احمد الواصل.. شعر بين حرارة الشعري وبرودة الفكري

بيروت
شعر الواصل يشبه الزئبق

في مجموعة الشاعر السعودي احمد الواصل الاخيرة نجد ترجّحا بين حرارة تجربة تطل في اشكال شعرية حينا وبرودة تكاد تطل حينا اخر بما يشبه البرودة "المعدنية".
وفي مجمل قصائد المجموعة اتجاه الى ترميز يحرك القارئ حين يأتي ملتحفا بغمامات شعرية دافئة ويتحول حينا اخر الى شبه عمل عقلي حين تجري تعبئة الرموز فيه باعمال او تساؤلات عقلية.
المجموعة التي حملت عنوانا هو "مهلة الفزع.. سلوى لغير هذا الليل النجدي" صدرت عن "دار الانتشار العربي" في بيروت وجاءت في 125 صفحة متوسطة القطع.
والواصل شاعر مثقف له مجموعتان شعريتان سابقتان ودراسة في شؤون موسيقية. قبل قراءة القصيدة الاولى نمر باهداءين الاهداء الاول جاء كما يلي "الى مخلصي.. انسي الحاج" والثاني "الى مصرخي.. ناصر بوحميد".
وحين يلجأ القارئ الى بعض ما حمله الكتاب من كلام في الشاعر وشعره قد يجد هذا القارئ نفسه عوضا عن مزيد الاقتراب من نتاج الشاعر اكثر ابتعادا عنه. فما كتبه الدكتور سامي ادهم وحمله الكتاب في داخله وعلى دفة غلافه الثانية يكاد يكون اشادة بالذات ويبدو كانه يحول الشاعر الى شاهد ومؤكد لما يصفه الناقد واستاذ الفلسفة ادهم بانه "مشروعه الفلسفي".
ما كتبه ادهم قد يثير في نفوس بعض القراء مزيجا من المشاعر والتساؤلات منها ما يتعلق بالتواضع الفكري وزئبقية المعاني التي تحملها بعض المصطلحات. يقول "شعرت من خلال القراءة المتمعنة بانك قريب من مشروعي الفلسفي وانك تبحث في شعريتك خلف الكثرة اللغوية عن الواحدي وليس الواحد. ان جوهر الشعرية هو "الواحدي" وليس الواحد او التوحيد. هو الرؤية التي تتراءى في الليل في رحم الدلالات والمعنى.. اذ ليست الفلسفة بحثا عن معنى شارد او معرفة ضائعة بل هي تصويب نحو الواحدي المتواري في الكاوس العدمي".
ننتقل بعد ذلك الى قصائد الواصل ليثور في النفس تساؤل هو.. من ظلم الاخر فلم يستطع ان يضيء نتاجه بل قد يكون زاده زئبقية واختفاء.. الشاعر ام الفيلسوف..
في قصائد الواصل لا نجد خطرات فلسفية غير مسبوقة في مجملها ولا شعرا كلي الجدة من حيث الشكل او ما سمي بالمحتوى. اننا نلتقي في هذا وذاك اسلافا من الشعراء وغيرهم ونلمح في بعض جديده ملامح آخرين. وافضل ما يكون الواصل حين لا يبدو عليه انه يسعى الى التفلسف متعمدا.
شعر الواصل خليط من قصيدة النثر في ارسالها المطلق حينا وبعض التقفية غير السهلة حينا اخر.. ومزيج بين هذا وذاك وغيرهما احيانا.. وكل ذلك ليس من الامور غير المسبوقة شكلا. الا ان الشاعر جاد وبعيد عن الاستسهال.
في قصيدة "هجرة الالف حياة" يتحدث عن "الصلب" اي قبائل ابناء غانم غير المعروفة النسب فيقول "صلب نجد سرقوا عشرين سورة/ والف "بسم الله"/ يبيعون ملابسهم للريح وتيه المشيئة/ يرسمون حياة عاشها الاجداد/ قبل الهبوط".
نقرأ في "اولى الهجرات" نفسا وخطابا يحملان الينا الشاعر الكبير الراحل محمد الماغوط في "سلميته" وكذلك في "دمشقه".
يقول الواصل "نجد/ يا سكيرة البدو/ يا مومس الشتات/ مصامك الزمن تلوح ضاحكة البكاء/ على الاسمنت والاسفلت/ ادمى الحجر فخذي وشعيرات راسي المنزوع/ يحمله بناني المكسور".
في "الهجرة الثانية" يبقى الماغوط يرافق القارئ والقصيدة. يقول "نجد/ يا مملوعة النزوح/ صلبوك باكتافهم ستون امرأة واشباح رجال/ منذ مئة عام يحتفلون بك لهم/ والهاربون بشراييني/ اسمع لحسراتهم وارى الورود الحزينة/ ناظرة طريق هجرة الالف حياة".
في "نص عابر" ومن وحي فيلم "شكسبير عاشقا" وفي نمط كتابة بشكل مختلف قليلا يقول "كثيرا ما تاكدت لحظتها ان فقدت كونا من فضاء/ لم اجدك الان تمرح. غير ليل يحجب بيننا/ ليس اعتذارا/ ما كنت ابقى/ ان احرم جسدي جسدك/ ليس اعترافا/ ما كنت اشقى/ ان تبقى روحي روحك".
في قصيدة لامرأة التقاها في مقهى يقول "تخرجين من السماء/ لارسم اليك مدرجا اليها/ لشيء لا اسميه لو كان بلون الرحيل/ ورائحة الشوق تمسكني/ اذرع الوقت بصفير الانتظار/ يحملني قدح المساء/ تحملني طاولة عشاق يحميها الغبار الف موعد".
في "مجامري" يقول "زلازل او اغنيات تكتشف/ هذياني برنين ضحكتك في الهاتف/ مساء يغرقني في انتظار ساحق/ ومجامري تعلو بشذا النحيب/ لجلد نفترسه شهادة الانين/ انادي بك لي وانخلع لان السماء معلقة".