القصة القصيرة تنتخب المقالة شكلا نقديا لها

تزاوج أدبي

عمّان - تسعى الكاتبة الأردنية هيا صالح في كتابها "الخروج إلى الذات: مقالات في القصة الأردنية المعاصرة" إلى تكريس المقالة الصحفية بوصفها الشكل الأكثر مناسبةً وتعبيراً لتناول القصة القصيرة نقدياً.
وتلفت صالح في مقدمة كتابها الصادر حديثاً عن دار نارة للنشر والتوزيع، إلى أن المشهد الثقافي اعتاد على جملةٍ من الاعتراضات البديهية حول النصّ النقدي، تتمحور في ثلاثة اتجاهات: الاعتماد على المقالة الصحفية، والميل إلى التطبيقي مع الإغراق بالانطباعية، وغياب التناول النظري الشامل للأدب بوصفه ظاهرة أو مجموعة من الظواهر المترابطة.
وتضيف أنه من هذه وتلك، جرى التأكيد على اعتراضٍ رابع يسوق حججاً وجيهة تتوقف عند بنية الكتاب النقدي العربي، الذي يأتي في غالب الأحيان تجميعاً لمقالات متفرقة، أو "تلفيقاً" من خلال تحرير هذه المقالات ومحاولة إعادة توضيبها في هيئة نصّ واحد، ربما يغيب عنه التماسك، ويفتقر اجتماعُ موضوعاته إلى المبررات والمسوغات الكافية، ويعوزها الانسجامُ والترابط.
وتشير صالح، بعد الإقرار بوجاهة هذه الاعتراضات، إلى جملةٍ من الحقائق الموضوعية، التي من شأنها أن تنْزَع عن هذه الاعتراضات صفةَ التعسّف والإطلاقية التعميمية، التي قد تُفقدها الدقةَ والحصافة.
وفي مقدمة هذه الحقائق، ثمة الموقع المتميز الذي تحتلّه القصة القصيرة في المشهد الأدبي العربي، فهي قد تمثل المنجزَ الأهمّ في هذا المشهد، وعليه، فقد تكون النوعَ السردي الأكثر تعبيراً وملاءمةً للواقع الاجتماعي والثقافي من جهة، والأكثر استجابةً لشروط الإنتاج الثقافي العربي وآلياته من جهة أخرى.
والقصة القصيرة بذلك، وبهذين العاملَين اللذَين يفسّران رواجَها كما ترى صالح، قد تبرر -بدورها- رواجَ المقالة وضرورتها كنَص نقدي، إذ من حيث يقترح النوعُ الأدبي ودورُه الاجتماعي الثقافي، الشكلَ النقدي الذي يستجيب له، فإن المقالة تبدو بذلك النصَّ الموازي والمناسب للقصة القصيرة نقدياً.
وانطلاقاً من أن الصحافة ما تزال البيتَ الأول والأساسَ للمنجز الأدبي والنقدي، على حدٍّ سواء، فإن المقالة تبرز في هذا المقام بوصفها النصَّ النقدي الأكثر فعالية في استجابته لهذا الواقع.
ولا يجدي بحسب هيا صالح، عدم الاعتراف بها أو التقليل من شأنها بنعتها بـ"المقالة الصحفية" ولكن هذا يوضح بدوره ويبرر إلى حد ما، ميلَ هذا النصّ إلى التطبيق، أكثر من ميله للجانب النظري.
وتضيف صالح "إذا كان من الصعب الدفاع عن الإغراق بالانطباعية، فإن الميل إلى 'التطبيقي' لا يبدو بعيداً عن المسوّغات الموضوعية، أو مفتقراً للضرورات والمبررات الثقافية المتعلّقة بالمشهد الثقافي نفسه، فيما يبدو غيابُ التناول النظري الشامل للأدب هو الآخر، سمةً طبيعية من سمات هذا المشهد، تنسجم مع عمر الأدب العربي الحديث ومع الحراك النقدي الذي يسير بالتوازي مع مشهد أدبي ما يزال قيد التشكّل في العديد من البلدان العربية ناهيك عن أن أسئلة ثقافية رئيسية حاسمة في هذا المجال، ما تزال خارج نطاق التبلور النهائي".
لهذا السبب، تم الحفاظ على الشكل الأصلي الذي كُتبت به المقالات التي يتضمّنها هذا الكتاب خصوصاً وأنها كُتبت أصلاً في أوقات مختلفة ومن زوايا نظر متباينة، ونُشرت في الصحافة الثقافية متفرقةً وهي تُخْلص للمقالة وتحمل سماتها شكلاً ومضموناً.
فكما ترى صالح، كان من شأن العمل على إعادة إنتاج هذه المقالات في بنية موحَّدة أن تكون محاولة متعسّفة، فضلاً عن أن المقالة تبقى الوسيلة الأكثر شيوعاً ونجاعةً في متابعة المنجز الأدبي ورصده، وهي "شكلٌ مشروع وفاعل ولا يجدر التنصّل منه في كل الأحوال سواء أكان لغايات النشر في وسائل الإعلام الثقافي أم في بطون الكتب".
وتبين صالح أن كتابها يجيء وفق هذه الصيغة ليواصل تقاليد الكتابة النقدية العربية باعتماد المقالة، وليحتكم إلى شروط الإنتاج الثقافي العربي وآلياته، مضيفةً في مقدمتها للكتاب، أنه رغم ما يبدو من استقلالية العروض التي يقدمها الكتاب لعدد من التجارب القصصية في الأردن بعضها عن بعض، فإن القارئ لن يعجز عن إدراك الظواهر المشتركة في التجارب المتناوَلة والتي تؤشر بدورها على التقاسيم الرئيسة في وجه اللحظة المعاصرة من القَصّ الأردني الحديث في السنوات الأخيرة.
وتلفت إلى أن أبرز ما يكشفه الكتاب هو أن تلك الدائرة من الأحكام النقدية التي اقتصر إطلاقُها على المنجَز التسعيني، تتسع لتشملَ -إلى حدّ كبير- المشهدَ القصصي الأردني المعاصر عموماً، الذي يشترك بكون "العودة إلى الذات" ملمحُه العام، حيث أخذت التجارب الأخيرة لكتّاب أردنيين من أجيال سابقة هذا المنحى.
وتوضح صالح في هذا السياق، أن هذه "العودة إلى الذات" وجدت تجسيدَها بـ"الخروج إلى الذات" -عنوان الكتاب- لبضعة اعتبارات، فعدا التقابل في المعنى الذي تنطوي عليه المفردتان (حيث "العودة" نكوصٌ يقود إلى التقوقع والانغلاق على الذات.. بينما "الخروجُ" انفتاحٌ وتفاعل)، فإن اعتماد مفردة "الخروج" يؤشر على أن هذه العودة لا تتوقف عند الذات ولا تتقوقع عليها، ولكن تعتمدها، وتغلب حساسيتها لدى النظر إلى الخارج، وهو ما يتطلّب تقنياتٍ سرديةً خاصة، ملمحُها الأساس هو الاسترجاعات الذهنية.
وبدل العودة إلى الماضي، فإننا نواجه استحضارَ هذا الماضي بانتقائية الذات وحساسيتها إضافة إلى الخلخلة في التتابع الزمني الطبيعي والعناية الأقلّ بالمكان، كما يحضر، في سياق ذلك، "الراوي كليّ العلم".
يُذكر أن الكتّاب الذين تناولت صالح تجاربهم القصصية هم عدي مدانات وخليل السواحري ويوسف ضمرة وهند أبو الشعر وسليمان الأزرعي ومحمود الريماوي وجمال أبو حمدان وعزمي خميس ونايف النوايسة وبسمة النسور وياسر قبيلات وجميلة عمايرة وأحمد النعيمي وحزامة حبايب ومفلح العدوان وجواهر الرفايعة وخليل قنديل وسامية عطعوط ومحمد طحيمر وأميمة الناصر ويحيى القيسي وحنان شرايخة ومحمد جميل خضر وسميرة ديوان.