الجزيرة والحرية: الاعلام والزيف الغربي

بقلم: د. عبدالهادي التميمي

يستند الفكر الديمقراطي الى ركائز أساسية متينة أبرزها حرية التعبير والرأي والاختيار والمحاسبة. وقد التزمت الديمقراطيات الغربية العريقة، ومنها بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية، بالترويج لتلك الركائز ودعم المنظمات والهيئات والدول بل وحتى الاشخاص الذين يلتزمون بها ويساندون التغيير نحو المبادئ والممارسات الديمقراطية. وقد تحول الالتزام بالديمقراطية ومبادئها الى أحد العناصر الأساسية من عناصر السياسة الخارجية للدول الغربية منذ عشرينات القرن الماضي. وإتسعت تأثيرات ودور الدعم الديمقراطي في تلك السياسة الخارجية بعد الحرب العالمية الثانية واشتعال الحرب الباردة والتنافس بين الكتلتين الشرقية والغربية (الشيوعية الاشتراكية والرأسمالية الاوربية الاميركية) الى درجة أنها أصبحت احدى الاسلحة السياسية والدبلوماسية والاعلامية في تلك الحرب، وأنفقت الدول العربية أموالا وجهودا طائلة وكبيرة للدعاية وتعميق الفكر الديمقراطي ومهاجمة الممارسات والافكار الاخرى التي تقيد من مرتكزات الديمقراطية كالحد من أو حظر التعبير عن الرأي وحرية الاعلام.
وإقترنت حرية التعبير عن الرأي والاعلام الحر بالشفافية وعرض الحقائق والمصداقية التي كانت ترتبط أو تربط دائما بالمفاهيم الغربية والاميركية على أنها تصرف حضاري ومرحلة مهمة من مراحل التنمية والتطور والتقدم في الميادين العديدة والمتنوعة. ونتيجة لذلك برزت معايير وحدود وتوصيفات لنوعين أساسيين من الاعلام: يوصف الاول بأنه الاعلام الحر الليبرالي الديمقراطي النزيه ذو المصداقية الذي يخدم الامن والسلام العالمي وكان شائعا في البلدان الغربية والولايات المتحدة الاميركية وحلفائها، والثاني بأنه الاعلام الموجه المقيد الحكومي المراوغ الذي يخفي الحقائق ويخدم الانظمة الدكتاتورية والقمعية ويناهض الحرية والديمقراطية ويعمق الخلافات والتوتر والنزاعات الاقليمية والدولية ولا يتمتع بأية مصداقية وتزخر به الدول النامية ودول الكتلة الشرقية وحلفائها. وقد أحدث الضخ الاعلامي الغربي الاميركي قناعات وسياقات اعلامية تدربت وأقتنعت بها عدة أجيال من الملتزمين والمهنيين والمؤمنين بهذا النوع أو ذاك من الاعلام.
وإستبشرت فئات عديدة من الاعلاميين والسياسيين وغيرهم بالمتغييرات السياسية التي شهدها العالم باختفاء الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتي واعتقادها بأن فجر الحرية الشخصية والاعلامية والسياسية قد إنبلج بزوال القيود التي كانت سائدة لعدة عقود من الزمن. وكان الحليف الطبيعي والرئيسي المنتظر هو عالم الديمقراطية الغربي والولايات المتحدة الاميركية. ومنذ التسعينات كانت الحرية السياسية والاعلامية والشخصية هي رأس الحربة في الترويج والتبرير للحملات السياسية والثقافية وحتى العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا في أنحاء مختلفة من العالم وأبرزها حرب أخراج القوات العراقية من الكويت وحرب تفتيت يوغسلاقيا وتدميرها وبعد ذلك تدمير أفغانستان وغزوها وتدمير العراق واحتلاله. كل ذلك جرى باسم نشر الديمقراقية ودعم حرية التعبير والرأي وحق الاختيار والتمثيل الشعبي وحملة مناهضة التشدد والتطرف والتعسف والدكتاتورية وقوى "التخلف والظلام" التي أثبتت الحملات الغربية البريطانية الاميركية أنها جميعها "قوى عربية واسلامية".
وفي هذا الاطار الجديد من المفاهيم التي كان يسوقها الغرب، والتي خدعت الكثيرين من ذوي المهنة أو السياسيين وعموم الناس، برزت وسائل اعلام تلفزيونية اذاعية صحفية مكتوبة في أنحاء متفرقة من العالم. غير أن زيف المزاعم الغربية الاميركية بالحرية والديمقراطية سرعان ما انكشفت من خلال الازدواجية في الممارسة والتطبيق والمواقف السياسية وسائل الاعلام التي طبقت المهنية والحرية الاعلامية المسؤولة والتزمت المصداقية في نشر الاخبار والتقارير وتحويلها الى خدمة في متناول عموم المستمعين والمشاهدين والقراء. ولعل الجهتين الوحيدتين المتداخلتين اللتين أبرزتا الزيف الغربي الاميركي هما العراق وقناة الجزيرة. وقد نكون نحن معشر العرب العاملين في الاعلام الغربي أول من نبه الى الازدواجية والزيف في الطروحات الغربية بحكم الاطلاع على ديناميكية المصالح والاطماع الغربية في لعالم العربي والاسلامي. لكن الاعلام الرسمي العربي والحكومات العربية المرتبطة بالغرب والولايات المتحدة كانت دائما تردد ببغاويا المزاعم عن الحرية والديمقراطية.
وتتحدث وسائل الاعلام الغربية والسياسيين الغربيين والاميركيين باستفاضة منذ فترة ليست بالقصيرة عن زيف وكذب المزاعم البريطانية الاميركية التي ساقتها لتبرير غزو العراق واحتلاله وتدمير دولته وحضارته وكيانه. واكد آخر التقارير الاميركية أن أكثر من ستمئة ألف وخمسمئة مدني عراقي قد قتلوا منذ الغزو الاميركي البريطاني الذي ساهمت فيه وساندته دول عربية رئيسية بينها الكويت والاردن ومصر والسعودية. قتل مئات الالاف من المدنيين العراقيين لمصلحة المشروع الاميركي البريطاني الذي لبس عباءة الديمقراطية والحرية.
وقد أماط الموقف البريطاني الاميركي من قناة الجزيرة الفضائية التي أرست دعائم الحرية المهنية في الاعلام العربي، اللثام عن جميع الاقنعة البريطانية الاميركية الزائفة التي كانت تغطي مشروعها السياسي الاستراتيجي. ففي الحرب على أفغانستان عام 2001 هاجمت الطائرات الاميركية عمدا مقر قناة الجزيرة في العاصمة كابل وفي غزو العراق قصفت الطائرات الاميركية، باسم الديمقراطية والحرية والليبرالية الاعلامية، مقر قناة الجزيرة في العاصمة بغداد فاستشهد الزميل طارق أيوب. وقد نفت الحكومة البريطانية محتويات مذكرة سرية تسربت قبل أشهر عديدة تشير الى مناقشة الرئيس الاميركي جورج بوش، راعي الديمقراطية والحرية الجديدة، وتوني بلير، رئيس وزراء بريطانيا، أعرق ديمقراطية في العالم، لاحتمال استهداف قناة قصف مقرات قناة الجزيرة "لأن مصداقية أخبارها" تهدد المشروع الاميركي البريطاني. ولم تكتف الحكومة البريطانية بالنفي بل انها اعتقلت الموظف الذي سرب المذكرة الى أحد أعضاء البرلمان البريطاني.
غير أن تأكيدات وزير الداخلية البريطاني السابق ديفيد بلنكت قبل أيام، بأن قصف مقر قناة الجزيرة في العاصمة العراقية نوقش في اجتماع مجلس الحرب البريطاني، لم تترك مجالا، ولو ضئيلا، للشك بان دعاة الديمقراطية والحرية والمصداقية الاعلامية في بريطانيا والولايات المتحدة غير معنيين بأسس الفكر الديمقراطي والحرية. أنهم مصممون على إسكات صوت الحرية والمصداقية عندما تتعارض المصداقية مع خططهم الاستراتيجية بالسيطرة على المنطقة. د. عبدالهادي التميمي
كاتب وأستاذ جامعي