الفضائيات العربية تقدم المادة الثقافية 'على خجل'

بقلم: السيد نجم
تغييب ثقافي

لعل زخم البرامج المتنوعة خلال شهر رمضان يثير العديد من الأسئلة، أهمها وأبسطها السؤال حول البحث عن الثقافة؟، وربما أفضل منه البحث عن الثقافة على خريطة القنوات الفضائية عموما؟
لقد أصبحت تلك القنوات من التأثير والفاعلية في وجدان وعقل الصغير والكبير بقدر لا يستهان به. حقا اننا نعيش عصر الصورة، وبالفعل تلعب الصورة بفضل الانجاز التكنولوجي الهائل لتقنيات الاتصال والاعلام، وهو انجاز بشري لم تلمسه البشرية منذ أن عرف الاتصال والاعلام بقرع الطبول واستخدام الطيور (الحمام).
أليس من وقفة نراجع فيها أنفسنا ونتأمل منجزات القنوات الفضائية باعتبارها أكثر تلك المنجزات شيوعا وتأثيرا، ولا يعنى هذا الاقلال من شأن "الانترنت" ومعطياته، ولا من غيره، فقط تعد تلك القنوات الأسهل في التعاطي والأكثر جاذبية بلا جهد يذكر أو عبء مادي.
فقد بدت تلك القنوات على تعددها وانتشارها من المحيط الى الخليج خلال شهر رمضان وكأنها تدغدغ أهواء المشاهدين السهلة والمباشرة، من المعدة بداية وحتى العواطف السطحية (الا من القليل في بعض الأعمال الدرامية وفي بعض القنوات المتخصصة وبعض البرامج الدينية).
لا ضير من تنوع الاهتمامات التي تلبي رغبات المشاهدين، أما أن تشغل برامج المطابخ وحياة الفنانين وأسرارهم وملاحقة الناس بالفنادق والأماكن العامة لرصدهم وهم يدخنون النارجيلة (الشيشة) بزعم الاحتفال والبهجة في ليالي رمضان واصطياد أحدهم لإثارة قضية مفتعلة فقط لجذب المشاهد واثارته، وبرامج الفوازير والأحاجي و"التلصص" أو الكاميرا الخفية، وغيرها. أن تصبح تلك البرامج وحدها، هي السمة الغالبة على خريطة القناة طوال شهر رمضان، تلك هي السمة الممقوتة والتي يرفضها المنطق الصحيح.
ويتجدد السؤال: أين الثقافة الجادة والضرورية وسط الكم الهائل من ساعات البث التى نعتبرها تعدت عدد ساعات اليوم (تجاوزا بالنظر إلى عدد القنوات الفضائية في العالم العربي).
لا توجد إحصاءات علمية نرتكن إليها ولكننا اعتمدنا فقط على متابعة المشاهد التقليدي والمثقف، فكانت لنا جملة من الملاحظات.
أما وقد رصد الراصد تلك القنوات خلال فترات البث التقليدية (في غير شهر رمضان)، فالصورة تدعو لاعادة النظر والدعوة الى مراعاة الجانب الثقافي من عدة أبعاد:
من حيث الشكل، تعتمد أغلب البرامج الثقافية على استضافة اسماء محددة مع عدم مشاركة المشاهد أو المثقف خارج الاستديو وأيضا الاكتفاء بملمح إلقاء السؤال وعلى الضيف ملء الوقت بالثرثرة دون اعداد جاد من مقدم البرامج، ثم قد يبدأ البرنامج وينتهي دون اللجوء الى المادة الإعلامية كالأفلام التسجيلية أو التحقيقات القصيرة وغيرها.
من حيث المضمون، غالبا ما تتابع البرامج الثقافية الضيف دون أن تكون هناك قضية محددة ملحة وجادة وواجبة الحوار حولها، لعله من الأنسب أن يكون الضيف خادما لفكرة الحلقة ولمناقشة قضية محورية في البرنامج وليس العكس.
هناك من القضايا التي تعد صناعات ثقيلة في الثقافة، ومنها ما هي جديدة وتستحق متابعتها، ليس معنى ذلك الاثقال على الفرد العادي والاعتماد على المصطلحات وافتعال الجدية التي قد تنفر المشاهد المثقف قبل العادي.
ان المنجز التقنى الآن قادر على توفير المادة الثقافية المبسطة، كما أن المثقف المحنك قادر على عرض أعقد الأفكار والمعلومات بسلالة التنفس مع عنصر ثالث لا يقل أهمية ألا وهو مقدم البرنامج الثقافي القادر على طرح الموضوعات والمساهمة في عرضها وتبسيطها للمشاهد مع احتواء الحوار وتوجيهه نحو أهداف توصيل موضوع الحلقة.

سوف تظل تلك القضية ملحة وضرورية (وهي التناول الثقافي الجاد في القنوات الفضائية) حتى تنجز مهمتها، خصوصا أن بعض البرامج الثقافية الجادة (القليلة) تختفي فجأة من خريطة برامج هذه القناة أو تلك، وربما يقتصر زمن البرنامج على دقائق معدودة وكأن تلك القناة تقدم هذا البرنامج الثقافي على خجل من مضمونه أنه ثقافي.
يحضرنى الآن برنامج ثقافي في قناة "العالم" اختفى فجأة تعده "فاطمة العبد الله"، ربما بعد الحرب اللبنانية الأخيرة، وان بقي برنامج ثقافي جاد وطموح تقدمه "بريهان قمق" بقناة "أبوظبى" الفضائية.
لسنا بصدد الحصر، لكننا نسعى لابراز الصورة التى تبدو عليها "الثقافة" في القنوات الفضائية العربية، راجين أن تصبح تلك البرامج في متناول المشاهد العادي وقادرة على جذب انتباهه أو على الأقل تحفيزه على المزيد من الاطلاع والتعمق.
فليست "الثقافة" طرفا ولا هي زائدة عن احتياج المشاهد، والقنوات الفضائية الآن هي المصدر الرئيس للمعلومات والثقافة لأكثر من 80% من المشاهدين في العالم العربي، بالنظر الى تضاؤل معدلات القراءة كمصدر للمعرفة والثقافة، وهى حقيقة لا تهمل في اطار السؤال حول "الثقافة" وبرامجها في الفضائيات العربية التي تعد بعدد كل الدول العربية. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com

abnegm@gmail.com