في فلسطين: هل يعود الرشد إلى من فقده؟

بقلم: شادي جابر

ما إن غادر وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني الأراضي الفلسطينية حتى ظهر نبيل عمرو المستشار الإعلامي للرئيس الفلسطيني محمود عباس معلناً فشل المبادرة القطرية، ومحمّلاً حماس مسؤولية هذا الفشل. عمرو هدّد أيضاً بقرارات وخيارات سيتخذها الرئيس عباس بينها تشكيل حكومة طوارئ أو إجراء انتخابات مبكرة.
الغريب أن أحداً لم يعلن فشل هذه المبادرة التي يمكن أن تشكل أساساً فعلياً للتوافق على حكومة الوحدة سوى عمرو وبعض أعضاء فتح. وإذا أضفنا إلى هذا الاستعجال في إعلان فشل المبادرة تأكيدات المستشار الإعلامي بأن الحوار بين الفصائل الفلسطينية من جديد هو أمر غير عملي وغير مفيد بعد الآن، ثم وصف نواب من فتح حكومة حماس بالفاشية والإرهابية.. فإن شكوكاً كبيرة وعلامات استفهام تتبدى في الأفق حول جدية فتح في المضي قدماً بمباحثات تشكيل حكومة الوحدة.
على الجانب الآخر أعلنت حماس في أكثر من مناسبة وما زالت تعلن أنها مع تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس وثيقة الوفاق الوطني التي قبلت بها ووقعت عليها جميع القوى والفصائل الفلسطينية بما فيها حركة فتح والرئيس عباس، وهذا ما أشار إليه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في كلمته الرمضانية قبل أيام حين أكد أن المخرج الحقيقي من الأزمة الحالية هو المبادرة سريعاً لإقامة حكومة وحدة تستند إلى أسس وطنية، كما لم يتردد مشعل بالإشادة بتاريخ حركة فتح النضالي ووصف أعضاءها بشركاء النضال.
انطلاقاً من هنا.. وكي لا يبدو الأمر تحيزاً لأحد الفريقين.. نتساءل هل من المعقول أن يتحول شركاء النضال بالأمس إلى متصارعين على السلطة وعلى القرار السياسي اليوم؟ إن ما يجري في فلسطين هذه الأيام بين فتح وحماس لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخدم لا القضية الفلسطينية ولا الشعب الفلسطيني ولا حتى فتح ولا حماس نفسهما.. وإنما هو تصفية لهذه القضية وتضييع للحقوق المشروعة لـذاك الشعب. ما يجري ليس أكثر من خدمات مجانية وهدايا ثمينة لعدو الفلسطينيين الأول إسرائيل. فمن المؤكد أن إسرائيل لم تكن تنتظر في هذه المرحلة وضعاً أفضل مما هو حاصل فعلياً على الأرض بين الفلسطينيين.. خاصة بعد أن تكررت الاشتباكات بين عناصر من فتح وحماس، وفشل الحركتين في التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة وحدة وطنية أو ائتلاف وطني.
المباحثات المطولة التي أجرتها فتح وحماس قطعت مراحل وأشواطاً متقدمة وفقاً لما أكده مسؤولون من الحركتين، قبل أن تتعثر وتنهار فجأة مفسحة المجال لإطلاق السجالات وتوزيع الاتهامات بين الفريقين، ليجد الفلسطينيون أنفسهم أمام النفق المظلم القديم الجديد.
الوضع اليوم في الأراضي المحتلة أصبح صعباً شديد التعقيد، فوطأة الحصار تشتد على الشعب الفلسطيني يوماً بعد يوم، والرواتب تتأخر شهراً بعد شهر، والاحتقان الأمني يسيطر على الساحة، وشبح الاقتتال الأهلي والفتنة يخيّم على المناطق والمخيمات الفلسطينية.. وإذا أضفنا إلى كل ذلك الحرب الإسرائيلية المفتوحة على الفلسطينيين نصبح أمام مأساة حقيقية يعيشها الشعب الفلسطيني بجميع مكوناته.
المفارقة أن المحن تزيد الناس وحدة وتآلفاً وتكاتفاً، وتذوّب الخلافات أو تخفّف من حدتها إلى حدّ كبير.. أما في الحالة الفلسطينية فلا نكاد نلحظ أي شكل من أشكال الوحدة وكأن الوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني لا يكفي لنبذ الخلافات والصراعات السياسية والتوافق على برامج مشتركة تخدم المصالح الوطنية!.
ماذا ينتظر الفرقاء في فتح وحماس كي يتفقوا؟ على الأقل حول الخطوط العريضة والمصالح المشتركة لوطنهم ولشعبهم.. أليس القهر والظلم والحصار والاحتلال كافياً ليقف الفلسطينيون كل الفلسطينيين وقفة رجل واحد، ويعلنوا الشراكة السياسية بعد أن كانوا شركاء النضال بالأمس، فيتحمل الجميع مسؤولياتهم لتجنب الوقوع في هذا الفخ الكبير المدمّر الذي نصب لهم.
الآن.. وبعد كل هذا النضال وكل هذه الدماء والتضحيات هل يمكن أن يعود الرشد إلى من فقده فتنتصر حكمة الحكماء على حماقة الحمقى وجهالة الجهلاء؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة.. فالأمل كل الأمل بأن يتحلى الجانبان بروح المسؤولية ويُقدّمان المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة من أجل فلسطين وفلسطين فقط. شادي جابر Shadi2000sa@yahoo.com