المطبّلون في الأتراح

بقلم: د. فاطمة البريكي

يكثر المطبّلون في هذه الأيام، ليس لكثرة الأفراح، ولا لوفرة الليالي الملاح، إنما لكثرة من يحتلون مواقع هم غير أهل لها، ويحتاجون إلى من يؤكد لهم يومًا بعد يوم، إن لم يكن ساعة تلو ساعة، ودقيقة في إثر دقيقة، وثانية عقب ثانية، أنهم موجودون في المكان الصحيح، وأن كلا منهم هو الشخص المناسب في المكان المناسب.
لقد قلب هؤلاء المطبلون أفراح الناس أتراحًا، وجنة عيشهم جحيمًا، لأنهم يزينون الباطل ويقبحون الحق، إرضاء لفئة معينة، قد يكون بعض أفراد هذه الفئة غير مدركين لحقيقة الوضع وللمخاطر الكثيرة التي تترتب على وجودهم في مكان غير مناسب لهم، وأن هذا المكان محتاج احتياجًا حقيقيًا لآخرين يستطيعون أن يقدموا من خلاله لمجتمعاتهم خيرًا كثيرًا، ولكنهم لا يستطيعون إبصار ذلك نتيجة وجود زمرة المطبلين من حولهم، تجعل من كل فعل يقومون به إنجازًا، ومن كل كلمة يتفوهون بها حكمة، وهكذا دواليك حتى يصدقوا أنهم موجودون في المكان الصحيح، وأن أحدًا غيرهم ما كان سيستطيع أن يقدم أفضل مما يقدمه هو فعليًا للناس والمجتمع.
أما أولئك الذين يصلون بشكل أو بآخر إلى مواضع هم على دراية سابقة تامة وكافية بأنهم لا يستحقونها ولا يمتلكون أدنى فكرة عن كيفية تأدية واجباتها على خير وجه فهم الذين يسعون إلى تعيين أشخاص بوظيفة مطبل.
ولعل من فوائد مثل هذا الوضع الذي استشرى في مواضع كثيرة من جسد عالمنا العربي المثخن بجراحه هو التقليل من نسبة البطالة المتفشية في مجتمعاتنا، إذ يجد الكثيرون ممن يتقنون فنون (التطبيل) وظائف لهم دون أن يطالبوا بمؤهلات علمية عالية، أو خبرة عدة سنوات سابقة، أو غير هذا وذاك من معوقات تقف دائمًا في طريق الحصول على الوظيفة.
إن المؤهلات المطلوبة في وظيفتنا هاته هي طلاقة اللسان، والقدرة على ذكر المحاسن، وغض الطرف عن المساوئ.
ومن شروط الحصول على وظيفة (مطبّل) أن يكون المتقدم لها قادرًا على تحويل كل (حبة) إلى (قبة)، ومهما بدا العمل الذي يقوم به الشخص الموضوع في غير مكانه ضئيلا أمام نفسه أولا وأمام الآخرين ثانيًا، فإن على المطبّل أن يكون قادرًا على إظهاره في عيون الجميع بمظهر العمل الفذ المتقن الذي استغرق الاشتغال عليه سنوات طوالا، وصُرف عليه من المال والجهد والوقت ما لا يمكن تقديره. أما الخبرات السابقة فهي أن يكون قد عمل مطبّلا من قبل، وأن يكون قد أثبت جدارته في وظيفة سابقة مماثلة بشهادة شهود.
وتعاني معظم المجتمعات العربية من وجود هؤلاء الأشخاص الذين لا همّ لهم سوى إرضاء من هم فوقهم، ولا يعنيهم كيف يكون ذلك أو كيف يتحقق، المهم فقط أن يكون كل شخص –وأي شخص- يعلوهم منزلة راضيًا ومسرورًا، وهذا يعني –بالتالي- أن يكون راضيًا عنهم، ويترتب على ذلك أن يكون كريمًا معهم، وأن يغدق عليهم بالعطايا، وهذا هو المطلوب، لكي يضمنوا البقاء على كراسيهم الوظيفية، وهو ما يضمن لهم الحصول على ما يريدون من متاع الدنيا، دون أن يفكروا في المقابل الذي يدفعونه لذلك، أو بالأحرى دون أن يهتموا بالمقابل الذي يدفعونه.
إن هؤلاء (المطبلين) لا ينظرون سوى لموطئ قدمهم، والذي يعنيهم هو أن تكون الأرض من تحتهم مستقرة، أما الباقون فلا يعنيهم أمرهم، ولا يهمهم في أي حال يكونون، لأن وظيفتهم لا تطالبهم سوى بإرضاء من فوقهم، أما إرضاء من تحتهم –أو من هم (أي المطبلون) تحتهم في الواقع- ليس من ضمن متطلبات وظيفتهم، بل إنه يكاد يكون أمرًا تعجيزيًا بالنسبة لهم، ومذهبهم في العمل وفي الحياة عمومًا: إذا أردت أن تُطاع، فاطلب المستطاع، ورضى الناس غاية لا تُدرك.. إلخ. وقد يكون بعضهم أكثر تصريحًا ويذكر أنه يأخذ راتبه في آخر الشهر من جهة واحدة، لذلك فهو معني بإرضاء تلك الجهة فقط، ولا يعنيه إن رضي الباقون أم سخطوا، لأنهم خارج دائرة اهتماماته!
والذي يزيد الأمر سوءًا هو أن مثل هؤلاء المطبلين لا يكتفون بالقيام بمهنة التطبيل، أو بعبارة أخرى، إن مهنتهم لا تعني فقط أن يجعلوا كل صغير كبيرًا، بل تتضمن الكثير من الأمور السلبية التي لا بد أن تؤثر على المجتمع كله؛ فتزيين الباطل وتشويه الحق يعني أن يكون (المطبل) ضليعًا في الكذب، متفننًا فيه، قادرًا على ليّ الحقائق، وعلى إقناع الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى بما يقوله. وكما أن قلب الحقائق ليس بالأمر السهل، فإن تسويغ الحقائق المقلوبة، وتبرير الأكاذيب المختلقة يفوقه خطورة، ويجعل الحياة تبدو وكأنها فصل من مسرحية كبيرة، يعيشها أفراد في مؤسسات تعوزها النزاهة والشفافية والإخلاص في العمل.
ولكي لا يعيش أي جزء من المجتمع فصلاً في مسرحية لا تُعرف لها بداية أو نهاية، ولكي لا تمضي حياتهم في كذبة لا أول لها ولا آخر، لا بد أن نكون أكثر وعيًا بطبائع الناس، وأكثر إدراكًا لسرائرهم، ولنفسياتهم؛ فالمطبلون في النهاية بشر، ولكنهم من طينة مختلفة.. بشر في صفاتهم الخارجية، ولكن لا حظ لهم في الصفات الداخلية والنفسية من البشرية والإنسانية، ومثل هذه الكائنات التي تمزج ما هو بشري بما هو غير ذلك يجب أن تُبعَد عن كثير من المواضع المهمة في المؤسسات المختلفة،.. هذا ما يبدو أنه المفروض، ولكن الواقع يقول غير ذلك، ولنا في الحياة من حولنا أدلة وشواهد تُعْجِز الراغب في إحصائها وتكتب له علامة الفشل قبل أن يبدأ مهمته.
إننا في حاجة إلى عملية غربلة حقيقية، تبقي الأشخاص المناسبين في أماكنهم المناسبة، وتقصي الأشخاص غير المناسبين مع زمرة المطبلين الملتفين حولهم عن الأماكن التي يشغلونها دون وجه حق، ولكن السؤال المهم الذي يفرض نفسه هو: من الذي يمتلك المعيار الحقيقي الذي تتم بناءً عليه عمليتا الإقصاء والإبقاء؟ بل إن السؤال الأهم هو: كيف لنا أن نعرف المعيار الحقيقي من بين معايير كثيرة تفرض نفسها يومًا بعد يوم، في أجوائنا المشبعة بالثوابت المتزعزعة، وفي ضوء اختلاف آراء الناس وأفراد المجتمع اختلافات جوهرية تجاه أمور كانت تبدو حتى عهد قريب من أكثر الأمور ثباتًا وتسليمًا؟ د. فاطمة البريكي
جامعة الإمارات sunono@yahoo.com