هدى حسين: الشعر أصدق من نشرات الأخبار

حوار: أحمد فضل شبلول
عضو في كونجرس شعراء العالم من أجل السلام

حصلت مؤخرا على لقب "سفيرة السلام" من إحدى الدول الأوربية، اشرحي لنا ملابسات الحصول على هذا اللقب، وكيف كان وقعه عليك؟ هذا اللقب حصلت عليه من قبل "دائرة سفراء العالم للسلام" وهي هيئة معترف بها في الأمم المتحدة ومقرها في جنيف (عاصمة السلام في العالم)، تضم هذه الدائرة حتى الآن حوالي 100 سفير عالمي للسلام من أنحاء العالم كله أغلبهم من الكتاب والفنانين التشكيليين والمسرحيين وأساتذة الجامعات. لأنها كما تراهم الدائرة الأكثر قدرة على نشر الحضارة والثقافة السلمية في أرجاء الأرض. لا تزال هذه الهيئة تطمح إلى زيادة عددها، ويتم اختيار أعضائها الجدد من خلال ترشيح الأعضاء القدامى لهم.
وقد تم ترشيحي وأرسلوا لي عبر البريد الإلكتروني لكي أوافق على هذا اللقب أو أرفض. وهل وافقت على الفور؟ لا .. فقد ترددت كثيرا قبلها وارتعبت، لأني لم أكن أتوقع أن أحدا يدرك في هذا العالم مدى حرصي على العمل العام من أجل مستقبل أفضل.
ثم .. وافقت لأنني وجدت أن سفراء العالم للسلام العرب قليلون في هذه الدائرة، ونحن في حاجة، في ضوء الأحداث الراهنة في العالم العربي، وفي ضوء الإعلام العالمي المغرض الذي يضعنا جميعا في خانة الإرهابيين، ونحن فقط ندافع عن حقنا في أراضينا، وفي مستقبل خالٍ من الدماء المهدورة لأولادنا.
وجدت أن هذا اللقب من ناحية يتيح لي – باللغتين الأوروبيتين اللتين أعرفهما (الإنجليزية والفرنسية) أن أقوم أولا بدوري في تصحيح الصورة، وثانيا أن أسهم في كتابة مقالات أو تحرير بيانات ضد الحرب والقهر والقتل. وماذا يمثل لك هذا اللقب الآن، بعد الحصول عليه؟ هذا اللقب مسئولية كبيرة، وأنا لم أقبله لمجرد التباهي. لهذا بدأت فعلا في تفعيله رسمياً عبر الاتصال بأحد المسئولين في مكتبة الإسكندرية، واتفقنا للمقابلة في نوفمبر حتى يتسنى لي معرفة ما يمكن تقديمه مثلا لمعهد دراسات السلام هناك في مكتبة الإسكندرية.
دائرة سفراء العالم للسلام لها نشاطات عدة مع أغلب الدول ومنها مصر. وتطمح هذه الدائرة –إلى جانب اجتماعاتها المتنوعة الأخرى– إلى عقد مؤتمر دولي لسفراء العالم في 2012 ولإعلانه عاما للسلام. عدتِ مؤخرا من المشاركة في مهرجان شعراء العالم الثاني في شيلي. حدثينا عن هذا المهرجان، وكيفية نشؤه؟ لقد حضرت وشاركت في مهرجان شعراء العالم الثاني في تشيلي، وهو مهرجان ينظمه المسؤولون عن "حركة شعراء العالم". وهي حركة بدأت في تشيلي بأمريكا اللاتينية، واتسعت وامتدت إلى أن شملت أغلب بلدان الكرة الأرضية.
هذه الحركة تؤمن بأن الشاعر لا يقبع في برج عاجي كما يحاول الإعلام أن يصوره، لكنه عضو فعال ومشارك في أحداث بلده والعالم. إنه الأكثر قدرة على تحقيق حرية التعبير ونبذ القمع، وله دوره ورأيه المهم والفعال في التأثير على قوى الضغط التي تريد تحويل الكرة الأرضية إلى كرة من النار والدماء.
إنها حركة سلمية تسعى إلى رفع درجة الوعي وتنوير العقل والتوحيد بين شعراء الدول جميعا لأخذ موقف من كل ما يجعل حياة الانسان جحيما، كالعنصرية اللونية أو الاضطهاد الديني أو النوعي، الخ. فجبهة الكلمة جبهة مهمة وتؤمن حركة شعراء العالم إنها جبهة تستطيع التأثير. وأنا أيضا أؤمن بذلك. وكيف كانت مشاركتك في هذا المهرجان، بوجه خاص، والمشاركة العربية بوجه عام؟ مع الأسف كانت المشاركة العربية ضعيفة، فلم يكن هناك من العرب الشعراء الذين وعدوا بالمشاركة سواي وسلوى بن رحومة من تونس، وذلك لأن بعضهم كان مريضا مثل يوسف رزوقة من تونس، وهو مسئول "شعراء العالم" في الوطن العربي وسفير عالمي للسلام أيضا.
وبعضهم لم يتمكن من إتمام الأوراق المطلوبة في الميعاد المحدد للسفر كالشاعر أحمد فضل شبلول من مصر، والشاعرة نبيلة الزوبير من اليمن. لكننا سلوى وأنا، مثلنا العالم العربي على قد استطاعتنا أفضل تمثيل. فأول تعليق قابلناه هو "يقولون أن الوطن العربي يقهر نساءه وها هو ممثل في شاعرتين!! يبدو إذن أن الإعلام مغرض". وأظن هذا التعليق كان بداية طيبة.
بالنسبة لي فقد شاركت في كثير من القراءات الشعرية، في المكتبة القومية للدولة، وفي واحد من بيوت بابلو نيرودا، وقرأت شعرا أيضا على قبر الشاعر "أوسكار كاسترو" إلى جانب أرملته. كما أديت ترنيمة كنت قد كتبتها من أجل السلام ولحنتها على طريقة التراتيل الأرسثكسية، أديتها في كتدرائية بيت رئيسة الدولة أمام تمثال مريم العذراء.
وكان لهذا تأثيرا فعالا في جمهور الحاضرين أولا على مستوى الرمز للتسامح الديني في مصر ممثلا في مسلمة ترتل للعذراء، وثانيا على مستوى اللحن والأداء الذي جعل جمهور الحاضرين يبكون حتى قبل أن يفهموا معاني كلمات النشيد، وثالثا عندما تمت ترجمة النشيد لهم استحسنوا ما فيه وأيدوا هذه الرغبة المحمومة في العيش في سلام ونبذ الحروب والإغارة على المدنيين نساء وأطفالا وشيوخا وشبابا، وعلى هدم مساكنهم ومدارسهم وإبادتهم في أماكنهم المقدسة..الخ.
وقد تمت ترجمة قصائدي إلى الإسبانية عبر الإنجليزية من قبل أصدقاء شعراء تعرفت إليهم في المهرجان وهم بالبينا بريور من إسبانيا، وخوسيه إمانويل سولا من بورتريكو ولاورا هرنانديز من المكسيك، هذا لأنهم أحبوا القصائد عندما قرأوها في الإنجليزية فتطوعوا بترجمتها ليتشارك في فهمها جميع الشعراء.
شاركت أيضا مع مجموع الشعراء في اعتصام الطلبة داخل إحدى المدارس مطالبة بمجانية التعليم، وهنا لم أشارك مثل البقية بقصيدة حماسية، أو ما يشبه الخطبة، وإنما بلعبة قمت بها مع الشعراء والطلبة معا متعللة بأننا في مدرسة ومن حقنا أن نلعب.
وكان منظم المهرجان لويس أرسياس مانثو يترجم لي من الفرنسية إلى الإسبانية. وكانت هذه اللعبة محط إعجاب الجميع إذ أنها تجعل جمهور الحاضرين يشارك ولا يستمع فقط. كانت اللعبة عبارة عن أن أقول كلمة فيقول الحضور من الشعراء والطلبة "لا" ثم أقول كلمة فيقولون "نعم"، مثال:
- الموت
- لا
- الحياة
- نعم
- الحرب
- لا
- السلام
- نعم
- القهر
- لا
- المطالبة بالحقوق
- نعم
- التعليم الاستثماري
- لا
- التعليم المجاني
- نعم
- الجهل
- لا
- العلم
- نعم
وقد حصلت في نهاية الملتقى على جائزة استثنائية، لأن هذا الملتقى أصلا ليس مسابقة فيها جوائز، لكن يبدو أن مشاركتي كانت مؤثرة وفعالة لدرجة منحت جائزة بابلو نيرودا لأفضل مشاركة شخصية وتمثيل دولة.
وهذا ليس تكريما لي وحدي بل تكريم أيضا لهذا البلد الذي أحمله في قلبي أينما ذهبت كشاعرة سفيرة لعقل بلدي وقلبه وحضارته. وقد حصلت إلى جانب هذا على احترام الجميع وصداقات لشعراء أعتز بهم من بقاع كثيرة في العالم. وما هي أهم فعاليات هذا المهرجان، وأهم الشعراء الذين لفتوا أنظارك هناك؟ أعتقد أن أهم فعاليات هذا المهرجان إلى جانب زيارتنا لبيوت بابلو نيرودا ومقبرة اوسكار كاسترو والمكتبة القومية وبيت الرئيسة، وغيرها من الأماكن المهمة، هو مشاركتنا في المطالبة بالحق في التعليم المجاني لهؤلاء الطلبة.
فمن منا لا يتوجس حول مصاريف تعليم أولاده. ومن من هؤلاء الأولاد والبنات المعتصمين الذين لم يناموا أسابيع للإعداد لهذا الاعتصام، مع مخاطر البوليس المنتظر لحبسهم وتعذيبهم في أية لحظة، من منهم لا يرغب في محاربة الجهل والإبقاء على التعليم متاحا لجميع فئات المجتمع.
ومن منا لا يعرف قيمة التعليم في نشر الوعي والثقافة، ودور الجهل في تأصيل العنصرية والإرهاب.. أعتقد أن مؤازرتنا لهؤلاء التلاميذ، كلنا من جميع الدول، قد منعت التدخل البوليسي وجعلتهم أكثر ثقة في تحقيق مطلبهم العادل، وأثبتت أننا نحن الشعراء نستطيع تغيير مجرى التاريخ.
أيضا من أهم فعاليات المهرجان هو البيان الختامي الذي شاركت أيضا في وضعه مع شاعرة وشاعر من تشيلي وشاعرة من المكسيك وشاعر من كوبا، وأتمنى أن يتم سريعا نشر هذا البيان في موقع "حركة شعراء العالم" وأن تتم ترجمته إلى الفرنسية أو الانجليزية حتى أتمكن من ترجمته إلى العربية ليطلع عليه كل من يريد من إخواننا العرب. وكيف كانت أصداء المشاركة العربية ضمن شعراء معظمهم من أمريكا اللاتينية؟ وكيف ينظرون هناك إلى شعرنا العربي؟ كما قلت لك من قبل كانت المشاركة العربية قليلة جدا لكنها كانت مؤثرة للغاية في تغيير المفاهيم الإعلامية المغرضة عن الوطن العربي.
ومن الجميل حقا أن كتابات سلوى بن رحومة وكتاباتي وجه التشابه بينهما طفيف للغاية، مما أثرى هذه المشاركة وأضفى عليها شيء من التنوع ساعد على اكتشاف مناطق مختلفة من الشعر العربي.
غير أنني كنت أتمنى مشاركة كل من وعدوا بذلك حتى تكون الصورة أوسع وأشمل. وبدا لي أنهم -أي شعراء أمريكا اللاتينية– متشوقون لمعرفة منجزنا الشعري الجديد، ولا تصلهم عنه أية معلومات تقريبا. إنهم متعطشون لينهلوا من منابعنا الشعرية ويتمنون لو تمت ترجمة كل قصائدنا إلى لغاتهم. هدى حسين: ماذا تقول عن هيمنة اللغة الأجنبية في وجه تراجع العربية الفصحى وأمام استشراء العامية؟ لا أعرف ماذا أقول لك، فأنا أتقن العربية والفرنسية والإنجليزية، ولدي من الألمانية ما يساعدني في التواصل لكن لا يصل إلى حد الترجمة من هذه اللغة. وقد ساعدتني معرفتي العميقة بهذه اللغات في توسيع دائرة قراءاتي وبالتالي إلى تفتيح ذهني بسرعة أحيانا لا أعرف كيف ألاحقها.
كما ساعدني قرب الفرنسية من الأسبانية في فهم اللغة الاسبانية في تشيلي، واستيعاب أغلب ما يقوله الآخرون لي، بل ومحاوله عرجاء لكن نافعة في الرد عليهم بالاسبانية! ولولا هذا كنت سأظل مستغلقة عليهم تماما، وأنا في هذا المهرجان كنت أولا أمثل بلدي، ثانيا كنت أمثل خمسين بالمائة من المشاركة العربية!! فهل تريد أن تبقى خمسين بالمائة من المشاركة العربية مستغلقة على الآخر الذي يريد أن ينفتح عليك، لكنك تملك من وسائل هذا الانفتاح أكثر مما يملك بثلاثة أضعاف؟!
أما عني وسلوى وجدنا في النهاية أن حديثنا بالفرنسية معا هو ما يجعلنا نتفاهم أسرع، إذ أن عاميتها تختلف كثيرا عن عاميتي، وأنا لا أفهمها بسهولة، برغم كونها تفهمني أسرع، ويرجع ذلك إلى انتشار الفيلم المصري في البلدان العربية، أكثر من انتشار الفيلم العربي في مصر. لكن الأجمل هو الفصحى. وأنا كنت سعيدة إذ سهلت علي فهم سلوى شعرا.
أما عن تراجع اللغة العربية وهيمنة اللغات الأجنبية فلا أظن أن المسألة حقيقية. هذا وهم نختلقه لأننا لا نتخيل لغات أجنبية سوى اللغات ذات الأصل اللاتيني والإنجليزية، ماذا عن الصينية واليابانية والتركية الخ الخ.
إن هيمنة لغة من اللغات ترجع لأسباب مرتبطة بميزان قوى ما ليس له علاقة بميزان الحضارات والثقافات، وإلا فلماذا اندثرت الهيروغليفية والقبطية مقابل العربية في مصر؟ ولماذا اندثرت لغات السكان الأصليين لأمريكا المايا والأنكا والآستيك مقابل الأسبانية والبرتغالية والإنجليزية؟ لا أحد يعرف إلى أين نحن ذاهبون. لكننا نحاول أن نذهب في الدرب الذي نظنه الصواب، وأتمنى ألا نصبح كلنا ذات يوم "السكان الأصليين لمنطقة الشرق الأوسط". تواصلك مع حركة شعراء العالم كان عن طريق شبكة الإنترنت. فهل ترين أن شبكة الإنترنت أصبحت في خدمة الأدب، أم أنه يمكن الاستغناء عنها، ولا ضرورة لوجودها؟ وماذا أفدتِ ـأنت شخصياـ من وجود الإنترنت؟ أعتقد أن أي منجز إنساني هو منجز ملك لكل إنسان. وشبكة الانترنيت هى واحدة من هذه المنجزات. ومثلها مثل أي منجز تتوقف الفائدة منها على مستخدمها. فالطاقة النووية مثلا يكون استخدامها في السلم جبارا وفي الحرب مريراً.
وأي منجز إنساني هو كذلك، في خدمة من يستخدمه، ليس جيد أو سيء من تلقاء نفسه، المنجز لا يمكن شخصنته. وكذلك لا يمكن الاستغناء عنه. أنا شخصيا استفدت كثيرا من الانترنت وتأذيت منها كثيرا أيضا.
فلولا الانترنيت مثلا لم يكن ليمكنني أن أرسل لك هذا الحوار. إلى جانب ذلك يمكنني أن أدخل إلى كثير من المواقع الأدبية المهمة وأبحث كما أحب في الحضارات والأديان القديمة، والفلك وعلوم الفيزياء الخ.
يمكنني أن أتواصل مع أصدقائي في أنحاء العالم، وأن أوقع على بيانات تطالب بوقف تعذيب فلان أو الإفراج عن فلان أو ضد التمييز النوعي في أي مكان في العالم. عن طريق الإنترنيت يمكنني أن أتواجد وأن أعلن صوتي وأطالب بحق كل من له حق. وأن أعرف في النهاية أنني لست وحيدة في هذا العالم.
كثيرا كنت أقول لأصدقائي للتفكه "مع الحياة الافتراضية ذلك أفضل جداً". فأنا بطبيعتي أحب العزلة، وهذا المنجز يتيح لي الانفتاح في عزلة. لكن لا يعني هذا إمكانية الاستغناء عن الجموع المادية الملموسة. أو الاستغناء عن الكتاب الورقي.
أخاف في الانترنيت من أن تجعل كل واحد فينا وحده. فبرغم حبي للوحدة أعترف أننا بحاجة إلى كل التكتلات والأعمال الجماعية وعدم الانزواء لو أردنا مستقبلا أقل حزنا لأولادنا على هذه الكرة الأرضية. إذن كيف ترين واقع النقد الأدبي؟ وهل استفدتِ من العملية النقدية في رحلتك الإبداعية؟ لم أستفد كثيرا في رحلتي الابداعية من العملية النقدية.. أقول هذا بصراحة أتمنى ألا يأخذ النقاد كلامي بمحمل شخصي. لكن طبيعي ألا يستفيد الشاعر من العملية النقدية وإلا تكون المسألة محاباة خاصة. ومن الطبيعي أيضا ألا يضار الشاعر من العملية النقدية وإلا تكون المسألة "ثأر خاص".
المفترض أن يستفيد الدارس للشعر أو القارئ أو المتلقي. فالنقد يأتي تابعا للإبداع. الإبداع يحدث أولا. أما إن كنت تقصد "الترويج للمنتج" الشعري الذي أقوم "بصناعته" فإنني لا أعتقد أن ناقدا محترما يسمح لنفسه أن يكون "مطبلاطي" ولا أنا أسمح لنفسي أن أكون "مدللاتي". لكني صادفت الكثير من "المطيراتية" وهم الذين يشوهون منجزك الأدبي وسمعتك الشخصية في محاولة لإسكاتك أو إصابتك باليأس حتى الصمت أو الموت. وهم أيضا ليسوا في نظري نقادا. إذن من هو الناقد في نظرك؟ الناقد في نظري هو من يهتم بظاهرة ما أو تيمة ما وقد بحث واستقصى ووجد أن في منجزي الشعري – أنا وآخرين- شيئا يمكن أن يفيد في عمليته البحثية، أو ذلك الذي يريد أن يقرأ منجزي الشعري قراءة موضوعية.
لا أريد أن يبحث عني الناقد، ليتوجني أو ليقتلني. أريده أن يبحث في شعري إن كان هو يجد في شعري ما يمكن البحث عنه.. وقد أكون أفهم العملية النقدية خطأ.. فأنا لست ناقدة بأي حال من الأحوال. لكني على الأقل أفهم أن الانشغال بالأدب شيء والانشغال برفع أسهم هذا وخفض أسهم ذاك شيء آخر. الأدب أكثر رحابة من ذلك وأنقى والنقد إن كان يتبع الأدب عليه أن يكون كذلك أيضا.
لكنني استفدت من ملاحظات أصدقائي حول كتابتي، ومن اهتمام البعض في بلدان عربية مختلفة بقراءة أعمالي واهتمام بعد الأساتذة بتدريس أعمالي في الجامعات التي يعملون بها في مصر وخارجها. وطلب عدد من الانطولوجيات والموسوعات الشعرية خارج مصر بإدراجي ضمنها بالألمانية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية وغيرها. وماذا استفدت من كل هذا؟ استفدت من كل هذا دفعة وتشجيعا عمليا يجعلني أزيد إلى عزمي عزم من يحترمون شعري. وأقرب طاقاتهم إلى قلبي كي لا ينفجر من الأسى.. وعموما لا يكرم نبي في وطنه.. ونحن مع الأسف مازالت عندنا "عقدة الخواجا" ونجيب محفوظ رحمة الله لم تنهل عليه الدراسات النقدية والترجمات بهذه الغزارة إلا بعد نوبل "الجائزة الكبرى بتاعت الخواجات"!. وأنتِ تعملين في جهة إعلامية، كيف تنظرين إلى مهمة الشعر الآن؟ وبخاصة في ظل الوسائل الإعلامية المتعددة الأكثر إبهارا وجاذبية؟ مع الوقت سينتهي الإبهار وستتلاشى الجاذبية. ويسقط الميكياج عن وجه العجوز القبيحة. وتبقى حقيقة واحدة، هو أن الشعر قد يكون أصدق من نشرات الأخبار. أظن أنه على وسائل الإعلام أن تنتبه لهذا الأمر. وأن يبدأ معدو البرامج في البحث حقا عن الجديد المطروح على مستوى الشعر في المكتبات ودور النشر وغيرها ولا يبقون أسيري المعروف لديهم مطمئنين إلى الخمسة أو عشرة أسماء شعراء الموجودة أرقام تليفوناتهم عندهم في الأجندة.
وأتمنى ألا تكون مصر – مقبرة الغزاة– مقبرة لمبدعيها أيضا. أتمنى أن يأتي اليوم الذي لا ينبغي فيه أن أنال جائزة أو أمثل بلدي شعرا، لأني أعرف الشاعر فلانا أو الناقد فلانا لكي أظهر معه في التلفزيون. أتمنى أن يظهر في التلفزيون كل من كتب قصيدة، كل من نشر ديوانا. أتمنى إلى جانب البروموهات التي تشجع على القراءة وزيارة المكتبات، أن تكون هناك إعلانات قصيرة عن دواوين الشباب.
ألا يضطر الشاب أن يتعرف إلى معد برامج ما لكي يهديه ديوانه، ويتمسح فيه لكي يدرجه في برنامجه، بل أن يكون هناك معد إعلامي على حق، يبحث عن هذا الشاب وعن ديوانه ويقرأه ويناقشه بدون تحيز مسبق أو افتعال صراعات بين الجديد والقديم.
ألا تكون هناك رقابة على الكلمة. أي كلمة. أن يترك الحق للجمهور في التعرف على كل ما يكتب، كله، وأن يتعلم الاختيار الحر، لا الاختيار من ما بين الأقواس. فكيف يمكنك أن تنشيء شعبا مسئولا يحدد مصيره ولا ينشغل بالتفاهات، دون أن تعزز فيه عمليا القدرة على الاختيار والحق في المعرفة المتنوعة المفتوحة؟! كيف ترين مستقبل الشعر العربي، على ضوء التطور الحاصل الآن في القصيدة العربية؟ إنني أعرف الكثير من شباب شعراء الوطن العربي معرفة شخصية وقد أتاح لي اشتراكي في ملتقى شباب الشعراء العربي الأول والثاني بصنعاء في اليمن فرصة لا تعوض للتعرف إليهم وإلى أعمالهم.
ومن هذا المنطلق أقول لك وبكل ثقة إن مستقبل الشعر العربي زاهر جدا. إن ما ينقص هؤلاء الشعراء ليس الموهبة ولا سعة الاطلاع ولا حتى الخبرة. إن ما ينقصهم فعلا هو إلقاء الضوء عليهم وعلى كتاباتهم وأفكارهم وتوسيع نشر كتاباتهم. إنهم كنز حقيقي لو عرف العالم العربي قيمته وتوقف النقاد والشعراء المتحزلقون عن الكلام الواهي في "أزمة الشعر العربي" ووهم "ضياع اللغة".
إن في يد كل شاعر من هؤلاء الشعراء الشباب قلما يمكنه أن يبقي بلده على الخريطة، ويجعل لغته لا تتحول إلى واحدة من اللغات الميتة. ما جديد هدى حسين؟ واللة لا أعرف.. لقد عدت من شيلي مؤخرا وذاهبة إلى الإسكندرية في نوفمبر للمشاركة في الجزء الثاني من ملتقى "مارسيليا الإسكندرية للشعر والترجمة" الذي ينظمه مركز الشعر العالمي بمارسيليا. ومن المفترض في العام القادم أن أذهب إلى فرنسا للمشاركة في كونجرس شعراء العالم من أجل السلام، وإلى إسبانيا لإلقاء محاضرتين في جامعتين مختلفتين، واحدة عن الشعر المصري الآن، وأخرى عن تجربتي الشعرية.
وبين هذه السفرات لا أعرف ماذا أفعل.. سيضحكك هذا فأنا أنتظر منذ 4 أعوام صدور روايتي الثانية بعنوان "الجسر" من دار ميريت، ومازال في الأدراج ديوان "خريطة الذات" وديوان "تحنيط الطائر" وديوان "مولد خفاشة" ولا أعرف أين أنشرهم. وأخجل أن أذهب إلى دار نشر خاصة أو حكومية لأقول "ممكن تنشر لي" قلت لك غالبا لا يكرم نبي في بلده.
قبل السفر إلى شيلي أنهيت ديوانا باللغة الانجليزية اسمه "القاهرة – الرحلة"، ومازلت أبحث عن موسيقي يعلمني السمسمية بسعر يمكنني دفعه، لأني أخشى على هذه الآلة المصرية القديمة من الاندثار.
هذه الآلة التي نشأت في معابد مصر القديمة، وهي الآلة الأم "لكينور الملك داوود" والهارب والقانون. على حد علمي، وقد أكون مخطئة. أيضا أطمح إلى ترجمة عدد من شعراء أميركا اللاتينية من الإسبانية عبر الفرنسية أو الإنجليزية إلى العربية. كما أرجو أن تكون زيارتي لمعهد دراسات السلام في مكتبة الإسكندرية مثمرة.