فندق في حلب يشهد على تاريخ الشرق المعاصر

حلب (سوريا) - من خالد يعقوب عويس
هل دفعَ الفاتورة حقا؟

تعرض فاتورة تحمل اسم السيد لورنس في خزانة عرض بفندق البارون في مدينة حلب السورية حيث تزخر قائمة سجل الضيوف بزوار مشاهير من القرن العشرين.

ويؤكد ارمين مظلوميان مالك الفندق ان الفاتورة التي يرجع تاريخها الى عام 1914 تخص لورنس العرب وانه على الرغم من الشائعات قام ضابط المخابرات البريطاني الذي احاط به الغموض بدفعها.

ويقول المدير الارمني وهو يحتسي الجعة في حانة الفندق ذات الجدران المكسوة بخشب البلوط "لا أدري من أين جاءت قصة عدم قيامه بالدفع، لابد أن أحد الصحفيين كتب ذلك ونقل عنه اخرون دون تكبد عناء التحقق من الامر".

ورغم مرور قرابة قرن على افتتاح فندق البارون لكنه لايزال يجتذب الزائرين الذين يتوقون الى ماض كانت فيه مدينة حلب السورية العتيقة بقلعتها الشامخة تجتذب الجواسيس والمستكشفين والاستعماريين.

وشهد فندق البارون العديد من تقلبات الاحداث السياسية والمالية في اقليم لا يتسم بالاستقرار لكنه لا يزال يحتل مكانة في قلوب بعض الزوار.

ويعرض مظلوميان على الزبون الذي يؤثره الغرفة التي نزلت فيها كاتبة الروايات البوليسية البريطانية الشهيرة أجاثا كريستي، وبجوار الغرفة ملصق اعلاني يروج لرحلة تستغرق سبعة أيام من العاصمة البريطانية لندن الى بغداد عاصمة العراق على متن قطار الشرق السريع في رحلة "امنة وسريعة واقتصادية" وهي نفس الرحلة التي كانت مصدرا لالهام كريسيتي في روايتها البوليسية الشهيرة "جريمة في قطار الشرق السريع".

لكن ان كانت تلك الغرفة مشغولة قد يجد زائر الفندق نفسه في الغرفة التي شغلها ذات يوم تي.اي. لورنس الشهير بـ"لورنس العرب" أو الطيار الشهير تشارلز ليندبرج او الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك أو عاهل العراق الراحل الملك فيصل.

وقال مظلوميان "نتوخى الحرص الشديد لدى استخدام الغرف التاريخية".

ووجهت الحرب بين اسرائيل وحزب الله في لبنان أحدث لطمة لنشاط فندق البارون حيث تضررت السياحة بشدة من جراء تلك الاحداث.

وقال مظلوميان "الموقف لايزال متقلبا، العام الماضي غطينا نفقاتنا، العام الحالي الامر لا يبدو جيدا".

ويوجد في سوريا آثار رومانية وقلاع صليبية ومواقع دينية أثرية لكن دمشق واجهت عزلة سياسية ترجع في جانب منها الى دورها في لبنان.

وعلى الرغم من ذلك فقد ارتفع عدد السياح الوافدين الى سوريا عام 2005 بنسبة 12 بالمائة.

ولايزال يوجد في حانة البارون مقاعد "تونيت" من طراز يرجع تاريخه الى الثلاثينيات من القرن الماضي ومقاعد جلدية وثيرة على الطراز البريطاني يلزمها التجديد بشدة.

وتوضح خريطة معلقة على الحائط المواقع الاثرية في المنطقة وبينها انطاكية في الاسكندرونة في الشمال الغربي التي اعطاها الفرنسيون للاتراك في عام 1938.

واستطرد مظلوميان "خلال الحرب العالمية الثانية كان الضباط البريطانيون الذين ينزلون في الفندق يصيدون الثعالب وهو ما جعل النادل يزيجيل يعرف باسم بيتر الثعلب".

واحتلت فرنسا سوريا منذ عام 1920 حتى 1946، وازدهر فندق البارون خلال تلك الفترة وخلال السنوات الاولى لقيام الجمهورية وحتى بدأت الاشتراكية تزحف على المنطقة في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي وبلغت ذروتها عام 1963 بالانقلاب الذي قاده حزب البعث وتأميم الاقتصاد على نطاق واسع.

وقال مظلوميان "عائلتي حظها سيء".

فوالده كان من عملاء مصرف بيروت انترا بنك الذي كان مملوكا للفلسطيني يوسف بيداس وفقد جانبا كبيرا من ثروته خلال هروب رأس المال في الستينيات من القرن الماضي.

وبينما اصبح الفندق في حاجة ماسة الى الترميم تغير العالم خارجه ايضا، فقد اقتطعت أجزاء من حلب، المقصد المفضل لدى السياح في شمال غرب سوريا ذات الاسواق المزدهرة، لبناء طرق وشوارع عريضة اغلبها في فترة السبعينيات من القرن الماضي.

لكن بالنسبة للبعض لا يزال فندق البارون هو المكان المفضل الذي يقصدونه.

وقال الالماني كاي كولماير الذي يعمل في موقع حفر قرب الفندق "اذا اردت ان تعرف من وفد الى المدينة اذهب لشرب الجعة في شرفة البارون، لقد أصبح فندقا للاثريين".

وهذا النوع من العمل ليس غريبا على فندق البارون، فلورانس عمل كمستكشف أثري في شمال سوريا حيث التقى مع جيرترود بيل وهي خبيرة بريطانية في اللغة ورحالة لعبت دورا كبيرا في تشكيل الدولة الحديثة في العراق.

وبيل التي تعرف ايضا باسم "ملكة العراق" نزلت هي الاخرى في فندق البارون.