المتغيرات واستراتيجية حزب الله

بقلم: كاظم محمد

كيف تبدو تطورات الاحداث الاقليمية، خاصة بعد الحرب العدوانية الاخيرة على لبنان، والتي ارادتها واشنطن لتغيير وجه الشرق الاوسط ، وولادةٍ جديدةٍ له،ـ كما جاء في وصف كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية لهذه الحرب؟
نعم لقد ارادت واشنطن بحربها وعبر وكيلها الاسرائيلي، فك حلقات الممانعة والمقاومة وتكسيرها، وتحطيم وتدمير ادواتها وارادتها، لتنفرج الخارطة السياسية عن الوان الطيف الامريكي فوق لبنان، ومن ثم سوريةا بمحاصرتها واسقاطها وكذلك ايران بضرب تحالفاتها. والاهم من ذلك ارادت الادارة الامريكية، من نجاحها في لبنان، رافعة لوضعها في العراق، الذي اصبحت مازوميتها فيه تنذر بفشل استراتيجي، عراقيا واقليميا.
بعد ان نجحت المقاومة اللبنانية في تعطيل التفوق الحربي الاسرائيلي، وايقاع خسائر ضخمة في صفوفه، وخلق حالة من الردع العسكري، وافشال خططه على الارض عسكريا وسياسيا، حاولت الادارة الامريكية ولازالت، احتواء اعباء تداعيات هذا الفشل ونتائج العدوان، عبر الاستمرار في نهجها الهجومي والمرتكز في حقيقة الامر على سياسة الهروب المستمر الى امام، وفي ظل متغيرات ذات افق استراتيجي، ترفض طغمة الغباء السياسي في واشنطن الاقرار بها والتعامل معها، وبذلك فهي لم ترى غير مواصلة تجويع ومحاصرة الشعب الفلسطيني، والضغط على حكومته المنتخبة لاسقاطها، ومحاولة شق الصف الفلسطيني وخلق حالة من الاحتراب الداخلي، وفرض المقاييس الخاصة بها وبالحكومة الاسرائيلية على حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، مع اعطاء الضوء الاخضرلحكومة اولمرت بالاستمرار بعمليات القصف والقتل والتدمير والاجتياح، لضرب وتدمير البنى التحتية الاجتماعية والسياسية.
في ذات الوقت عاودت هذه الادارة، لعبة التدخل في الشأن اللبناني الداخلي ومحاولة التأثير على اصطفافات القوى اللبنانية ودورها وتوجهاتها، حيث تقوم غرفة عملياتها في عوكر وبالتنسيق مع بعض الاطراف، لمحاصرة ومجابهة الحضور والتأييد الشعبي المؤثر والمتزايد لحزب الله والقوى الوطنية الاخرى في الساحة اللبنانية، والذي تعزز وتكرس خلال وبعد الحرب الاخيرة.
ان المحاولات الامريكية وبالتعاون مع بعض الدول الاوربية في تغيير مهام قوات اليونيفيل التابعة للامم المتحدة والتي وصلت لبنان بناء على قرار مجلس الامن 1701، باتجاه جعلها قوة موازنة لصالح بعض الاطراف اللبنانية المتناغمة مع الادارة الامريكية، في مواجهة حزب الله والقوى الوطنية الاخرى، لم يكتب لها النجاح.
يجري هذا كله بالتوازي مع تواصل هذه الادارة بتصعيد ضغوطها السياسية على سوريا، واتهامها مع ايران وبالتنسيق مع حزب الله لاسقاط الحكومة اللبنانية، وبناء على معلومات خاصة كما ذكر المتحدث باسم البيت الابيض!، اضافة الى اتهام سوريا بتهريب السلاح الى حزب الله، والذي ورد على لسان تيري لارسن، وبعض الاقطاب اللبنانية الموالية لامريكا، وكذلك ونتيجة لوضعها المنحدر في العراق، عادت الولايات المتحدة الى نغمة الحدود العراقية السورية ودخول المقاتلين منها الى العراق، وحثها لبعض اعضاء حكومة المنطقة الخضراء لاطلاق التصريحات التي تتهم سورية بعدم ضبط حدودها المصدرة للارهاب الداخل للعراق!، فجاءت تصريحات الطالباني في باريس وبرهم صالح، حول دعوة سوريا لمنع دخول "الارهابيين" الى العراق مستجيبة لهذا السياق الذي تحركه امريكا.
اما في العراق فقد امتدت مأزومية هذه الادارة الى كل البدائل والخيارات التي جربتها:
- فشل امني ذريع وباعتراف القادة العسكريين في بغداد، ازدياد معدلات القتل اليومي وتوسع انشطة مافيات السلب والنهب والاختطاف.
- فشل "خطط الاعمار" بسبب من عمليات السرقة والنهب لاموال الشعب العراقي، وبسبب الوضع الامني المتردي، حيث اضطرت الكثير من الشركات العالمية والصغيرة انهاء انشطتها في العراق، وكان اخرها شركة بكتل الامريكية.

- وضع انساني مزري، مع فقدان شبه تام لابسط الخدمات الانسانية، وازدياد معدلات الهجرة الداخلية والخارجية، حيث يغادر العراق اكثر من 3000 مواطن يوميا.
- فشل عسكري كبير بمواجهة المقاومة المسلحة، التي توسعت وازداد نشاطها لتشمل اغلب مناطق العراق، ولتوقع اكبر قدر من الخسائر الامريكية خلال شهري سبتمبر واكتوبر 2006 وحسب اعتراف البنتاغون.
- فشل سياسي في استقطاب القوى المناهضة للاحتلال الى خيمة عملية المحتل السياسية، والذي حاولت تداركه عبر ارسال وفود من حكومة المنطقة الخضراء الى بعض الدول العربية للقاء هذه القوى، مع طلب المساعدة من الدول المضيفة كالاردن والسعودية ومصر.
لقد ابتلعت هذه الادارة تهديداتها للسودان الرافض لقرار مجلس الامن 1706 والقاضي بارسال قوات دولية الى دارفور، واهملت العديد من دول مجلس الامن، وانتقدت التفسير الامريكي الخاص للقرار، ومن ثم اضطرت هذه الادارة ومندوبها في مجلس الامن الى قبول التفاهم والمفاوضات مع الحكومة السودانية حول هذا القرار.
وفي الوقت نفسه لم تفلح الادارة الامريكية في ثني ايران عن برنامجها النووي، بل العكس، فان ايران امعنت بالتحدي، ولازالت تلعب اوراقها لصالح توجهها كقوة اقليمية لا يستهان بها.
اما على الصعيد الداخلي الامريكي، فقد طغت الاخفاقات السياسية والعسكرية الامريكية على المشهد الامريكي، واصبح تأثيرها كبيرا على المعركة الانتخابية، والتي خسر فيها حزب بوش الصغير واطيح باحد اعمدتها دونالد رامسفلد وزير الدفاع الامريكي، في الوقت الذي امست فيه هذه الادارة محاصرة، اكثر من اي وقت مضى، بجملة من الاسئلة الكبيرة حول حربها وغزوها للعراق.
***
كيف قرأت قيادة حزب الله نتائج الحرب الاخيرة، ومجمل التداعيات التي افرزتها، وكذلك المتغيرات التي طرأت على المناخ السياسي والاقتصادي الدولي خلال السنوات الاخيرة؟
من الواضح ان خلفية هذه القراءة ترتبط اشد الارتباط، بطبيعة هذه الحركة وتركيبتها وبناءها العقائدي والتنظيمي، والنوعية التي تميزت بها قيادتها، والتي ترسخت فيها، وطبع نهجها، العقلانية والهدوء والمثابرة وتجنب الضجيج وكثرة الفعل ووضوح السياسة والهدف ، اضافة الى احترام العقول والشفافية في مخاطبة جماهيرها، وبذلك فهي قدمت نموذجا جديا للتنظيم الشعبي السياسي والمقاوم، وافرزت قيادات تناضل وتقاتل وتدير المعارك السياسية والعسكرية على الجبهات.
لقد اثبتت السنوات المنصرمة قدرة حزب الله على التعامل العسكري المتميز مع اسرائيل، و خوض المعارك السياسية الداخلية بحكمة وهدوء، رافضا استغلال قوته الشعبية والعسكرية في فرض التوجهات الاحادية الداخلية، ومميزا نفسه بدقة في علاقاته مع بعض الاطراف الاقليمية، ومعترفا بها كعلاقات كفاحية وتضامنية لصالح شعبه ووطنه، في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية واهداف سياساتها في لبنان وجواره.
استطاع هذا الحزب ان يقنع فئاتٍ شعبية واسعة، واطرافٍ لبنانية كانت تقف على مسافة منه، بصحة سياساته الوطنية، وان يسخف مفهوم تبعية هذه السياسات لدولٍ بعينها، وبذلك كان من الطبيعي ان يكون احد عناصر البناء الفوقي للسلطة السياسية، وان يمارس دوره المزدوج، كعنصر سياسة وجبهة مقاومة جدية ومخيفة للمحتل الاسرائيلي، وبهذا يكون حزب الله قد هضم فروض العمل الجماهيري واتقن تقنياته وتكتيكه السياسي، ليصبح في دائرة القرار السياسي، ليس تجنبا للقرار الدولي 1559 بنزع سلاحه، بل لتحويل قرار الفصيل الشعبي المقاوم الى قرار الدولة الرسمي.
لقد جاءت الحرب العدوانية الاخيرة لتؤكد وتكرس حنكة الاداء والادارة الرصينة سياسيا وعسكريا ليوميات الحرب، من قبل قيادة حزب الله، ولتؤشر فيما بعد الى الادراك الواعي لطبيعة الفشل الذي اصاب، الادارة الامريكية وحليفتها اسرائيل وما نتج عنه وسينتج عنه من تداعيات، تعزز المتغيرات التي يشهدها المناخ العالمي، اثر السياسات الرعناء التي تنتهجها طغمة الحرب الامريكية، ومن الواضح ان حزب الله وقيادته، يرصدُ وبعين السياسي والمقاتل، تعطل ديناميكية الهجوم الاستراتيجي الامريكي في مفاصله المتعثرة والمتأزمة، ويعي تداعيات ذلك على كامل المشروع الامريكي، وتأثيراته المستقبلية بإنهاك هذا الوحش وانحسار قطبيتهُ المهيمنة، وانسحاب ذلك على التابعين والمتعاونين و(المعتدلين) اقليميا وعربيا، بالرغم من محاولات التغيير السطحي لتكتيك هذه السياسة الامريكية مؤخرا والتي شهدت تناقضا وتخبطا، نابعا من مأزق السياسة العام لمراكز صنع القرار، والذي يؤشر الى ان حظوظ نجاح فعلها اضعف مما تحلم به رموز هذه الادارة.
ففي الوقت الذي خرج حزب الله من معارك الحرب الاخيرة منتصرا ومتماسكا، سعى للملمة الاثار الاجتماعية لالاف المتضررين والمنكوبين، مستوعبا بنفس الوقت المتغيرات الميدانية سياسيا وعسكريا، والمرتبطة بتطبيق القرار 1701 داعما ومعضدا انتشار الجيش اللبناني في مناطق الجنوب، ومحفزا وضاغطا على الحكومة اللبنانية لتحمل مسؤولياتها الوطنية، وكابحا وصادا لبعض مكوناتها، ولبعض اطراف مكونات البرلمان، الموالية والمتناغمة مع المشروع الامريكي والتي حاولت وتحاول تجيير بعض نتائج الحرب، وخاصة الاجتماعية، لصالح توجهاتها، والاعتقاد بإمكانية التأويل والتفسير و"التطوير" لطبيعة القرار 1701 ليشكل منفذا لخلق حالة من الضغط والكبح لحزب الله والقوى المقاومة، اضافة لمحاولات الدفع الامريكي لدخول "قوى الاعتدال العربي" لدعم "الاعمار السياسي المطلوب" امريكيا.
لذلك جاءت مواقف حزب الله وخطابه السياسي لما بعد الحرب منسجمة مع سعيه لتصحيح توازن المعادلة السياسية القائمة على صعيد الحكم، والتي لم تعكس حقيقة التمثيل الوطني للمكونات السياسية، فكانت الدعوة الواضحة والصريحة بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، حيث هي وحدها القادرة على مواجهة مرحلة مهام ما بعد الحرب، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا.
ورغم رفض الاكثرية الحاكمة والاطراف المؤيدة لها بدايةً، لهذه الدعوة، فانها ادركت ان رياح التغيير التي فرضتها متغيرات المناخ الدولي والاقليمي والداخلي، لابد ان تجد طريقها الى حجم التمثيل في قمة الهرم الحكومي، ولذلك فانها حاولت استباق الهجوم السلمي لحزب الله، بمحاولة نبش القرار الدولي بنزع سلاح حزب الله، وقضية المحكمة الدولية بشان اغتيال رفيق الحريري، كورقة ضغط على سورية، والتناغم والتطبيل مع "المعلومات الامريكية" حول وجود مؤامرة لقلب الحكم في لبنان، وتحرك بعض اقطاب هذه "الاكثرية" دوليا وعربيا للمساعدة في منع هذا التغيير، او تحجيمه على الاقل، رغم القراءة المختلفة لبعض هذه الدول حول الوضع الاقليمي وعلاقته بالعامل اللبناني.
كانت كلمة السيد حسن نصرالله الاخيرة عبر تلفزيون المنار، قد حددت مطالب الحزب والقوى الوطنية الاخرى، ومعبرةً عن استراتيجية الحزب السياسية، في ان يكون والقوى المتحالفة معه، احد طرفي التوازن الحكومي، الفاعل والضامن لمسيرة وطنية لا تتظلل بمظلة المشروع الصهيو امريكي، والممهدة لبناء دولة قوية بمؤسساتها وسلطاتها وخاصة الدفاعية والامنية، في مواجهة العدوان المستمر من قبل اسرائيل.
ان الموافقة المبدئية من قبل الاكثرية الحاكمة، فيما بعد على مبدأ التوسيع الحكومي وعقد جلسات التشاور التي بدات الاثنين الماضي، تعني امتثالا لواقع موضوعي، ربما يؤدي بها الى خسارة غير محسوبة، اذا رفضت مبدا التوسيع والتشاور، حول القضايا الاخرى، رغم انها بالتأكيد ستحاول المناورة بقضية رئاسة الجمهورية وسلاح حزب الله وقضية المحكمة الدولية، والتي قزمت الاحداث والتطورات سعة المناورة حولها، لاسيما ان حزب الله ليس ضد المحكمة الدولية، بل ضد بعض صيغها، اما سلاح الحزب، فقد كان الاتفاق سابقا، بان سلاح المقاومة يناقش ضمن صيغة الدفاع الوطني الاستراتيجي ، بوجود الدولة القوية، وحرب تموز الاخيرة قد اثبتت صحة ما ذهب اليه حزب الله.
ان قول حزب الله بالنزول للشارع ، لفرض المطالبة بانتخاباتٍ مبكرة، هو تجسيد لمتغير سياسي وشعبي يحكم المعادلة اللبنانية القائمة، اذا ما فشلت دورة التشاور الجارية بين الاطراف اللبنانية، والتي لا تخلو من بعض المخاطر.
لذلك سعت بعض اطراف "الاعتدال" العربي الى تحركٍ، ربما يغنيها بالمدى المنظور عن تداعيات اعمق مما خلفته حرب تموز الاخيرة.
لقد كانت الحركة الالتفافية التي اقدمت عليها قوى الاكثرية "المزعومة" خلال جلسة المشاورات الاخيرة، تأكيد على محاولات المناورة الفاشلة، والمقرونة بمحاولة تظليل اعلامي وسياسي، حول رفض حزب الله لمبدأ المحكة الدولية، والتي حُشرت حشرا في نقاشات الجلسة الاخيرة.
ان تقديم اعضاء الحكومة من حزب الله وحركة امل لاستقالاتهم يوم السبت 11-11-2006، يؤشر لقفزة سياسية في مسار الممارسة الدستورية الجديد لحزب الله والقوى المتعاونة معه، تكشف الحكومة وترفع عنها الغطاء، وتمهد الطريق للخطوة القادمة في التحشيد الشعبي والتظاهر لاجراء انتخابات مبكرة تكرس توازن قوى التمثيل الحقيقي في المؤسسات الدستورية اللبنانية.
ربما ادخلت قوى 14 اذار نفسها بمأزق، لم تكن تتوقع فيه سرعة الرد من حزب الله والقوى الاخرى، ولكنها بالتأكيد تعلم تبعات ذلك، سياسيا ودستوريا، فجاء رفض السنيورة لهذه الاستقالات ودعوته لمواصلة الحوارات، في الوقت الذي دعا برلمانيون واقطاب من قوى الاكثرية الى استمرار التشاور، كما دعت المنظمات النقابية والمهنية الى ذلك، والذي لا يخلو هامش التكتيك السياسي لحزب الله منه للايام القريبة القادمة. كاظم محمد