في لا جدوى تغيير الحكام العرب!

بقلم: فيصل جلول

تسود العالم العربي مطالب محمومة بتغيير الأنظمة أو الحكام إذ لا يكاد يمر برنامج نقاشي في وسائل الإعلام دون الإشارة إلى هذا الموضوع. ويبني المطالبون بالتغيير دعاويهم على تقدير مفاده أن الحكام العرب أخفقوا على كل صعيد. في الاقتصاد عموما وبخاصة في التنمية. في الثقافة. في التربية. في توحيد العالم العربي.في انتهاج سياسة خارجية محترمة. في اتخاذ موقف مشرف من الصراع العربي الإسرائيلي ناهيك عن قهر الدولة العبرية. في التصدي للقوى العظمى الطامعة بثروات العرب ومواقعهم الاستراتيجية. في حفظ حقوق الإنسان واحترامها. في نشر الحريات والقول الحر على رأسها. لا يسعون لمستقبل ديموقراطي لبلدانهم. بالمقابل يتناكفون ويتباغضون بين بعضهم البعض. انتشار ظواهر الفساد والمحسوبية والتوريث في أروقتهم السلطوية... الخ.
الملاحظ أن الولايات المتحدة ومعها حلفاءها الغربيين تتسلل إلى المطالب المذكورة بل أصبحت تتبناها إلى حد أن السيد فرنانديس أحد الناطقين باسم الخارجية الأمريكية يردد حرفيا من خلال الشاشات الفضائية العربية مطالب المعارضين للأنظمة والحكام العرب ويستخدم لغتهم وحججهم ومثله يفعل أحيانا الرئيس بوش أو وزيرة خارجيته كونداليسا رايس وصولا إلى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد مع فارق وحيد هو أن الأمريكيين يمتنعون عن الإشارة إلى إخفاق الحكام في الصراع العربي الإسرائيلي بل يباركونه.
ما من شك أن التبني الغربي للمطالب المذكورة ينطوي على دوافع مختلفة عن تلك التي يحتفظ بها المعارضون العرب.فالغرب يرغب في تدعيم ثقافة رفض الانظمة واستخدامها لأغراض تكتيكية من بين بعض وجوهها مساومة الحكام وانتزاع تنازلات منهم في قضايا تهم الغربيين شأن الحرب على الإرهاب وتشديد الإجراءات الأمنية ضد الأصوليين و انتهاج سياسات ملائمة لإسرائيل وفتح الأسواق العربية الداخلية وبيع ممتلكات القطاع العام وإلغاء القيود أمام تدفق السلع والأفكار والخضوع لشروط نهب المواد الاولية وبلورة كتل سياسية إتنية تضعف النسيج الوطني في الدول موضع الشكوى وحشد عدد من الحكام ضد الدول الممانعة. بكلام آخر يرمي التبني الغربي لمطالب الشارع العربي إلى وضع اليد مباشرة على الحكام وثروات بلادهم والاضطلاع بدور الحكم بينهم وبين شعوبهم. ما يعني أن معركة الغرب والشارع العربي مع الأنظمة والحكام تبدو في الظاهر واحدة لكنها في العمق متناقضة الدوافع والأهداف.
إن اندفاع الشارع العربي وحماسه ضد الحكام والأنظمة دون تمييز بين من يستحق منهم ومن لا يستحق أن ترفع بوجهه قفازات الغضب هذا الاندفاع كان مفيدا للولايات المتحدة في احتلالها السهل للعراق وفي فدرلته وتدمير كيانه دون حراك يذكر في الشارع العربي الذي كان مناهضا للنظام العراقي السابق أقله عشية الاحتلال و في سنتيه الأولى والثانية ولعل سقوط الحكم بسهولة قد أغرى في العام 2003 الإدارة الأمريكية بتكرار السيناريو نفسه في سوريا وإيران وتوجيه تهديدات جدية لمصر والسعودية ووضع خطط لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على أسس ملائمة للمحتل ولإسرائيل في الآن معا فكان أن قطعت المقاومة العراقية هذه السيرورة وحملت المحتل على النظر بعين مختلفة في خططه ومشاريعه.
الواضح أن تدفق العداء "الأعمى" للأنظمة والحكام في الشارع العربي يسيء ليس فقط إلى مطالب التغيير ويحيلها إلى سراب كما اتضح من التجربة العراقية وإنما يعين أعداء العرب على النيل منهم كما نلاحظ بأم العين في قضية دارفور وقبلها في جنوب السودان واليوم في شرقه ذلك أن النظام السوداني المجرد من الحماية في الشارع كغيره من الأنظمة العربية يواجه منفردا ودون اكتراث عربي يذكر قوى دولية عاتية تطمع في ثروات السودان الكامنة وتضمر الشر لوحدة أراضيه ومجتمعه وهي قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أغراضها.
من المؤسف الاستنتاج إن ما يغيب عن حركة الشارع العربي المناهضة للأنظمة والحكام هو أن وجود هؤلاء حيث هم ناجم عن محصلة قوى وعلاقات دولية هي الأصل في وجودهم وبقائهم. هذا ما يستخلص من كلام صريح لدونالد رامسفيلد في لحظة سهو غداة احتلال العراق إذ قال: "لو انصاع صدام حسين لمطالبنا منه لما تعرض أحد له وبقي في مكانه".
الحاصل أن الشارع العربي المطالب بالتغيير لن يبلغ مراده لو تغير كل حكام العالم العربي طالما أن شروط التغيير ليست داخلية وإنما خارجية ذلك أن الحكام الجدد سيخضعون للمعادلة الدولية نفسها وسيحكمون بلدانهم في ضوئها. إن أي حاكم عربي جديد لن يتمكن من التحكم بأسعار المواد الأولية التي تصدرها بلاده ولن يتحكم بأسعار البورصات العالمية التي ترسم فيها حركة الرساميل ووجهتها ولن يتمكن من الاحتماء بالقانون الدولي الذي يداس يوميا بأحذية عظماء العالم ولن يتمكن من الحصول على السلاح الذي يريد وعلى النهوض ببلاده كما يريد ولن يقوى على الحكم ضد مصالح الكبار وسيكون عليه أن يعد للألف قبل التفكير بمجابهة إسرائيل بكلام آخر سيكون على الحاكم الجديد أن يحكم وفق شروط سلفه.
لا يشكل هذا الكلام مضبطة دفاع عن حاكم سيء الأداء وآخر حذف من شروط حكمه مصطلح الممانعة. ولا يرمي هذا الكلام إلى مباركة القمع والفساد و الانبطاح وغيرها من الظواهر التي تسود قسما وافرا من المشهد السياسي العربي بل يريد تسليط الضوء على شروط التغيير الحقيقية التي تتمثل بثقافة سياسية نهضوية شاملة تتيح حفظ الأوطان من التفكك والأطماع الخارجية و تجعل الحاكم مدينا بحكمه لامته وليس لسفراء وقناصل الدول الكبرى.
لقد حان الوقت للكف عن رفع مطالب التغيير بوصفها مطالب داخلية عربية بحتة.و لكي نعترف بشجاعة أننا صنعنا بأيدينا شارعا عربيا تائقا إلى التغيير بأي ثمن حتى لو كان غزوا أجنبيا أو حربا أهلية تطيح بأرض الوطن وما عليها. لقد حان الوقت للاعتراف بشجاعة أن الحكام ليسوا مشكلة العالم العربي بل شروط الحكم. فيصل جلول