزل المقومات الأساسية لمنهج الحكم الديمقراطي بركائز: سلطة الشعب، والإصلاح، والديمقراطية. وقد كان الاقتراع العام الذي جرى يوم 24 أكتوبر/تشرين أول 2004 حاملا لدلالات ذات أهمية خاصة في هذا المعنى، لا سيما وأن مدخلاته الأساسية، ثم مقدماته من الحملة الانتخابية التعددية قد هيأت، بما حملته من رموز سياسية في احترام القانون والمشاركة وحياد الإدارة، لأن يمثل الاقتراع العام لاحقا مخرجاته المنطقية كما يسميها رجال السياسة. سلطة الشعب..إرث الأمس وواقع اليوم وبالنسبة لتونس، تاريخا وإرثا حضاريا، لا ينازع أحد في ثراء تجربتها من حيث ممارسة الشعب للسلطة. ففي عهد قرطاج مارس الشعب سلطته من خلال أول دستور عرفته البشرية وسبق دستور أسبرطة، ثم عبر المجالس التمثيلية الثلاث والتي كانت تشبه ما عرف حديثا باليسار واليمين وتمثيلية الجيش. وفي العصور الحديثة كانت تونس وبضغط شعبي شكل تعبيرا آخر عن سلطة الشعب، أول بلد عربي إسلامي يلغي الرق، ويقر حقوق الإنسان، ثم يقر أول دستور في كامل المنطقة سنة 1861. وقد انبثق أول دستور للجمهورية عام 1959 عن سلطة حقيقية للشعب. ذلك أن الشعب انتخب مباشرة في اقتراع عام حر ومباشر شاركت فيه كل القوى والفئات، بما فيها المرأة التي شهدت آنذاك أول مشاركة نسائية في العالم العربي الإسلامي، انتخب الهيئة التي عرفت باسم "المجلس القومي التأسيسي" عام 1955 التي ألغت نظام البايات وأقرت النظام الجمهوري الرئاسي بقرار سيادي مطلق، ثم أقرت الدستور. وبغض النظر عن أي اختلافات في وجهات النظر، فإن الشعب التونسي كان أكثر الشعوب تواصلا ودون انقطاع في ممارسة سلطته بواسطة الإنتخاب الحر والمباشر.
ولأن انتخاب رئيس الجمهورية في النظام الرئاسي هو أعلى تعبيرات سيادة الشعب، فقد كان هذا المبدأ أهم ما أعاده الرئيس زين العابدين بن علي للشعب التونسي بعد التحول السياسي سنة 1987. فأغلق بذلك القوس المؤقت الذي كان فتح في التاريخ السياسي التونسي والذي تعلق بالرئاسة مدى الحياة و الخلافة الآلية. وعاد الشعب فعلا ليمارس منذ سنة 1988 سلطته في القرار والاختيار عبر الاقتراع العام. وعاد النظام الجديد في تونس ليقرن الانتخابات الرئاسية بالتشريعية سنة 1989. فرغم أن الوضع السياسي والدستوري كان يسمح للرئيس بن علي أن يواصل ممارسة مهامه في السلطة حتى انتهاء فترة الخمس سنوات التي يسمح بها الدستور، إلا أنه فضل العودة للقرار الشعبي آنذاك طبقا للمبدأ الذي أعاد إقراره بنفسه من خلال أول تعديل للدستور سنة 1988 والقاضي بإلغاء الخلافة الآلية، واختار ممارسة السلطة طبقا لإرادة الشعب.
وكان ذلك في حينه تعبيرا عن تجذر مفهوم ممارسة سلطة الشعب في الذاكرة وفي العقلية التونسية.
ولكن سيادة الشعب التي تمارس من حيث المبدأ بالانتخاب المباشر لرأس السلطة التنفيذية، وللبرلمان، الذي يمارس سلطة الشعب لاحقا من خلال وظيفته التشريعية، تمارس أيضا من خلال الاستفتاء الذي هو أحد أبرز تعبيراتها. فالاستفتاء هو آلية دستورية تتيح للشعب التعبير عن إرادته ورأيه مباشرة ودون وساطة. وهذا ما تمكن منه الشعب التونسي بالفعل ولأول مرة في تاريخه السياسي سنة 2002 عندما صادق على التعديل الجوهري الذي أدخل في حينه على الدستور، وأقر ما أطلق عليه الرئيس بن علي جمهورية الغد، كمفهوم جديد في السياسة يحافظ على الإرث، ويستلهم روح المجتمع ثم يستشرف المستقبل ليحدد مناهج السير فيه.
إذن فإن للشعب في تونس إرثا حضاريا متصلا في ممارسة سيادته والتعبير عن إرادته، وبالتالي ممارسته الحكم والسلطة. الإصلاح معطى سياسي لكن وبالتوازي مع هذا التواصل السيادي في التعامل مع صيغ الحكم لم تنقطع مواكبته أيضا لمبدأ الإصلاح. ولئن كان الإصلاح المجتمعي والسياسي مرتبطا في تونس بفكر الرواد من قادة الفكر والثقافة من بدايات القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن العشرين، فإن ميزة الفكر الإصلاحي الحديث في تونس أنه أصبح منذ نهاية الثمانينات معطى ثابتا في الفكر السياسي لنظام الرئيس بن علي. وتحولت السياسة ذاتها إلى دافع للمدّ الإصلاحي، فخرج المبدأ من حيز المطلبية الفكرية والثقافية إلى حيز الفعل المجتمعي المتراكم أيضا. وهذه خاصية تحسب للتطور المجتمعي في تونس، حتى أن الإصلاح السياسي ـ وهو أعلى ألوان الإصلاح لأنه الحافز لديمومته في المجتمع ـ أصبح ظاهرة تميز الحياة العامة منذ سنة 1987. ولعل من أهم ملامح الفكر الإصلاحي المتصل بالجذور في النظام السياسي التونسي اليوم ما يتصل بتحديث المجتمع علميا وتنمويا، وجعله يتأسس على قيم مشتركة، ويتضامن في تحقيق التنمية، ويتحمل مسؤولية تطوير نظام الحكم. وتلتقي عند هذه المقومات مختلف البرامج والإجراءات الإصلاحية في تواترها وتكاملها سواء ما تعلق منها بالتربية والتعليم أو المرأة والشباب، أو الاقتصاد والثقافة أو الحياة الاجتماعية وغيرها.
ولكن تبقى الأبعاد السياسية ذات أثر أهم وأقوى في تجذير الفكر الإصلاحي وتحقيق أهدافه. ولعل الفكرة الديمقراطية والتعددية السياسية ومسائل الحريات هي أكثر ما يلفت الانتباه ويشد إليه الفكر لمحاولة الغوص إلى أبعاد الممارسة والتمشي الذي تعيشه تونس في هذه المجالات. الاستقرار منطلق للتأسيس فالديمقراطية من حيث هي مفهوم سياسي تعني أساسا تأمين أوسع مشاركة ممكنة للشعب في الحكم، وضمان أن تكون بالفعل مشاركة حقيقية. ثم هي في مرحلة موالية تعني أن تؤدي إلى تجسيم مبدأ التداول على الحكم. وهذه في الواقع هي أبرز معانيها وأهدافها في نفس الوقت.
وفي هذا المجال بالذات تبدو التجربة التونسية الحديثة تجربة ذات أهمية خاصة في المحيط العالمي اليوم، وخاصة في ما يتعلق بالبلدان النامية والصاعدة ذات التجارب الوليدة في مجال ممارسة السيادة من خلال محاولاتها الديمقراطية.
فلقد كان الأساس بالنسبة للنظام السياسي الجديد في تونس سنة 1987 هو الانطلاق في تحقيق الإصلاحات التي يستوجبها التحول المجتمعي من جهة، وتوفير مقومات الاستقرار من جهة أخرى. وكان هذان العاملان حاسمين في تحقيق التحول الديمقراطي اللاحق. ذلك أن الاستقرار يشكل قضية محورية لأي نظام سياسي أو دولة أو حزب سياسي، وهو الركيزة التي تبنى عليها الحياة السياسية السليمة وتتضح من خلالها الرؤية، وتنظم بها الحقوق والحريات العامة. فهو شرط توفر الأمن، وشرط توفر المناخ الديمقراطي بآلياته ومناهجه. ذلك أن الديمقراطية والتعددية في حد ذاتها غير كافية، ولا هي سابقة، لتحقيق الأمن والاستقرار، ولا لتحقيق التنمية. في حين أن التنمية والديمقراطية، كهدفين استراتيجيين مترابطين لأي نظام سياسي، يتأسسان على شرط الأمن والاستقرار.
من هذه المنطلقات تأخذ التجربة التونسية مداها وأنموذجيتها. فالرئيس بن علي أطلق تجربة ديمقراطية تعتمد مبدأ التأسيس. فقد أسس في البداية حالة الاستقرار السياسي والمجتمعي. ثم انطلق من طور بناء الاستقرار إلى طور بناء مؤسسات الدولة، وإرساء المفاهيم والقيم المرتبطة بفكرة الحكم والديمقراطية ونشرها كثقافة سياسية جديدة في المجتمع. وكان هذا التمشي مستندا إلى الإرث الحضاري لتونس، وإلى قدرة الشعب على الاستيعاب، وحاجته لأن يعيش في ظل دولة قوية ذات مؤسسات سياسية فاعلة ومرجعية. وكانت الخطوات في هذا المسار متوالية ومعززا بعضها للبعض الآخر السابق أو اللاحق لها.
وقد انطلق بناء مؤسسات الدولة بالفعل منذ أول قرار اتخذ بعد التحول والذي تعلق بإنشاء أول مجلس دستوري في البلاد، ثم بالتعديلات الدستورية المتوالية التي ألغت الخلافة الآلية والرئاسة مدى الحياة، وأقرت من جديد سلطة الشعب، كما أقرت القوانين المنظمة للحياة السياسية والعامة كقانون الأحزاب وقانون الجمعيات، وتحديد مجال القانون. وكان آخر وأهم تلك الإجراءات ما جاء في التعديل الدستوري الواسع سنة 2002 والذي أقر دولة القانون لأول مرة في الدستور وعزز السلطة الشعبية والتشريعية والقضائية، وارتقى بصلاحيات المجلس الدستوري إلى طور الرقابة على الانتخابات العامة الرئاسية منها والتشريعية. المنهج.. والتطوّر وبالتوازي مع ذلك كانت الحياة العامة شهدت تطورات ذات أهمية بالغة، سواء من حيث عمق واتساع المشاركة الشعبية، أو تطوير مشاركة الأحزاب والتنظيمات المجتمعية الأخرى في مجريات وتصورات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وشكل كل ذلك مؤشرات على تزايد النضج والوعي بقيمة المشاركة الفردية والعامة في الشأن العام. ولعل الأحزاب السياسية هي التي كانت الأكثر إفادة من هذا المنهج المتدرج في الممارسة الديمقراطية في الحياة العامة بتونس. فبموجب القانون أصبح بإمكان هذه الأحزاب الترشيح والترشح للبرلمان وللرئاسية، فضلا عن الهيئات الدستورية المنتخبة الأخرى. ولئن شاركت في الانتخابات البرلمانية سنة 1994 فقد تدرجت بالمشاركة في التنافس السياسي في الانتخابات الرئاسية سنتي 1999 و2004. وتدرج التنافس من ثلاثة مترشحين في الأولى إلى أربعة في الثانية. والمهم هنا ليس الفوز في حد ذاته بالنسبة للحياة السياسية ولكن المهم هو تطور هذه الحياة السياسية نفسها.
وهو في الواقع تطور حقيقي وفعلي، ولكنه لم يسجل بحكم ضغط شعبي أو إرادة خارجية بإسقاط نماذج مستوردة، ولكنه سجل ويسجل بفكر سياسي عام مشترك بين النظام السياسي للرئيس بن علي وبين الرأي العام الشعبي الذي تمكن من استيعاب منظومة متكاملة لهذا التطور ليصبح أيضا دافعا لها. هذا الفكر الذي ارتقى بالممارسة إلى حالة لها خاصيات التفرد تجسم بتطويع الدستور والقانون الانتخابي من أجل تأسيس المشاركة ثم الارتقاء بها في الواقع السياسي. فانتقلت المعارضة السياسية من حالة عدم الوجود الفعلي والقانوني المؤثر في الحياة العامة، إلى حالة المشارك في صنع القرار اليوم. وبعد أن كان من غير المتيسر لها الترشح للانتخابات المحلية أصبحت في أول انتخابات برلمانية عامة بعد التحول قادرة على الترشح، ثم في الثانية سنة 1994 تحظى بتمثيل برلماني، تطور ليصبح بنسبة 20 بالمائة سنة 1999 بمقتضي مبدأ النسبية المعدلة في القانون الانتخابي، وبالتالي أصبح لأحزاب المعارضة في حينه أكثر من 20 نائبا برلمانيا، و37 نائبا في الانتخابات التي جرت عام 2004، مقابل تقلص وجوبي لنواب الحزب الحاكم إلى 80 بالمائة من النواب على أقصى حدّ. وقد كان عدد مرشحي المعارضة والمستقلين في الانتخابات التشريعية التي جرت في أكتوبر 2004 يقارب ستة أضعاف عدد مرشحي الحزب الحاكم، إذ من بين حوالي ألف مترشح ضمت قائمات الحزب الحاكم 152 مترشحا فقط. محمد بوسنينة
كاتب وصحافي تونسي