ربع قرن على رحيله: السادات واغتيال النهضة المصرية الأخيرة

بمرور ربع قرن على اغتيال السادات في "يوم عرسه" في احتفالات النصر العسكري المصري الباهر في حرب العبور، في 6 اكتوبر 1981، تمنحنا هذه المسافة الزمنية قدراً مناسباً من البعد عن الحدث لرؤية السادات رؤية موضوعية لعلها اقرب الى رؤية التاريخ له، باحثين في الوقت نفسه عن الدروس الممكن استخلاصها من حياة هذا الرئيس المصري الذي أحدث تغييرات هائلة في الدولة والمجتمع المصريين وفي المسرح السياسي العربي والعالمي، وهي تغييرات بعضها كان ايجابيا وبعضها جاء سلبيا، وبدرجة كبيرة في الحالتين.. محدثة اثارا مازالت مصر والشعوب العربية تعيش تداعياتها الى اليوم مما سأوضحه في هذا المقال. حياة بين قوسين من الإغتيالات تمتلئ قصة حياة السادات بالكثير مما تعتمل به التراجيديات الاغريقية لأبطالها من انصاف الآلهة من شخصيات قوية وغريبة ومغامرة، وحوادث انسانية مصيرية هائلة عادة ما تتضمن القتل والتآمر، وصدف واقدار غريبة تحدث تحولات مفاجئة في حياة أبطالها، وكل هذا في إطار من الاخراج المسرحي ذي الدرامية العالية المشحونة بالحركة المحتدمة والعاطفة المتأججة، مرتفعة في النهاية الى ذروة المأساة الختامية بمقتل البطل وهو في اعلي قممه او في اسفل سفوحه. متضمنة في اطارها هذا قدرا عظيما من التناقضات المتزامنة في نفس الحدث ونفس الشخصية، وهي كلها ما نراه في قصة السادات بالغة الاثارة والتأثير.
وقد بدأ السادات حياته السياسية بسلسلة من الانشطة التي اودعته السجن لاكثر من مرة بين عامي 1941 و 1943 حيث اتهم بالتآمر والاتصال بدول المحور التي كانت في حرب ضد انجلترا. والملفت ان دهاءه السياسي والانساني ظهر مبكرا اذ استطاع الهرب من سجنه مع صديقه حسن عزت وعمل عتالا على سيارة نقل تحت اسم مستعار هو "الحاج محمد"! وبعد انتهاء الحرب العالمية وسقوط الاحكام العرفية عاد الى بيته بعد ثلاث سنوات من المطاردة والتخفي. وما لبث ان اختلط باعضاء الجمعية السرية التي قررت اغتيال امين عثمان باشا وزير المالية في حكومة الوفد ورئيس جمعية الصداقة المصرية البريطانية المعروف بتعاطفه الشديد مع الانجليز. وقد اتهم السادات في حادثة الاغتيال بأنه كان متورطا بشكل عملي أساسي في هذه العملية. ولكي نفهم العوامل التي أدت بشاب مثل السادات الى التورط في جريمة الاغتيال هذه ولكي نعطيه حقه كاملا ننقل من وثيقة عريضة الاتهام في هذه القضية والتي تزيد عن ثلاثمئة صفحة مكتوبة بخط اليد، ماقدمه الدفاع عن المتهمين من خلفية للوضع السياسي في ذلك الوقت رغبة في تخفيف الحكم.
فقد قدم الدفاع عن المتهمين وعددهم 26 متهما كان السادات هو المتهم السابع بينهم، عددا من الوقائع التي نشرت في ذلك الوقت مصورة أمين عثمان على انه رجل بريطاني في مصر وأحد المسئولين عن حادثة 4 فبراير الشهيرة التي تدخل فيها الانجليز تدخلا سافرا وفرضوا على الملك فاروق تعيين مصطفي النحاس رئيسا للوزراء في صراع بين الانجليز والقصر كانت خلفيته اقتراب جيش رومل الالماني من مدينة الاسكندرية قبل ان يهزم على يد مونتجمري الانجليزي الذي لقب بثعلب الصحراء. وشعر المصريون كلهم باهانة شديدة لتدخل الانجليز بهذا الشكل واعتبروا ان أمين عثمان صديقهم الشهير في مصر مسئولا عن هذا ولذلك كانت الخطة هي اغتياله ثم – في موكب جنازته – اغتيال مصطفي النحاس نفسه. وقد نجحوا في اغتيال امين عثمان ولكن قبض عليهم بعد عملية الاغتيال مباشرة. دور العقاد في الحادثة ومن اللافت هنا النظر الى دور الكاتب المصري المعروف عباس محمود العقاد في تشكيل المناخ الوطني الذي دفع هؤلاء الشباب الى اعتبار ان اغتيال امين عثمان هو واجب وطني. فقد اوردت عريضة الاتهام ضد السادات وشركائه مذكرة الدفاع التي احتوت على اجزاء من مقال العقاد ضد امين عثمان بجريدة الكتلة في 26 نوفمبر 1945 يقول فيه:
"في كل ما كتب عن مأساة فبراير 1942 كانت هنالك حلقة مفقودة يعرفها الناس، لان "الزعيم الجليل" (يقصد النحاس) كان اول من شهر امرها واشاد بفضلها في المحافل العامة والخطب المنشورة وهذه الحلقة المفقودة هي "امين عثمان".... لقد كان امين عثمان حلقة مفقودة بين التقاليد المصرية والتقاليد الانجليزية ومن الخير ان تظل هذه الحلقة مفقودة على الدوام – لان امثال هذه الحلقات تنقطع عندها الوشائج الطيبة دائما ولايرجي بها اتصال يستراح اليه.
.. هزل الزمان الذي يذكر فيه امين عثمان، وطاب الزمان الذي يغمر فيه النسيان أمثال هذا الانسان.").
وكان الدفاع يقول : اذا كان هذا هو موقف مفكر مصري كبير كالأستاذ العقاد فما بالك بالشباب المصري المتحمس، اليس من المنطق ان نجد لهم عذرا اذا ظنوا ان التخلص من أمين عثمان هو واجب وطني؟!
وكان الدفاع قد اورد ايضا كلمة أمين عثمان في حفلة خريجي كلية فيكتوريا قال فيها أنه ينبغي ان يكون عقد زواج بريطانيا البروستانتينية والدولة المصرية المسلمة على طريقة الزواج الكاثوليكي الذي لاطلاق فيه.
وهكذا فهنالك أبعاد سياسية مختلطة بخلفية دينية في عملية اغتيال أمين عثمان التي اشترك فيها السادات في شبابه، تماما كما كانت هنالك أبعاد سياسية ودينية معا لعملية الاغتيال التي قامت بها الجماعة الاسلامية ضده وأنهت بها حياته، وهذه هي واحدة من المفارقات القدرية التراجيدية المدهشة التي تحفل بها حياة الرئيس المصري السادات. إذ جاء الاغتيال في الحالتين على أساس الاتهام بخيانة الوطن والدين في اذهان القائمين بتنفيذه. شخصية فذة لاحظنا كيف استطاع السادات ان يهرب من معتقله الاول وبقي مطاردا لثلاث سنوات دون العثور عليه. وليست هذه هي وحدها علامة على شخصيته الفذة والتي اتضحت في وقت مبكر، فانضمامه الى اكثر من جماعة سرية في مطلع شبابه للتخلص من الانجليز وأعوانهم، ثم انضمامه بعد ذلك الى جماعة الضباط الاحرار بقيادة عبد الناصر تدل كلها على اننا امام شخصية غير عادية. اما اقوي الدلائل على قدراته الشخصية الاستثنائية فنجدها في امر تعرفه بجيهان صفوت رءوف (جيهان السادات) وزواجه منها، والسؤال هو ما الذي يجعل هذه الشابه الجميلة من عائلة محترمة تجري بعروقها دماء انجليزية تجد في رجل "صاحب سوابق" وخريج سجون كان متهما بالاشتراك في عملية اغتيال باشا معروف كان صديقا للانجليز في مصر مايجعلها توافق على ان يكون شريكا لحياتها؟ بل كان السادات فوق ذلك متزوجا من قبل ولديه اولاده بالاضافة انه لم يكن على قدر من الوسامة ولاكان يملك ثروة بل كان يعمل في بعض الاعمال هنا وهناك مع صديق سجنه السابق حسن عزت، ان رجلا بهذه الصفات وعلي هذا الحال ماكانت لتقبل به فتاة فقيرة الحال والمظهر في اية قرية مصرية فكيف قبلت به جيهان الجميلة ذات المستوي الاجتماعي المحترم؟
لاشك انها قد رأت في هذا الرجل شخصية فذة طغت على كل السلبيات الظاهرية في حياته وتاريخه وسوابقه وشكله وفقره، لابد أنها قد رأت فيه قدرات استثنائية جعلتها تؤمن بأن من الممكن أن يكون له مستقبل باهر، وقد أثبتت الايام صدق حدسها.. بطل الحرب من المؤسف حقا ان معظم الذين يختلفون مع السادات سياسيا بسبب معاهدة كامب ديفيد على الاخص يتمادون في خصومتهم معه الى حد ابخاسه حقه في التقدير والاشادة لاتخاذه قرار بدء حرب العبور وادارته العبقرية هو وفريقه العسكري لهذه الحرب منذ سنوات الاعداد لها وحتي اكتمالها في نصر عسكري مذهل اصبحت تدرسه الاكاديميات العسكرية في العالم كله.
لقد ورث السادات تركة بالغة الثقل حين تسلم السلطة بعد رحيل عبد الناصر في سبتمبر 1970 ولم يكن قد مر على اكبر هزيمة مصرية وعربية سوي حوالي ثلاث سنوات. وقد كان يمكن لغيره ان تكون كارثة الهزيمة بأبعادها المروعة قد زعزعت ثقته في نفسه بالكامل و ثقته في جيشه وفي قدرات شعبه. ولكن هذا لم يحدث، واستمر السادات في خطة اعادة تسليح الجيش باحدث الاسلحة مع بناء مقاتل جديد تماما تحت قيادة تعتمد اساليب الحرب الحديثة وليس اسلوب القرية المصرية البسيطة الذي رأيناه في رد عبد الحكيم عامر على سؤال عبد الناصر له عن مدي استعداد الجيش قبل حرب 67 بقوله: "رقبتي ياريس!".
وقد اتخذ السادات قرار الحرب ضد العدو الذي انزل بمصر هزيمة مريرة وليست لديه تأكيدات بان هذه الحرب لن تنتهي كما انتهت سابقتها. كان الامر اذن يتطلب شجاعة تكاد ان تكون فوق قدرة البشر، مع التزام صارم بكافة اركان ادارة الصراع عسكريا وسياسيا ونفسيا، وعدم ترك الامور الى احوالها السابقة البائسة، وكان يفعل هذا وهو يتعرض لضغوط شعبية هائلة من كافة قطاعات الشعب المصري الذي كان قد تعب من سنوات تعذيبه لنفسه وتبكيته لها بل وسخريته الجارحه منها –من نفسه- بسب فداحة هزيمته السابقة، كما كانت هذه القطاعات قد فاض بها الكيل من طول حالة اللاسلم واللاحرب، ومن تكرار وعود السادات بأن كل عام هو "عام الحسم" كما كان يعد في خطبه دون ان يحدث شئ. وكان على السادات وقادة جيش مصر العمل في صمت مؤلم تحت هذه الضغوط النفسية الهائلة، فالطلبة في الشوارع والجامعات يتظاهرون بشكل يكاد الا ينقطع، والكتاب والمثقفون يوقعون على العرائض مطالبين بتحرير ارض مصر. وفي هذا الجو النفسي بالغ القسوة والتوتر استطاع السادات ان يدير حركة الاعداد المحكم لساعة الصفر، مع كل ماتتطلبه من عنصر المفاجأة. وفي النهاية يمنح شارة بدء العمليات فتقوم القوات المصرية المسلحة بأعظم عملية عبور لحاجز مائي وترابي- هو خط برليف – في التاريخ وتحقق نصرا جاء فائقا لجميع التوقعات بل والاحلام.
الذين يكرهون السادات سياسيا لايريدون منحه شرف اتخاذ قرار الحرب ولا إكليل الغار الذي يستحقه بجداره. بل يتهمه بعضهم بأنه اضاع النصر وفرط فيه واهدره، ويلومه البعض لأنه لم يأمر الجيش بأن يستمر في تقدمه فيما بعد الممرات التي تحصن فيها متجاهلين انه لو فعل لحرم الجيش من حماية صواريخ سام 6 و7 التي كانت تصطاد الطائرات الاسرائيلية وتمنعها من الاشتراك في المعركة، ولو استمع السادات اليهم لتحول النصر الباهر الى هزيمة مروعة لو حدثت لما كان للنفسية المصرية ان تقوم بعدها لعدة أجيال قادمة.
لقد استطاع السادات ان يبدأ الحرب في الوقت المناسب بالضبط، وأن يوقفها في الوقت المناسب بالضبط، بعد ان قامت ادارة الرئيس نيكسون باعادة امداد الجيش الاسرائيلي بالدبابات والمدرعات عن طريق جسر جوي مستمر بلا حدود كانت تتدفق عبره المعدات الحربية الى سيناء نفسها – وليس الى اسرائيل – للإشتراك الفوري في المعارك،وهكذا يتضح لكل محلل منصف ان إتهام السادات بالتخاذل لعدم الاستمرار في التوغل في سيناء هو اتهام باطل بل وجاهل. لقد اثبت السادات ان له من مرونة الفكر مامكنه من سرعة التعلم من اخطاء الماضي القريب فقام بتجهيز جيش على احدث الاسس العسكرية وادار حربا يعرف انها ليست هدفا في حد ذاتها وانما هي مجرد وسيلة لتحقيق الهدف الأبعد وهو تحرير سيناء. وكان لانضباطه العقلي وعدم اندفاعه بلاحساب الفضل في التوقف في اللحظة المناسبة للحفاظ على النصر رافعا قامة مصر جيشا وشعبا وقيادة. بطل السلام ما ان صدر قرار وقف اطلاق النار في حرب اكتوبر – والذي خرقته اسرائيل باستمرارها في توسيع الثغرة لمدة يومين بعد ذلك بمؤامرة مع هنري كسنجر – حتى بدأ السادات في مشوار المفاوضات المضنية مع اكثر الشخصيات السياسية دهاء وهو كسنجر. وقد بدا واضحا بمرور الوقت ان اسرائيل لن تنسحب من سيناء الا باتفاقية سلام. وكان من حسن الحظ ان تغيرت الادارة الامريكية بعد خروج نكسون وانتهاء فترة رئاسة نائبه فورد وجاء جيمي كارتر، وهو رئيس امريكي يتحلي بقدر عال من الاخلاق والمصداقية واستطاع بذلك ان يمارس ضغوطا ضخمة على اسرائيل لقبول الانسحاب من سيناء، وفي اعتقادي انه لو كان بالبيت الابيض في ذلك الوقت رئيس آخر خلاف كارتر لما تمت معاهدة السلام ولكانت اسرائيل ما تزال في سيناء كما هي الان في الجولان.
وفد هاجمت معظم الدول العربية الرئيس المصري لقراره زيارة اسرائيل وقاطعوا مصر لتوقيعها معاهدة السلام واتهموا مصر والسادات بتهمة :الخيانة" الجاهزة دائماً. ولكن هذا الاتهام لايصمد امام التحليل الدقيق ولا امام واقع الحال، ورغم ايماني الشديد بعدالة ومشروعية القضية الفلسطينية بما تعبر عنه كل كتاباتي في هذا الصدد فإنني اختلف مع الذين رأوا في موقف السادات تفريطا او خيانة او انانية، فقد اصر السادات على اشراك الفلسطينيين معه في المفاوضات ولكن الفلسطينيين هم الذين رفضوا الحضور. ومازلت اذكر مشهد العلم الفلسطيني مرفوعا الى جوار العلم المصري على فندق مينا هاوس بسفح الهرم والذي كانت ستعقد فيه المفاوضات مع الاسرائيليين ولكن ظل مقعد فلسطين شاغرا لعدم حضورهم. ولو كان الفلسطينيون والسوريون ومعهم بقية الدول العربية قد وقفوا صفا واحدا بجوار مصر بدلا من مقاطعتهم لها لكان لابد للموقف التفاوضي العربي ان يظهر على اعلي مظاهر القوة، خاصة وان سلاح النفط كان فاعلا مايزال في الحسبان ولكان من الممكن للعرب مجتمعين ان يحققوا انجازات بشروط افضل بكثير مما يحاولون تحقيقه اليوم بعد اكثر من ربع قرن. ولكان من الاسهل بكثير عودة الضفة وغزة التي لم يكن قد اقيمت عليهما عشرات المستوطنات كما هو الحال اليوم.
لقد اثبت السادات انه يملك نظرة بالغة البعد، اذ استطاع ان يستشرف المستقبل بحدسه وذكائه الحاد ورأي فيه انهيار الاتحاد السوفيتي قبل وقوع ذلك بربع قرن (وكان قد طرد الخبراء الروس من مصر قبل حرب العبور). كما استطاع ان يري تصاعد قوة الولايات المتحدة الى حد الهيمنة الاحادية على العالم وعرف انه عن طريقها يمكن ان يحصل على افضل مايمكن الحصول عليه فراح يغازلها بدهاء الفلاح المصري الاصيل وهو يطل عليها من شاشات التلفزيون الامريكي بوجهه الاسمر اللامع وحديثه الساحر عن السلام وآخر الحروب، ومعه زوجته في صورة الليدي اللبقة العصرية المستنيرة فكان ان خلب لب رجال وسيدات الاعلام الامريكي مثل بربارة وولتر ووالتر كرولكايت، كما دخل الى قلوب الشعب الامريكي الذي يحترم المنتصر خاصة عندما يبدأ في الحديث عن السلام بعد ان يكون قد أثبت شجاعته في الحرب.
لقد استطاع السادات ان يجمع كل مافي تاريخه الشخصي من تجارب ومهارات من القدرة على المغامرة والشجاعة ومباغتة الاخرين والتمثيل (لعب بعض الادوار التمثيلية في شبابه قبل الثورة) الى قدرته على سحر الاخرين بحديثه والتأثير عليهم واستمالتهم الى جانبه، ووضعها كلها في تركيز شديد في خدمة هدفه الذي لم يحول بصره عنه وهو استعادة سيناء من اكثر المستعمرين التصاقا بالارض ومكرا في المفاوضة والمماطلة وهي اسرائيل، وذلك عن طريق الاستحواذ على قلب امريكا عن طريق التفنن في مغازلتها ومراودتها بسحره الشخصي الخاص ولاشئ غيره وقد كان له ما اراد.
لقد اثبتت بقية الدول العربية التي قاطعت مصر وهاجمت السادات انها هي المتخلفة عن العصر التي لم تفهم لغة الحاضر المختلف ولا استطاعت استشراق المستقبل وتخيل أبعاده ومستجداته والدليل انها بعد السادات بربع قرن راحت تفعل ماسبقها السادات بفعله بتوقيع معاهدات السلام مع اسرائيل (الاردن) او تقديم مشروع للسلام والاعتراف باسرائيل كما فعلت كل الدول العربية بموافقتها على المبادرة السعودية منذ سنوات والتي لاتعيرها اسرائيل الان اي اعتبار فيالها من مأساة حقا!
لم تفهم الدول العربية أنها كانت في اقوي احوالها بعد انتهاء حرب العبور مباشرة وأن ذلك كان الوقت المناسب بالضبط للتفاوض مع اسرائيل من موقع القوة المنتصرة. اهدروا هذه الفرصة التي لاتأتي سوي مرة واحدة في التاريخ بينما قفز عليها السادات واقتنصها بيديه لهذا يستحق ان يوصف بأنه بطل السلام، كما كان هو بطل الحرب. إغتيال النهضة الأخيرة في انتصاره في حرب العبور الباهرة وتحطيمه لخط بارليف ولاسطورة جيش اسرائيل الذي لايقهر – وهو ما يتناساه الكثيرون الآن في لهفه تمجيدهم لحزب الله الذي تصدي بلا شك للجيش الاسرائيلي بأداء خارق ولكنه لم يكن اول من دمر اسطورة الجيش الذي لايقهر فقد فعل المصريون ذلك في حرب العبور – ثم في استعادته لسيناء كامله حتى ولو بشروط تحد من تواجد قوات بها، يستحق السادات بجدارة لقب بطل الحرب والسلام، كما استحق جائزة نوبل التي كان اول مصري – وعربي – يحصل عليها.
له كل هذه الامجاد والاكاليل بالتأكيد.
ولكن له ايضا ان يتحمل المسئولية الكاملة عن اغتيال النهضة المصرية الاخيرة التي تسلمها وهي في اوج ابداعاتها – رغم هزيمة 67 بكل مراراتها – فاذا به يجهز عليها في فعل اغتيال بارد متعمد اعطي هو قرار تنفيذه و اشرف عليه ؛ اغتيال تدريجي ولكن سريع متسارع لكل مظاهر النهضة الثقافية الفكرية الاجتماعية الانسانية الفنية الابداعية ؛ و التي قامت بتنفيذه جماعات التطرف الاسلامي تحت سمعه وبصر و بتشجيعه و مباركته.. حتى ادت في النهاية الى اغتياله هو شخصيا باعتبارهراس الدولة المصرية و اب العائلة المصرية و ممثل الثورة المصرية التي اشعلت هذة النهضة في جميع المجالات.
وقد جاءت النهضة المصرية الاولي في العصر الحديث في مطلع القرن العشرين على جناح الفكر الجديد الذي قدمه محمد عبدهو قاسم امين و مصطفي عبد الرازق ثم طه حسين و سلامه موسي وغيرهم.ولكن هذه النهضة ظلت محصورة في النخب المصرية المثقفة في القاهرة و الاسكندرية ؛ بينما ظلت قري مصر تغط في ظلمات عادات بالية تغذيها الامية من ناحية ونظام الاقطاع من ناحية اخري.
ثم جائت ثورة 52 بقرارات الغاء الملكية و الاقطاع والالقاب الباشوية والباكوية والاهتمام بالفلاحين وبناء طبقة العمال وتشجيع المثقفين ورعاية الفنون بجميع اشكالها حتى راينا ابنة استاذي بالجامعة تصبح راقصة في فرقة رضا في احتفال بالفن على مستوي القري والمدن المصرية من اسوان الى الاسكندرية بشكل غير مسبوق في مصر ربما منذ عهد الفراعنة الذين اهتموا بفنون النحت والرسم والموسيقي والرقص.
وراحت تعتري المجتمع المصري نيران الرغبة المتأججة في التحرر الاجتماعي من سلاسل الجهل والعبودية وراحت تتواري عادات مثل الثأر الذي كان متفشيا في الصعيد قبل الثورة ليحل محله اهتمام بمحو الامية والفنون الشعبية والثقافة الجماهيرية، وبدأ العشرات ثم المئات ثم الآلآف من المبدعين الشباب يظهرون في كل مكان وكل مجال يكتبون الشعر والقصة والمسرحية ويكونون الفرق الشعبية للرقص وللغناء وللتراث، وظهرت المجلات الشابة مثل "صباح الخير" تحررها كوكبة من اجمل الكتاب ورسامي الكاريكاتير، وظهر فنانون يغنون للتحرر الاجتماعي ويبشرون بالحب ويرفضون تسلط الاب على بناته والرجل على المرأة وعلي رأس هؤلاء فنان الثورة والشعب والحب عبد الحليم حافظ. وراحت توقظ عقول وقلوب الشباب في مصر الحان عبقرية لمجموعة من الشبان على رأسهم كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي فيما استمر العمالقة الكبار – من عبد الوهاب وام كلثوم والسنباطي.. الى نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف ادريس وغيرهم في تقديم اجمل واعظم ابداعاتهم.
هذه النهضة المصرية الثانية في القرن العشرين تسلمها السادات وهي جريحة على اثر طعنة هزيمة 67. ولكن السادات الذي برع في محو هزيمة 67 وحقق انتصار العبور – لم يستطع ان يحافظ على ماخلفته الثورة من حركة نهوضية تحررية باهرة، وبدلا من ان يغذي ويرعي النهضة الجريحة قام بتغيير مسار الثورة المصرية بشكل حاد ومضاد بإطلاقه ليد الجماعات الاسلامية المتزمته التي انطلقت هائجة في الشارع والجامعة ومكاتب العمل والنقابات العمالية والمهنية واتحادات الطلاب وادارات تحرير الصحف وراحت - بتشجيع من السادات الذي توهم فيها سندا له وقوة شعبية تحميه من الناصريين - تستحوذ على مواقع النفوذ في هذه كلها بمزيج من الترغيب والترهيب مستخدمة النداء الديني الذي يصعب على معظم الناس مقاومته، وهكذا راح المجتمع المصري الذي كان على قدر جميل من العلمانية – اي فصل الدين عن السياسة وعن المجالات الوطنية العامة – يتحول تدريجيا الى مجتمع ديني متزمت مغلق.. ثم بمرور الوقت راحت الفورة الدينية تشتد وتغلي حتى أصبحت الحياة العامة في مصر في شبه حالة من الهوس الديني – كنت قد شبهتها في مقالات سابقة بحفلة "الزار" المصرية الشهيرة التي كانت منتشرة في عصور التخلف قبل النهضة المصرية الثانية، وفيها يتطوح الرجال والنساء في مزيج من الهذيان والشبق الديني والجنسي معا على قرع طبول واناشيد وصراخ وهلوسات عن شياطين وجن يتلبسون البشر. وهي حالة لاتوجد سوي في مجتمعات ماقبل العلم الحديث، مجتمعات الجهل والخرافة التي ترتدي أردية ذات الوان دينية وجسدية معا. وهكذا استطاعت الجماعات الاسلامية المتشددة تحت سمع السادات وبصره ان تفرض الحجاب على المرأة المصرية المسلمة، وهو امر لم يكن موجوداً حتى على المستوي الشعبي في مصر في الخمسينات والستينات.. والافلام المصرية غير الملونة تشهد على ذلك.
ومع صعود مظاهر الهوس الديني من انتشار الزوايا والمصليات في كل عمارة سكينة للحصول على اعفاء ضريبي الى اطلاق الميكروفونات على اعلي اصوات في الشوارع تصدح بالابتهالات والمواعظ الدينية التي يتسم معظمها بالتشدد والتزمت والعدوانية على الآخرين من "الكفار" وانتشار الكتب الدينية السطحية التي تنشر الخرافة وتتحدث عن السحر والشعوذة والعفاريت والجن والقبور والحوريات واختفاء عيون التراث الفكري الاسلامي لمجددين ومفكرين مثل ابن رشد والكواكبي ومحمد عبده وغيرهم، وانتشار الكاسيتات الدينية وتوزيعها في حافلات النقل العام بل وانتشار الواعظين والواعظات في هذه الحافلات ليصبوا على الراكبين المتعبين المساكين التهديد والوعيد بالجحيم وعذاب القبور لمن لايتبع طرقهم ويستسلم لاسياليبهم..من هذا المناخ الذي خلقه السادات واشرف عليه نمت وترعرعت حركات الجهاد الاسلامي والدعوة الاسلامية وكافة حركات التطرف الاسلامي التي تحولت تدريجيا الى حركات ارهابية تغتال المعتدلين من المسلمين من رجال دين وفكر وتقتل وتروع الاقباط في سلسلة من الحوادث التي بدأت بعد تولي السادات الحكم بحوالي عام واحد في حادثة حرق كنيسة الخانكة ومازالت حتى اليوم.
اما السبب وراء نعتي للنهضة المصرية الثانية التي أشعلتها الثورة واغتالها السادات بأنها النهضة الاخيرة فلأن حالة الهوس الديني التي انتابت مصر وماتزال تمسك بتلابيب وجدانها وروحها الى اليوم لن يمكن التخلص منها وخلق حركة نهضة جديدة بسهولة.
فقد مضي الآن أكثر من ثلث قرن على انطلاق حركة الهوس الديني في مصر ومنها الى بقية اطراف العالم. وترعرع جيلان كاملان تحت وطئة هذا الكابوس الثقيل من الرجعية الدينية التي رفضت كل تجديد وكل اصلاح لأمور الدين وأحوال المؤمنين، وبذلك فتلك النهضة المصرية الباهرة التي كان لي حظ معايشتها والفرح بها في طفولتي وسنوات تكويني في الستينات في مصر هي آخر نهضة سيشهدها جيلي وجيل اولادي في مصر. فسنحتاج الى ثلث قرن آخر وربما اكثر لكي نتخلص من تسلط ادعياء التدين.. والتحرر من قبضة اياديهم الاخطبوطية كما تخلصت اوروبا في عصر النهضة من نفس حالة الهوس الديني التي كانت سائدة بها والتي استطاعت بعدها ان تحقق انطلاقة النهضة الحديثة التي تتمتع بها الى اليوم.
ان المأساة ذات الابعاد التراجيدية الاغريقية في حياة الرئيس المصري انور السادات ان هذا الرجل الفذ الذي صار بجدارة بطلا للحرب وبطلا للسلام واعاد الى مصر ارضها واكسبها احترام العالم الخارجي هو نفسه الرجل الذي اغتال اجمل وانبل نهضة مصرية حديثة كان له هو نفسه دور –ولو مساند- في خلقها في سنوات اللهب الثوري الساطع. كيف يمكن لرجل ان يحقق كل هذا النصر والسلام والامجاد لمصر وفي نفس الوقت يخمد فيها روح الابداع والتحرر وانوار العلم والحضارة بأن يطلق عليها وحش التطرف الديني المظلم فيلتهم كل انجازاتها ويعيدها قرنين او يزيد الى الوراء؟
هذا التساؤل ذو الاجابة المستحيلة هو ما يجعل من السادات شخصية أسطورية مأساوية تاريخية من الطراز الاول. فرانسوا باسيلي
كاتب من مصر يقيم بنيويورك fbasili@gmail.com