فيرغوسون ومانشستر.. انطلاقة متواصلة نحو المجد

بيروت
نَفَس طويل

السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 1986 يوم تاريخي في مسيرة نادي مانشستر يونايتد الانكليزي يفوق بأهميته تلك الامسيات التي رفع في نهايتها لاعبوه الكؤوس المختلفة المعادن ليضعوا ناديهم في مقام اعظم النوادي العالمية في كرة القدم.
انه اليوم الذي قطع فيه الاسكتلندي اليكس فيرغوسون الحدود الجغرافية بين مسقطه وانكلترا ليكتب قصته الخاصة والتي لم يضاهيها مدرب اخر، بعد تحوله اكثر المدربين احرازا للالقاب في تاريخ الكرة الانكليزية والبريطانية على حد سواء.
يحتفل "السير" اليكس فيرغوسون بمرور 20 عاما على توليه الاشراف على "الشياطين الحمر"، وهو ما يزال يعيش الحماسة المفرطة للارتقاء الى مستوى التحدي واحراز الالقاب المحلية والخارجية التي جمع منها مع مانشستر 19 لقبا حتى الان، ويقف مرة اخرى متفرجا على زملائه في المهنة يحزمون حقائبهم للخروج من ميادين المنافسة والبحث عن مغامرة جديدة مع ناد اخر، بينما يبدو "فيرغي" مرتاحا الى وضعه وداعيا النوادي لاعطاء الفرصة لمدربيها بعدما خبر هو بنفسه في البداية معنى الخيبة والنهوض من الكبوات للسير على طريق المجد.
لقد مر فيرغوسون (64 عاما) في السنوات الاولى لخلافته رون اتكينسون بما يعيشه الكثير من المدربين في اوروبا حاليا حيث تتعالى اصوات مالكي النوادي وجماهيرها والصحافة مطالبة باقالتهم من مناصبهم، فبعد يومين على وصوله لقي فريقه خسارة امام اوكسفورد يونايتد (صفر-2) وضعته في المركز الـ20 بين 22 فريقا على لائحة الترتيب.
واستمر عجز مانشستر طوال اربعة مواسم حيث ضاق ذرع جمهوره به في بداية عام 1990 لينادوا بخروج فيرغوسون عندما وجدوا فريقهم يتذيل ترتيب البطولة الانكليزية بعد سلسلة من الخسائر المتتالية كان اقساها (1-5) امام الجار مانشستر سيتي.
وفي الوقت الذي بدأ البعض يتوقع فيه ان خسارة محتملة لمانشستر في الدور الثالث لكأس انكلترا امام نوتنغهام فوريست القوي ستؤدي الى طرد فيرغوسون، كانت المفاجئة فوز يونايتد بهدف سجله مارك روبن الذي ذكره فيرغوسون في سيرته الذاتية كالمنقذ الحقيقي لمسيرته بعدما احرز فريقه اللقب عامذاك على حساب كريستال بالاس بهدف للمدافع لي مارتن.
لقد كان رهان القيمين في مكانه لأن الاعوام اللاحقة حملت معها النجاحات ولا شيء سواها الى "مسرح الاحلام" اي ملعب "اولد ترافورد".
من الفوز بكأس الكؤوس الاوروبية في 1991 الى الظفر بلقب الدوري للمرة الاولى بعد 26 عاما عجاف لتنطلق رحلة السيطرة شبه المطلقة على الصعيد المحلي حيث فاز مانشستر في 8 القاب في الدوري خلال 11 عاما.
من هنا، بدا واضحا ان فيرغوسون سائر على نفس الخطى التي جعلته يكسر احتكار قطبي غلاسغو سلتيك ورينجرز في ثمانينيات القرن الماضي حيث قاد فريقه السابق ابردين الى الفوز بثمانية القاب مختلفة على الصعيد المحلي اضافة الى كأس الكؤوس وكأس السوبر الاوروبية.
كما ظهر الرجل على انه صاحب مشروع طويل الامد عبر اهتمامه بقطاع الناشئين حتى قطف ثمار عمله المجتهد باحرازه ثلاثية تاريخية (الدوري والكأس ودوري الابطال) في 1999 بأقدام نجوم اشرف على تنشئتهم الكروية بنفسه وعلى رأسهم الويلزي راين غيغز وديفيد بيكهام وبول سكولز ونيكي بات والاخوين غاري وفيل نيفيل.
كان ثبات فيرغوسون في منصبه سر النجاح الدائم لمانشستر يونايتد قياسا بالنجاحات المتفاوتة للنوادي الكبرى الاخرى التي دأبت على تغيير مدربيها في شكل متواصل طوال العشرين عاما الماضية، امثال ريال مدريد الاسباني الذي استعان بـ21 مدربا وانتر ميلان الايطالي (18) وبرشلونة الاسباني (13) وبايرن ميونيخ الالماني (11) وميلان (11) ويوفنتوس (10) الايطاليين في السنوات العشرين الاخيرة.
ويقول الاسكوتلندي في هذا الصدد: "خسر الكثير من المدربين مناصبهم قبل ان تتاح لهم الفرصة لقلب الامور رأسا على عقب، هناك دليل صريح على ان تمديد الثقة بالمدرب يعطي مردودا ايجابيا، والمثال على ذلك نجاحات براين كلاف خلال 18 عاما مع نوتنغهام فوريست والفرنسي ارسين فينغر في 10 اعوام قضاها مع ارسنال".
صحيح ان فيرغوسون لم يكن يوما ذلك المدرب الذي يتمتع بفلسفة تكتيكية هائلة على غرار مواطنه مات باسبي الذي كان الاعظم وصاحب الارقام القياسية في مانشستر قبل وصول "فيرغي"، الا ان حسن ادارته لمشروعه الهادف الى تغيير وجه النادي وطريقة تخطيطه كان له الاثر البارز في تحقيق ما يصبو اليه.
واعتمد "المايسترو" على الرؤية التي اتبعها منذ دخوله عالم التدريب في الـ32 من عمره، مركزا على توفير كافة الامكانات لقطاع الناشئين في موازاة ايجاد شبكة واسعة من الكشافين لاقتناص افضل المواهب الواعدة، حتى انه لم يتردد في زيارة اولياء هؤلاء اللاعبين لاقناعهم بجدوى انضمام ابنائهم الى مانشستر، وقد اعيد مرارا نشر صورته برفقة بيكهام عند توقيع الاخير على عقد انضمامه الى يونايتد في الثانية عشرة من عمره، وذلك في كل مرة دار فيها الحديث عن اهمية جذب الصغار الموهوبين للحفاظ على الاستمرارية.
وسار فيرغوسون قدما بمشروعه من دون ان يعير اي اهتمام للتغييرات الادارية التي قيل انها هددت مسيرة النادي مرات عدة، وبقي متابعا لنشاطات الناشئين حتى في ايام مباريات الفريق الاول، وهو لم يتردد اطلاقا في منح الفرصة لأي منهم في حال وجد فيه القدرة على بلوغ مصاف الكبار.
وبالعودة الى الذاكرة، اثار "السير" زوبعة من الانتقادات ضده في بداية موسم 1995-1996 عندما استغنى عن ثلاثة من النجوم الاكثر شعبية في الفريق وهم بول اينس والويلزي مارك هيوز والروسي اندريه كانشلسكيس من دون ان يستقدم البدلاء لهم، مما جعل الجميع يستبعدون مانشستر من دائرة المنافسة حتى دفع فيرغوسون بشجاعة ببيكهام ورفاقه اليافعين الذين استطاعوا اللحاق بنيوكاسل يونايتد المتصدر بفارق 14 نقطة عنهم ليخطفوا اللقب مضيفين اليه الكأس على حساب الغريم التقليدي ليفربول بفضل هدف وحيد للنجم الفرنسي اريك كانتونا.
اذا كان نجاح فيرغوسون منوطا بحسن ادارته واعتبار نفسه القائد الاعلى لمجموعته التي ارسى فيها الانضباط للتخفيف من وهج نجومية لاعبيه، مضطلعا بدور المفاوض الاول عند اتمام العقود او تمديدها، وهي الامور التي لم يستطع البعض تحمل ضغطها المتواصل مما جعلهم ينتقدون مدربهم السابق متخلين عن القميص الاحمر الشهير، ومنهم اينس وبيكهام ولي شارب وبول ماكغراث والاسكوتلندي غوردون ستراكان والترينيدادي دوايت يورك والهولنديان ياب ستام ورود فان نيستلروي.
لكن رغم افتقاد الرجل الذي تراجع عن قرار اعتزاله التدريب عام 2002 لملامح الشباب، فإن روح التحدي تسكنه وهو محاط بكوكبة جديدة من النجوم الذين استطاع واياهم العودة للتربع على قمة الدوري الانكليزي الممتاز مؤكدا ان لقصته مع المجد تكملة لم يسردها بعد.