هل تحمل زيارة رايس أي معاني استراتيجية؟

بقلم: كاظم محمد

بعد أن قلبت الولايات المتحدة صفحة الاصلاح الديمقراطي والتطبيل له على انه بلسم اميركي لكل علل بلدان الشرق العربي، عادت من جديد لنهج احتضان انظمة هذه البلدان، التي طالبتها بالإصلاح والتجديد والتغيير، بعد ان اجبرتها تداعيات سياساتها الفاشلة على بلع كل تبجحاتها الكاذبة عن دورها الحاسم في دمقرطة كل الشرق الاوسط، كبيره قبل صغيره، في محاولة منها للملمة الدور الذي لم يشهد تدهورا اكثر مما هو عليه!
وحتى تستقيم الامور وتبقى تحت السيطرة وجدت اميركا نفسها بمنأى عن ماكانت تدعيه في الظاهر فعادت ادراجها لتعزيز حبل الوصال الذي عمره ما انقطع بينها وبين اعتى الانظمة الاستبدادية في المنطقة، فكيفت طروحاتها غير المتسقة نحو خيمة تغطي بها على حقيقة دورها الداعم للتخلف والاستبداد والجهل والتشوه فكان الاعتدال محطتها وخيمتها التي لا تستر حتى عورة اصغر نظام استبدادي من حلفائها في هذا الشرق المبتلي.
ان اللقب الجديد "بلدان الأعتدال" هو تخريجة مبتذلة للورطة الاميركية التي عبرت عنها خير تعبير الزيارة الاخيرة لرايس التي وصفتها بأنها نجحت في تشكيل تكتل المعتدلين بمواجهة الأرهابيين والمتطرفين!
أن الزيارة الاخيرة لرايس، ليست فقط انها لم تخرج عن اطار السياسة الاميركية المعروفة، بل انها اكدت الفشل والتعثر في استثمار محاور السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، وكشفت عن استمرار هذه الادارة بهروبها الى الامام، واماطت اللثام عن عجلة هذه الادارة من امرها امام متغيرات واستحقاقاتٍ قادمة في العراق وفلسطين ولبنان، اضافة الى ميدان المواجهة المؤجلة مع ايران، وفي الوقت الذي تعززت فيه القناعات الشعبية عامة باثر المقاومة وضرورتها خاصة بعد تطورات ما بعد الحرب الاخيرة، فأنها اصابت حتى بعض المعتدلين بخيبة أملٍ من هذه الزيارة، لضعف التطابق بين القرائتين الاميركية والرسمية العربية لبعض الانظمة، في طبيعة المتغيرات القادمة ودرجة اتساعها وحجم تأثيرها على استقرار وبقاء هذه الانظمة ومصالحها.
لقد كان واضحآ ان رايس كانت تريد تأكيد نهج سياسي ومعالم استراتيجية معروفة لأدارتها، وبنفس الوقت فأنها نقلت رسائل سياسية ذا مغزى، تتعلق بديناميكية استمرار هجومها الاستراتيجي المتعثر والمتأزم والذي ينذر في بعض محاوره بخسارة او هزيمة قد تؤدي إلى انهيار كامل لمشروعها الكبيروما يعنيه ذلك من تداعيات تأريخية، بأنحسار القطبية الاميركية وضمورها، مع اهمية الاشارة الى ان بوادر تأثير اتساع المد المعادي والمناهض لسياسة طغمة الحرب الاميركية، قد كشفت استراتيجات عدد من الدول الناهضة والساعية الى انهاك الغول الاميركي في مازق حروبه الاستباقية واهدافها في افغانستان والعراق، اضافة الى اللطمة التي تلقاها في لبنان وكيله الاسرائيلي، لذلك كرست وزيرة الخارجية الاميركية دعوتها لدول الاعتدال بدعم التوجهات الاميركية وبرغبة واشنطن في:
 أسقاط حكومة حماس أو تغييرها، ودعم ابومازن في قراراته الصعبة القادمة، والتي ربما تؤدي الى صراع داخلي وازمة دستورية وسياسية يصعب التكهن بتداعياتها، حيث تعرض رئيس السلطة الفلسطينية اثناء زيارته الاخيرة لواشنطن لضغوطات بشأن حكومة الوحدة الوطنية مع حماس والتي يجب ان تلبي مطالب الرباعية الدولية وواشنطن في الاعتراف بأسرائيل والالتزام بالاتفاقات السابقة والتي ضربتها اسرائيل عرض الحائط، ان هذه الاشتراطات تدخل في سياق تكريس الحصار السياسي والاقتصادي المفروض على الحكومة الفلسطينية المنتخبة ديمقراطيآ، والذي يترافق مع تحرك داخلي مطلبي تلعب فيه بعض مراكز القوى الفتحاوية دورآ، اضافة الى الوساطات التي تقوم بها دولة قطر، لمضاعفة الضغط بأتجاه التغيير المقبل لهذه الحكومة، والتي تعتقد الادارة الاميركية واسرائيل بأنه سيسهل امرار التسويات المطلوبة، بأسقاط حلقة من حلقات الممانعة والمقاومة في المنطقة، وادخال الهيكلية الفلسطينية القادمة في تكتل "الاعتدال" الاميركي.
 ترجيح كفة "المعتدلين" في لبنان وتقوية حكومته بمواجهة حزب الله والمقاومة اللبنانية، واعلام "المعتدلين" العرب بأن مهمة اليونيفيل في لبنان "ستتطور" لتأخذ على عاتقها المساعدة في ذلك، والمطلوب من هذه الانظمة المعتدلة ان تساهم في دعم واعمار لبنان "سياسيا" من خلال دعم الامتدادات النخبوية والطائفية وخاصة السعودية في لبنان لمحاصرة وتقزيم القوة السياسية والعسكرية لحزب الله.
 زيادة الضغط على سورية وسحبها للتعاون، تحت اغراء ان الادارة الاميركية بصدد طرح مشروع كامل لحل وانهاء النزاع السوري الاسرائيلي والفلسطيني الاسرائيلي.
 ان يساعد ويعمل "المعتدلون العرب" وخاصة السعودية والاردن، بدعم وترسيخ حكومة الاحتلال في بغداد ودفع العرب السنة، وخاصة الاوساط التي التي لم تنخرط في العملية السياسية لللأحتلال للمشاركة في مؤسسات الحكومة والانخراط في اللعبة السياسية للمحتل، والذي ربما سيساعد في وضع حدٍ لللأنهيار الجاري وعلى كافة الاصعدة في العراق المحتل.
لذلك كانت زيارة رايس المفاجئة لبغداد، تأكيدا على عمق الكارثة التي اوجدها الاحتلال واعلانآ على ما يشهده العالم ومنذ اكثر من ثلاث سنوات، من فشلٍ سياسي وعسكري ومن مأزقٍ متأزم لطغمة الحرب الاميركية في العراق، والتي يصعب ويعز عليها، بعد ان جربت العديد من البدائل والخيارات، أن ترى نورآ في نهاية نفقها العراقي.
ان ادراك الادارة الاميركية بدنو وبقرب استحقاقاتٍ عديدة، دفع رايس لأصدار الأوامر السياسية وتحديد المهل الزمنية "لحكومة السيادة" الدائمية في بغداد وتأكيد الموقف الحازم لبوش في مكالمته الهاتفية ورسالته الشفهية التي نقلها زلماي خليل زادة لرئيس وزراء حكومة الاحتلال بأيقاف التدهور الجاري وحل المليشيات الطائفية، اضافةً إلى قرصها أُذن رئيس اقطاعية الشمال وحثه على التنازل لصالح الحكومة المركزية.
لقد حاولت رايس وخلال وجودها في اسرائيل، ابراز الدعم الكامل للحكومة الاسرائيلية، ولم تأتي على نتائج وتداعيات الحرب العدوانية على لبنان، رغم ان هذه الزيارة ولغير اسبابها المعلنة، هي جزء من التحركات والرسائل السياسية لما بعد الفشل الصهيواميركي في كسر الحلقة اللبنانية وتصفيتها عسكريآ وضرب مقاومتها وفتح الافاق امام مشروعها الشرق اوسطي، في محاولة للالتفاف على النصر الميداني الذي حققته المقاومة اللبنانية ونجاحها في افشال اهداف الحرب الاخيرة التي قادتها وبكل امتياز الادارة الاميركية، وأحتوائه سياسيا.
لذلك كانت الحاجة ماسة لترميم ولملمة تداعيات المتغيرات الاخيرة، خاصة مع انظمةً تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه، بعد ان انكسرت هيبة واسطورة الجيش الاسرائيلي وخلق نوع من الردع العسكري المناسب وانتعاش المزاج الشعبي المقاوم وتعمق الهوة بين ارادة شعبية واسعة عنوانها التصدي والمقاومة والتغيير، وبين سياسة الخنوع والاستسلام.
ان هذه الزيارة بمضمونها وتوقيتها لاتحمل اي معاني ذات وزن استراتيجي سوى محاولة بائسة في منحى سياسي جديد، سيسوق لطرق الباب السوري، عبر التلويح بجزرة المفاوضات حول الجولان المحتل وفق الرؤى والشروط الاسرائيلية المتعلقة بجغرافيا امنها الاستراتيجي، وفك الارتباط مع حزب الله وايران وتحقيق المطالب الاميركية بخصوص العراق، والذي على ارضه ومنه سُترسم معالم الخريطة السياسية الاقليمية ومتغيراتها، اذا احسنت القوى المقاومة والمناهضة للأحتلال المقيت وافرازاته ادراك شروط الانتصار ومقوماته. كاظم محمد