تدمير وتفكيك العراق: من أجل مَنْ؟ ولماذا؟

خلال الأشهر القليلة الماضية طرأ تغير ملحوظ ومتزامن في عدد من الدول الغربية. فرؤساء وزراء اسبانيا وايطاليا واليابان أزيحوا من مناصبهم، بينما أجبر رئيس الوزراء البريطاني على إعلان نيته في الاستقالة، أما في الولايات المتحدة فان المساعي السياسية لاضعاف الرئيس الاميركي ما تزال جارية، وذلك مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس والتي يتوقع ان يمني فيها الحزب الجمهوري بهزيمة تكفي لانهاء أغلبيته، ليتحول الرئيس جورج بوش بذلك الى بطة عرجاء ، وقد لا يتمكن حتى من الحصول على تمويل إضافي لعمليات الجيش الاميركي في الخارج من دون مواجهات ساخنة مع معارضيه الديمقراطيين.
ما يهم في هذا التغيير هو ان جميع هؤلاء الزعماء كانوا قد شاركوا في التآمر على غزو العراق، أو كانوا، بمعنى آخر، جزءا من تحالف الراغبين الذي قادته الولايات المتحدة لتدمير واحتلال هذا البلد. وقد كشفت التقارير، على امتداد السنوات الثلاث الماضية، ومن بينها تقارير أجهزة المخابرات الغربية نفسها، ان المبالغات والأكاذيب ولي عنق الحقائق، كانت الأداة الرئيسية التي استخدمت لتبرير هذا الغزو. وتعمد كل هؤلاء القادة تجاهل المعلومات المخابراتية والنصائح الأصيلة حول الوضع في العراق وامكانياته المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، لانهم لم يكونوا راغبين باحباط خيار الحرب.
ولكن سرعان ما كشف هذا الخيار عن خلل عضوي في سبل ادارة العراق، ووفر دافعا إضافيا لكل أولئك الذين كانوا يشعرون بالظلم الى النهوض من اجل مقاومة الغزاة.
وكان كافيا، كدليل على الفشل، ان التقرير الأخير لوكالة المخابرات المركزية كشف، بأفضل ما يمكن من وضوح العبارة، ان الولايات المتحدة، اذا كانت فشلت حتى الآن في كسب الجولة الأولي من الحرب ضد الارهاب، فبسبب المقاومة الضارية التي تتعرض لها في العراق.
والعراق، كما يعرف الجميع، لم يكن على صلة بتنظيم القاعدة ولا كان له أي ضلع في هجمات 11 سبتمبر/أيلول2001، ولكنه تحول الآن الى ميدان رئيسي ليس للمقاومين الوطنيين العراقيين وحدهم، ولكن أيضا لمجموعات لا حصر لها من المجاهدين الذين حولوا العراق الى ساحة تدريب على استخدام الأسلحة والمتفجرات. وأكثر من ذلك، فان هؤلاء المجاهدين بعد سنوات من الاستقرار النسبي في افغانستان، نقلوا خبراتهم المستمدة من العراق الى هناك وبدأوا موجة ضارية من الهجمات ضد قوات حلف شمال الأطلسي التي ورثت مهمة احتلال أفغانستان لتخفيف العبء عن القوات الأميركية.
السؤال الذي لا بد من مواجهته، بعد كل هذا هو: من اجل مَنْ ولماذا فعل المتآمرون كل ذلك؟
من الواضح، الآن على الأقل، انهم لم يكونوا بتلك الأكاذيب، ولا باستراتيجية التخريب الشامل التي اتبعوها في العراق، يخدمون مصالح بلدانهم.
وتدل الخبرة التاريخية على ان الغزاة، الذين ينوون الاستقرار في بلد، لا يقومون بتدميره، ولا بتقطيع أوصاله، ولا بتحويل حياة سكانه الى جحيم، ولا بتشغيل فرق موت للقيام بحملات قتل يومية عشوائية ضد الأبرياء، ولا بتعذيب واغتصاب وانتهاك حقوق المعتقلين، ولا بتحويل الحرب الى أداة سبي جماعي للمدن والبلدات التي تظهر معارضة لوجودهم.
ولكن الولايات المتحدة وحلفاءها فعلوا كل ذلك. فمن أجل مَنْ كان ذلك كله؟
لا يمكن بأي حال من الاحوال، الافتراض ان الكراهية التي يصنعها الغزاة ضد أنفسهم، بسبب الآلام والمرارات الكثيرة التي يخلفونها وراءهم، سوف توفر فرصا أفضل لفوز شركاتهم بعقود تجارية قابلة للحياة. كما لا يمكن الافتراض ان تنصيب حكومة عميلة يمكن ان يوفر أية ضمانات للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفاءها.
وقد يمكن الاستفادة من حكومات عميلة كثيرة لخدمة هذه المصالح، من دون تدخل عسكري مباشر، حيث يمكن لهذه الحكومات ان تستمر بالوجود تحت أغطية وطنية شتى، ولكن ما من حكومة نصّبها تدخل عسكري أجنبي نجحت في البقاء.
وبالنسبة لمجتمع مثل المجتمع العراقي، يربط بين استقلال دولته وبين الكرامة الفردية لكل مواطن، فان وجود حكومة عملاء يمثل إهانة شخصية للجميع لا يمكن ان تستمر طويلا، كما انها لا يمكن ان تخدم، على المدى البعيد، مصالح الغزاة، بل بالعكس تصيبها بضرر شديد. وبينما يدفع الغزاة، على المدى القريب، ثمن المقاومة الضارية ضدهم، فان المحصلة النهائية لن تكون سوى قطار خسائر، تحمل كل عربة فيه، وجها آخر من وجوه الفشل.
ولكن هناك سبب منطقي واحد يجعل من المفهوم لماذا تفعل الولايات المتحدة ذلك في العراق، حتى على حساب مصالحها الخاصة.
والسبب هو: إسرائيل. فهذا الكيان هو الطرف الوحيد الذي يجد فائدة في تحويل العراق الى أرض يباب. وهو الطرف الوحيد الذي يصب في صالحه ان يعود هذا البلد الى مائة عام الى الوراء لكي لا يشكل تهديدا استراتيجيا ضده.
وكلما تحطم المجتمع العراقي وتقطعت أوصاله أكثر، كلما شعر الاسرائيليون بالمزيد من الاستقرار، لانهم يحسبون ان تمزق العراق يشكل أفضل ضمانة لهم ليس للتدخل في شؤون الأوصال المتقطعة فحسب، بل لاستخدامها كأرض خصبة لنشر المزيد من الانقسامات والصراعات في المنطقة أيضا.
واذ تشعر اسرائيل ان أمنها لا يقوم إلا على خراب أمن الآخرين، وان ازدهارها لا يقوم إلا على انحطاط وتخلف الآخرين، وان قوتها لا تقوم إلا على ضعف الآخرين، وان اقتصادها لا يعيش إلا على فشل وتبعية إقتصاد الآخرين، فلسوف يكون من المفهوم تماما لماذا عمدت الولايات المتحدة وبريطانيا، وغيرهما من الحلفاء الغربيين، الى تدمير البنية التحتية في العراق والى تمزيق أوصاله وإغراقه في اتون حرب اهلية ووقف كل وجه من وجوه النشاط الاقتصادي فيه.
ومع توفر كل الأدلة التي تثبت ان جميع المزاعم التي ساقتها الولايات المتحدة لغزو العراق كانت باطلة، فان الدافع الرئيسي لحماية إسرائيل ظل قائما. ويعود السبب في ذلك الى ان الصهيونية نجحت فيما يبدو في اختطاف الادارة الاميركية والهيمنة على قراراتها وسوقها لخدمة مصالح إسرائيل.
واذا كان العراقيون يدفعون من دمائهم ثمن الغزو، فان الاميركيين والبريطانيين يدفعون من دمائهم ومن أموال دافعي الضرائب الثمن الآخر. ولكن ليس من اجل أية مصالح وطنية، وانما من اجل الدفاع عن مصالح اسرائيل، وذلك بالصورة والطريقة والمفاهيم التي تراها إسرائيل مناسبة لها.
ولا شيء جديد في هذا.
فمنذ نشأة إسرائيل تبنت بريطانيا، وتاليا، الولايات المتحدة الدفاع عن اسرائيل وخدمة مصالحها وتوفير الحماية لها وضمان تفوقها العسكري على جميع دول المنطقة.
وحيثما كانت قوة اسرائيل العسكرية وازدهارها الاقتصادي يتطلبان إضعاف الآخرين وابقائهم يرزحون تحت نير الفقر والتخلف والتبعية الاقتصادية، فقد عمدت الولايات المتحدة وبريطانيا الى الاضرار حتى بمصالحها الخاصة مع دول المنطقة من اجل ان تخدم مصالح هذا الكيان. كل المصالح الاستراتيجية الاميركية ظلت تقوم على قاعدة واحدة تقول ان اسرائيل، واسرائيل وحدها، هي حجر الزاوية لهذه المصالح.
وما من شيء يمكن عمله في منطقة الشرق الأوسط، الا ويجب النظر اليه من هذه الزاوية أولاً.
وانطلاقا من هذه القاعدة كان يجب، وما يزال من الضروري من وجهة النظر الاستراتيجية الغربية قهر واضعاف جميع دول المنطقة. فاسرائيل هي وحدها الدولة التي يجب ان تظل قوية، واذا كان أمنها يتطلب تدمير أي بلد واعادته مائة سنة الى الوراء، فهذا ما يجب ان يكون. وليس مُهماً كم من البشر سيدفعون الثمن، كما ليس مهما كم يجب ان يتحمل دافعو الضرائب الغربيين من تكاليف. فواجب مقدس كواجب الدفاع عن اسرائيل لا يترك وراءه أي مبرر للبحث في التفاصيل، بما فيها التضحية بالمصالح الخاصة للولايات المتحدة وحلفائها.
لهذا السبب، بالذات، يشعر العرب والمسلمون ان معارضتهم لبقاء الكيان الصهيوني ليس مجرد صراع على أرض بل هو صراع على حق العرب والفلسطينيين في الوجود.
ذلك ان الوجود الصهيوني يمثل تهديدا مباشرا لكل وجه من وجوه حياتهم. ولهذا السبب أيضا، فان الاعتراف باسرائيل يبدو كإهانة لكرامتهم ولمشاعرهم القومية.
وفي هذا الخضم، فقد كان جميع أولئك الذين انخرطوا في دعم غزو العراق، سواء من الدول العربية أو من عملاء الولايات المتحدة العراقيين، قد لعبوا أدوارهم لا لشيء إلا لخدمة مصالح إسرائيل. وعلى الدوام، سوف يبقي التعامل مع حكومة الاحتلال بمثابة دعم مباشر للمشروع الصهيوني في المنطقة.
واليوم، فعندما يطالب العرب والفلسطينيون اسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة وبضمان حق اللاجئين في العودة الى دولة علمانية تحترم حقوق الافراد، بصرف النظر عن ديانتهم، فانهم يفعلون ذلك في الواقع ليس من أجل اجراء تعديل جغرافي على الأرض، وانما من اجل إجراء تعديل استراتيجي في مفاهيم الوجود الاسرائيلي نفسها. فالتسوية الحقيقية يجب ان تبدأ من نقطة لا يكون وجود وأمن وإزدهار اسرائيل مشروطا بدمار وتخلف وتدهور الآخرين. وبقاء اسرائيل على قيد الحياة لا يجب ان يكون قائما على موت الآخرين.
واذا كانت مساعي السلام السابقة، بما فيها اتفاقية كامب ديفيد نفسها التي وقعت بين اسرائيل ومصر، فشلت في توفير أرضية لبناء علاقات سلام حقيقية، فلأن هذه المساعي كلها كانت تقوم على القاعدة الاستراتيجية الوحيدة السابقة، وهي ان قوة اسرائيل تتطلب إضعاف الآخرين.
لقد كان الهدف الرئيسي من اتفاق كامب ديفيد ليس التوصل الى سلام بين شريكين متساويين يحترم أحدهما مصالح الآخر ويقر بحقه في الوجود، بل من اجل تحويل مصر الى تابع هزيل للمصالح الاستراتيجية الاسرائيلية في المنطقة، والي جرها بعيدا عن الدول العربية الآخرى لابقائها ضعيفة، ولابقاء هذه الدول ضعيفة هي الأخرى أيضا.
هل يمكن لمساعي كهذه ان تكسب قلوب وعقول أي أحد في المنطقة؟
النتائج الملموسة تفيد ان العرب والمسلمين يتمسكون بحقوقهم ومشاعرهم الوطنية ليس بسبب خلاف على مستقبل الأراضي المحتلة، كآراضي، وانما لان الصراع مع اسرائيل يمثل تهديدا مباشرا لقيمهم وكرامتهم وثقافتهم وحقهم، هم، في العيش بأمن وسلام.
وما لم تتغير المفاهيم التي تقيم عليها اسرائيل وجودها، فانها عندما تطالب العرب بالاعتراف بها، تقصد في الواقع ان يستسلموا لتلك القاعدة ويقروا بحق اسرائيل في التفوق عليهم وفي التمدد على حساب مصالحهم وفي البناء على حساب خرابهم وفي الحياة على حساب موتهم.
لهذا السبب فان الاعتراف باسرائيل لا يعني شيئا بالنسبة للعرب سوى الاستسلام والإهانة. وهذا أمر يكاد من المستحيل ان يشكل أرضية مناسبة لأي سلام حقيقي وقابل للحياة.
قريبا جدا، سوف يجد المتآمرون على غزو العراق انهم فشلوا في مسعاهم لحماية اسرائيل. وسيجدون انفسهم مضطرين لسحب قواتهم من هذا البلد، لتكون اسرائيل عرضة ليس لتهديدات دول بل لتهديدات منظمات تملك قدرة على إطلاق صواريخ من أي مكان في الجوار. وقريبا جدا، سوف يكتشف الجميع ان أولئك الزعماء، الذين أجبروا على التخلي عن مناصبهم، لانهم كذبوا على شعوبهم بشأن الهدف من الغزو، والحقوا أضرارا بمصالح بلدانهم الوطنية وبقيم الديمقراطية كما ارتكبوا فظائع تكفي لجعلهم يواجهون العدالة كمجرمي حرب. وهذا ليس سوى ثمن زهيد من اجل وضع الأمور في نصابها الصحيح.
ولن يطول الوقت قبل ان يواجه الزعماء العرب، الذين تورطوا في مؤامرة، الغزو المصير نفسه. أما الكيان الصهيوني، فانه لن يعثر على السلام مع الجوار، ما لم تعثر عليه في نفسها أولاً، بان تتخلي عن استراتيجيات القتل والدمار والتفكيك، لعلها تجد شركاء يستطيعون ان ينظروا الى الاعتراف بها كشيء لا يساوي إهانتهم واستغلالهم والحد من حقهم في الوجود. د. برهان الجلبي
عضو المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية burhan_alchalabi@yahoo.com