عن إشكاليات الحركة الوطنية الفلسطينية: فتح نموذجا

بقلم: ماجد كيالي

مازالت "فتح" تراوح مكانها لجهة مراجعة تجربتها النضالية، ومسيرتها السياسية، وأوضاعها الداخلية، وضمن ذلك بحث أسباب ترهل بنيتها وتراجع مكانتها وتعثر الخيارات السياسية التي أخذتها على عاتقها في الساحة الفلسطينية.
وبالإجمال فإن قيادة هذه الحركة مازالت تتملّص من الإجابة على الأسئلة الاستراتيجية التي باتت تطرحها المتغيرات والتطورات الحاصلة في هذه الحركة، وفي الساحة الفلسطينية عموما، وأيضا في مجال الصراع مع إسرائيل، من نوع: أين كنا وأين صرنا؟ أين أخفقنا وأين أصبنا؟
وما يلفت الانتباه أن هذه الحركة لم تستطع، حتى الآن، أن تحسم جديا أمرها لجهة عقد مؤتمرها العام، أو عقد المرجعية لأحد أركانها، وهي تكاد لا تستطيع عقد اجتماعات منتظمة لهيئتها القيادية (اللجنة المركزية)، في ظل التنازع بين "أبواتها"؛ وهو ما حصل بفضّ اجتماع هذه اللجنة في عمان مؤخّرا قبل أن يبدأ!
المعضلة الآن أن قيادة فتح، وبغض النظر عن توجهاتها، تبدو في مواجهة واقع يحول دون تمكينها من السيطرة على الحركة وضبط أوضاعها، السياسية والميدانية، كما في المراحل السابقة. ولا شك أنه ثمة سذاجة في إحالة فقدان السيطرة إلى مجرد غياب الرئيس ياسر عرفات، الذي رتب هذه الحركة وأدارها بطريقته الخاصة. فالمعلوم أن فقدان السيطرة وشيوع الفوضى، في فتح والساحة الفلسطينية، سادا في عهد الرئيس الراحل، الذي محور كل شيء حول ذاته، ما ساهم في تغييب وإضعاف هيئات القيادة في فتح والمنظمة والسلطة.
ويمكن إحالة حال الفوضى والترهل في فتح، وتضاؤل نفوذ لجنتها المركزية (إضافة إلى كل ما تقدم)، إلى محددات عدّة، أهمها: أولا، بروز مراكز قوى متعددة في الحركة تتمتّع بقوة مضافة تنبع أهميتها من المداخلات الدولية والإقليمية؛ ثانيا، اختلاف الشرط السياسي. ففي السابق (مرحلة الخارج) تركزت بنية فتح على الأجهزة ونظام "التفريغ"، والوجود الميليشياوي، ما جعل قيادة الحركة تتمتع بمركز سلطوي مطلق، سياسي وإداري ومالي؛ وهذا الشرط لم يعد موجودا في الداخل، فثمة هنا مجتمع من أربعة ملايين (في الضفة والقطاع)، له حياته السياسية ومتطلباته الطبيعية وتحدياته الخاصة؛ ثالثا، مثّلت عملية الانتخابات تطورا نوعيا في النظام الفلسطيني، من التعيين إلى التمثيل، ما ساهم في توليد طبقة سياسية جديدة (في فتح والساحة الفلسطينية) تتمتع بنوع من الاستقلالية إزاء القيادة السائدة، وهي طبقة تتمتع برؤية نقدية جعلتها تنافس القيادة على مواقعها وعلى دورها؛ لاسيما أنها تعتبر نفسها الوريثة الطبيعية لها، كونها حملت عبء الانتفاضة الأولى والثانية. رابعا، بروز حركة سياسية ندّية (حماس) تنافس فتح على القيادة والسلطة، وهي تتمتع بنفوذ سياسي ومادي وعسكري كبير، ويحصل ذلك في ظل تآكل التيارات السياسية الأخرى. خامسا، ثمة دور كبير لإسرائيل في إخفاق خيارات فتح السياسية، وهذا أمر طبيعي من إسرائيل، التي لا يمكن أن تسهّل على فتح طريقها، لكن مشكلة فتح أنها لم تحتفظ في كل مرة بالبدائل، وأنها لم تأخذ في اعتبارها التوجهات المراوغة للسياسة الإسرائيلية، الرامية لتعميق مأزق الساحة الفلسطينية.
عموما فإن ما ينبغي لفت الانتباه إليه أن "فتح"، منذ نشوئها، ظلت تعاني من أزمة في القيادة (بالمعنى السياسي لا الشخصي)، بمعنى أنها أزمة تتمثل بغياب المؤسسة وتقاليد القيادة الجماعية والحياة السياسية الطبيعية، كما تعاني من أزمة في المجالين السياسي والتنظيمي.
مثلا، على الصعيد السياسي، ظلت فتح تراوح عند الشعارات، التي أطلقتها في منتصف الستينات، برغم التطور في الفكر السياسي الفلسطيني، وكل التحولات السياسية الحاصلة (فلسطينيا وعربيا ودوليا)، ولذلك فهي لم تنتج خطابا سياسيا / ثقافيا، يعبر عن رؤيتها لديناميات الصراع ضد المشروع الصهيوني، ومستقبل قضية فلسطين وشعبها، وفهمها للمرحلية ولمفهوم الدولة الديمقراطية، وإشكالية عملية التسوية، ومستقبل الكيان الفلسطيني، والعلاقة بين القطري والقومي، وأشكال النضال وإشكالاتها؛ فهذه المسائل خضعت لتجاذبات واجتهادات متباينة، انعكست سلبا على وحدة الحركة وعلى سلامة توجهاتها السياسية.
بمعنى أخر فإن فتح التي تتّسم عموما بالعفوية والبراغماتية والتجريبية، بالنسبة للسياسة الاستراتيجية، مع المرونة وربما البراعة في إدارة السياسة التكتية، لم تستطع تمثل التطورات السياسية الدولية والإقليمية في تفكيرها السياسي، أو تمثل التحولات السياسية الاستراتيجية، المرتبطة بالانتقال إلى مرحلة التسوية والمتعلقة بإقامة دولتين لشعبين؛ وهي أمور تجلت في التخبط، السياسي والميداني في إدارة الانتفاضة، وفي الإخفاق في المزاوجة بين المفاوضة والانتفاضة، الأمر الذي أدى إلى تدهور الوضع الفلسطيني في مختلف المجالات.
معلوم أن التحول نحو التسوية، في مطلع السبعينيات، لم يحدث نتيجة تطور في الثقافة السياسية لحركة فتح، كحركة، ولم يتم التشريع لهذا لأمر في مؤتمراتها، وإنما تم اتخاذ هكذا قرار، على هذه الدرجة من الأهمية، في إطار اللجنة المركزية فقط؛ وهكذا الأمر لدى توقيع اتفاق أوسلو (1993)! وبديهي أن كل العمليات السياسية، من المفاوضة إلى الانتفاضة، إلى المقاومة المسلحة، لم يتم دراستها في الأطر القيادية، ولم تكن وليدة ثقافة سياسية ولم تأت نتيجة إعدادات ميدانية! ومعنى ذلك أن حركة فتح هي نوع من الحركات المغرقة في مركزيتها، بالنسبة للقرارات الاستراتيجية السياسية والإدارية والمالية، ولا يعفيها من ذلك لا مركزيتها أو مراوغتها بالديمقراطية، اللتين هما أقرب إلى الانفلاش والفوضى في القضايا التكتية والمحلية والاجتهادات السياسية.
أما على الصعيد التنظيمي فإن قيادة فتح لم تستطع أيضا إنضاج هيكل تنظيمي محدد المعالم، يتمتع بحياة داخلية، وينتج حراكا ديمقراطيا، كما لم تكن جدية بترسيخ ثقافة التعددية والتنوع بشكل واضح وسليم لدى قيادات وكادرات وأعضاء الحركة، ولدى التيارات المنضوية فيها، بسبب غياب العلاقات الديمقراطية المؤسسية وضعف علاقات التفاعل والتواصل الداخلية. هكذا لم يجر تكريس طابع فتح، كحركة جبهوية، في الثقافة السياسية والتنظيمية الداخلية، بل إن فتح ذاتها باتت أشبه بتنظيم مترهل غير واضح المعالم، إذ غابت الحدود بين الأطر، وتلاشت معايير العضوية.
وبعد العودة إلى الداخل، وقيام السلطة الفلسطينية، باتت فتح في مواجهة معضلات التناقض بين طابعها كحركة تحرر وتحولها إلى حزب للسلطة، لاسيما أنه بدا أن حركة مثل فتح على هذا القدر من الانفلاش يصعب عليها المواءمة بين هذين الاستحقاقين. والمحصلة فإن فتح تماهت مع السلطة، وأصيبت بتشوهاتها (علاقات البيروقراطية والفساد والمحسوبية والترهل)، وهي التشوهات التي أصابت قبلها حركات التحرر الوطني والأحزاب السياسية المعارضة في العالم الثالث (جبهة التحرير الوطني في الجزائر مثلا). ولاشك أن هذا الوضع تفاقم بعد أن باتت حركة فتح في مواجهة تحديات الاستحقاقات الانتخابية والمنافسة على القيادة والسلطة، لاسيما من قبل حركة حماس. وما زاد من خطورة مأزق فتح أنها باتت في وضع لا تحسد عليه، خصوصا أنها أخفقت في جلب التسوية، ولم تنجح في إدارة السلطة، وفقدت السيطرة السياسية والميدانية في الانتفاضة.
على ذلك فثمة تحديات وتعقيدات كبيرة تواجه قيادة فتح في هذه المرحلة، ولا نبالغ إذا قلنا أن فتح كحركة سياسية تقف اليوم أمام مسارين متعاكسين، فإما النضوج والنهوض على قاعدة من التجديد والتطوير، السياسي والتنظيمي، أو اعتماد الطرق السابقة في القيادة والإدارة ما يؤدي إلى قيادة الحركة ولكن نحو المزيد من الترهل والتفسخ.
وبديهي أن مقاربة قيادة فتح للمسار الأول من شأنها تسهيل عملية التحول والتطور في الحركة، أما مقاومة القيادة له، فربما يؤدي إلى زيادة فقدانها السيطرة، وإلى إضعاف قدرة فتح على مواجهة التحديات الراهنة. ماجد كيالي