عطر البرتقال الأخضر: عندما يتحول الماضي إلى وسيلة للتطهر

بقلم: محمود الغيطاني
ضغط الذكرى والشعور بالذنب

في مشهد روائي شديد الأهمية والصدق تسأل "سحر بدوي"- الباحثة في أحد المراكز البحثية- الروائي "يوسف البحراوي"- المعتزل للحياة وموضوع البحث الذي تقوم به- هل يستطيع الإنسان أن يعوض ما فرط فيه من قبل؟
علّ هذا السؤال الجوهري الهام في بداية رواية "عطر البرتقال الأخضر" للروائي "شريف حتاتة" يمثل لنا حجر الأساس والمفتاح الرئيس الذي تبنى عليه هذه الرواية، والذي نستطيع من خلاله دخول هذا العالم الروائي العريض والثري الذي اختاره الروائي لروايته، بل إن هذا التساؤل الهام لا بد أن ينسحب خارج حدود الرواية كي يفرض نفسه بالتالي كتساؤل جوهري على قارئها ومن ثم نوجهه نحن أيضا لذواتنا؛ لاسيما أننا إذا لم نستطع الإجابة على مثل هذا التساؤل الخطير، لابد أن تكون المحصلة النهائية لحياتنا هو أن نحبس أنفسنا داخل الماضي الذي لا يفتأ يضغط علينا بشكل سادي لينتهي بنا الأمر في النهاية إلى الاستسلام له، علّ هذا الاستسلام يكون وسيلة من وسائل التطهر مما اقترفناه بأنفسنا وبالآخرين، إلا أننا إذا ما وصلنا إلى مثل هذه الحالة الكابوسية لابد أن يؤدي هذا بنا بالضرورة إلى صنع العديد من العوالم الافتراضية الموازية للواقع، وبالتالي يكون ذلك سبيلا للخروج تماما من الحياة إلى حياة أخرى لا معنى لها سوى الوحدة والعدم مثلما حدث تماما مع الروائي "يوسف البحراوي" بطل هذه الرواية والذي ظل يعيش دائما في عطر ذكرى ماضيه لتكون هذه الرواية "عطر البرتقال الأخضر" أو عطر الماضي الذي لا ينتهي، بل يظل يطارده إلى أن يقضي على ما تبقى من حياته.
ولعل ما يؤكد مثل هذه النظرة انتهاء الرواية بذات السؤال الذي وجهته له "سحر بدوي" حينما قالت "هناك سؤال وجهته إليك في أول لقاء لكنك لم ترد عليه أبدا، هل يستطيع الإنسان أن يعوض ما فرط فيه من قبل؟".
مثل هذا التساؤل الذي ابتدأت ومن ثم انتهت به الرواية لابد أن يستدعي بالضرورة العديد من التساؤلات والتأملات والمشاهدات والأحداث الهامة التي زخرت بها هذه الرواية في أسلوب روائي رشيق ومحكم، مع الاهتمام باستخدام تقنيات سردية وروائية هامة، حرص من خلالها الروائي "شريف حتاتة" على رصد الكثير من التفاصيل التي زخرت بها فترة الحكي المصاحبة لفترة السبعينيات. عرض الرواية ولأن الدخول إلى العالم الروائي لهذه الرواية يستدعي بالضرورة التعرف على أجوائها؛ فسوف نحاول عرضها عرضا سريعا لنرى "يوسف البحراوي" الروائي الذي اختار اعتزال الحياة الثقافية، بل والحياة العامة أيضا لأسباب مجهولة، إلا أن هذه الأسباب ستتكشف لنا رويدا من خلال ثنايا الحكي الروائي حينما تحاول إحدى الباحثات "سحر بدوي" إقحام نفسها على حياته الخاصة نظرا لأنها تعد بحثا لنيل درجة الدكتوراه عن حياة الكتّاب والروائيين، وبالرغم من إعراضه عن التعاون معها في البداية إلا أنها تظل تحاول معه كي يرضخ لرغبتها في نهاية الأمر ومن ثم يبدأ يحكي لها نظرا (لأن أسئلتك أعادتني إلى الحكي، وفي الحكي معك أجد متعة لم أعرفها منذ سنين) كما يقول هو، وهنا تبدأ شخصيات الرواية في التكشف لنا، سواء من خلال الحكي "لسحر بدوي" أو من خلال التذكر والحياة داخل دائرة الذكرى القاتلة التي باتت تمثل له حياة داخل الحياة الواقعية التي يحياها، فنعرف أنه كان مصابا بأحد الفيروسات الكامنة في الكبد وأن صديقه الصحفي الدكتور "حلمي طرخان" الحاصل على الدكتوراه من روسيا يسعى لمساعدته في العلاج على نفقة الجريدة حينما يعمل على إعارته "لمؤسسة الدراسات الاشتراكية" في "براغ" كوسيلة لتغطية نفقات العلاج، ثم لا يلبث أن ينقلنا إلى اشتراكه في المظاهرات التي وقعت حينما قررت حكومة السادات رفع الأسعار في السبعينيات ومن ثم يتعرف في تلك الليلة على "سحر العمري" التي تعد لرسالة دكتوراه في علم النفس بالإضافة إلى كونها عازفة عود مع إحدى الفرق الموسيقية والتي ستصبح فيما بعد زوجته، ويحاول صديقه القديم "حلمي طرخان" الاتصال به بعد فترة طويلة من الغياب لأنه قام بإصدار جريدة يومية ومن ثم يحتاجه معه للكتابة فيها؛ فيذهب إليه في مكتبه وهناك يتعرف على "نرمين الصباغ" التي يصفها بقوله "امرأة بعينين خضراوين وجسد أبيض خلق للجنس" وبالفعل يقع في حبائل كل من "نرمين الصباغ"، "حلمي طرخان" اللذين يتخذانه كوسيلة للاشتراك في لعبة سياسية ومنافع متبادلة بينهم وبين السلطة لا مصلحة له فيها، إلا أنه يكتشف ذلك بعد فوات الأوان بالرغم من تحذير زوجته الدائم له، لكنه لا يكتشف ذلك إلا بعد أن يكون اهتمامه الدائم "بنرمين الصباغ" وإهماله لزوجته سببا أساسيا في انهيار حياته الزوجية ومن ثم لا ينتبه لإرهاصات ومقدمات إصابة زوجته بسرطان الثدي؛ فيكون ذلك الموقف سببا في مراجعة أوراقه وبالتالي يستقيل من جريدته ويكتشف أنه كان سببا- سواء من قريب أو بعيد- في مرض زوجته كما أخبره الدكتور الهولندي "برتس والدنباخ" حينما أكد له أن هناك علاقة وثيقة بين الحالة النفسية والإصابة بمرض السرطان، ونظرا لأن المرض وآلامه اشتدت على زوجته وبالتالي لم تعد تهدأ سوى بالمسكنات القوية، ونظرا لأنها ألحت عليه كثيرا في إعطائها جرعة كبيرة من المخدر كي تنهي بها حياتها وبالتالي آلامها، فانه يرضخ لذلك ويتفق مع الطبيب الهولندي الذي ينهي الأمر، إلا أنه يظل ما تبقى له من العمر يحيا أسيرا للذنب نظرا لأنه يرى أنه السبب الرئيس في قتلها، ليس لكونه حقنها بالمخدر ولكن لأنه يرى كونه السبب في إصابتها بالسرطان، ولكن بالرغم من دخول "سحر بدوي" إلى حياته ومحاولة إخراجه مما هو فيه إلا أنها تفشل؛ وبالتالي يظل حبيسا لماضيه الذي يستخدمه كأداة تطهيرية لما يشعر به من ذنب تجاه زوجته. تحولات سياسية واجتماعية نظرا للخبث السياسي اضطراب الرؤية في بعض الأحيان لدى الرئيس الراحل "السادات" حينما حاول ضرب التيارات الأيدلوجية ببعضها البعض ومن ثم محاولته التحالف- ولو ضمنيا- والوقوف إلى جانب المد الديني الممثل في الجماعات الإسلامية في مقابل ضرب الاتجاه الاشتراكي والمد الشيوعي الذي بدأت شوكته في التعاظم، ومن ثم كانت النتيجة ازدياد نفوذ هذا التيار الديني وتعاظمه، إلى أن انقلب على السادات نفسه، أو كما نقول (انقلب السحر على الساحر)، ولأن هذه الأحداث وغيرها تآزرت مع بعضها البعض في فترة تحول اجتماعية وسياسية هامة ميزت عمر هذه المرحلة؛ فلقد حرص الروائي "شريف حتاتة" من خلال روايته على رصد الكثير من هذه التحولات الاجتماعية والسياسية الخطيرة، فيسوق لنا بذكاء موقفه مع ابن عمه- ضابط الجيش الذي تم الاستغناء عنه بسبب زوجته الأمريكية وانتماؤه لإحدى الجماعات- حينما يقول له موبخا (ما أصابك سببه الكلام الشاذ الذي دأبت على كتابته في المجلة الملعونة التي تنشر فيها يومياتك، اتق الله يا أخي وارجع عما أنت فيه، خذ معك بعض التواشيح ستدخل على قلبك السلام وتعدك للقاء ربك، فهذا هو مصيرنا جميعا) في تفسير غيبي لسبب مرض" يوسف البحراوي" وكأنه يريد القول لو رجعت إلى الله لما أصابك هذا المرض!
كما يرصد لقاء السادات "ببيجين" بشكل فيه الكثير من الذكاء والخبث الروائي حينما يحرص على عدم عرض وجهة نظر المثقفين وموقفهم إزاء ما حدث، بل يعرض الأمر من خلال وجهة نظر رجل الشارع العادي الذي يفتقر إلى الكثير من الاحاطة بالأمور وبالتالي يفسر الموقف تبعا لأهوائه واحتياجاته الخاصة حيث يقول له بائع الجرائد (نهارك فل يا باشا، جرنانك أهه شايلهولك قبل ما يخلص، دا النهاردة يوم مفترج، من هنا ورايح مفيش حرب، حنخلص من الفلسطينيين ولاد الكلب دول اللي صرفنا عليهم دم قلبنا، واللا إيه رأيك يا أستاذ؟) في إسقاط على التفكير البسيط للعوام الذين لا يبغون سوى الانتهاء فقط من شبح الحرب، والذين يتم تشكيل ثقافتهم الخاصة من خلال الإعلام الحكومي الكاذب حتى ولو كان ذلك بالسلام مع إسرائيل أو عقد اتفاقية كامب ديفيد.
إلا أن أهم ما رصده "شريف حتاتة" من وجهة نظرنا كانت لعبة الفساد السياسي التي ما زالت مستمرة حتى وقتنا الراهن وكأنه يريد القول أنه بالرغم من بداية هذه اللعبة القذرة في السبعينيات إلا أنها ما زالت تمتد مستفحلة إلى أن صارت بشكلها الكريه الذي نراه الآن من تحول جميع الأحزاب والتيارات الأخرى بلا استثناء إلى أبواق وتوابع للسلطة وأصحاب مصالح متبادلة مع الحكم في لعبة مهينة تتم ممارستها على رجل الشارع العادي والبسيط الذي لا يفهم ما يدور حوله ولذا نرى "حلمي طرخان" في مكالمة هاتفية يقول (يا فندم النقد الذي ينشر في الجريدة موضوعي ومحسوب، فهو لا يمس النظام في جوهره، انه يهدف فقط إلى جعله أكثر قدرة على التكيف مع الظروف العالمية الجديدة) ثم يقول (لا يا باشا مستحيل، حاضر سنبحث الموضوع لنجد له توليفة ترضيك) كي يثبت لنا أن ما يكتب في الصحف مجرد رتوش وتجميل للعبة التي تتم ممارستها يوميا في الكثير من الأحزاب والصحف، ولذلك نرى "حلمي طرخان" صاحب جريدة "البراري" يتحول فجأة من مناضل يساري إلى رأسمالي ضخم يمتلك جريدة يومية كبيرة، ومبنى ضخما يساهم فيه بنسبة كبيرة ويدعي أنه مدافع عن الحرية والديمقراطية وما إلى ذلك من تلك المفاهيم التي يهتم بها اليسار، ولذا تتساءل "سحر العمري" (لست سياسية، لكن ما شأن رجل رأسمالي كبير بالحرية والديمقراطية الحقيقية؟) وبالتالي نراها تشعر بالقلق من كون وجود لعبة سياسية قذرة يتم فيها استخدام اسم زوجها فتقول له ذات مرة (قلت لك أنني لا أفهم في السياسة، لكنني أشعر أن ما كتبته جزء من شئ يخطط له دون أن تدري) لكنه لا يصدق قولها وإن كان يبدأ في الإحساس بصدقه من خلال الكثير من التلميحات، منها قول "نرمين الصباغ" (ستتعود يا عزيزي على الكتابة بسرعة، لكن بشرط أن لا تغضب من لا يجب إغضابهم) إلى أن يتم اغتيال السادات بعد أن قام بكتابة سلسلة طويلة من المقالات الساخنة والتي دفعه إليها "حلمي طرخان" بعد قيام السادات بحركة الاعتقالات الواسعة، وبالتالي تتكشف أمامه أصول اللعبة التي تم استخدامه فيها فيقدم استقالته قائلا "لسحر العمري" (كنت على حق، هناك لعبة قذرة كنت جزءا فيها، والآن لا أريد أن أستمر). مستويات لغوية متنوعة
ثمة ملاحظة هامة لافتة للنظر نراها في تلك الرواية، وهي قدرة الروائي "شريف حتاتة" على استخدام اللغة بمستويات مختلفة وذكاء فني وحرفية بالغة لاسيما لغة الحوار، فنراه حينما يكون الحوار بين مجموعة من المثقفين يكون الحديث بينهم بلغة المثقفين العادية البسيطة الدارجة دون استخدام الفصحى المتقعرة أو المهجور من الألفاظ، وبالمقابل حينما يكون الحوار مع الآخرين يتبسط تماما ليستخدم لغتهم العادية، نلاحظ ذلك في حوار "يوسف البحراوي" مع سائق التاكسي أو بائع الجرائد، كما توجد ملاحظة أخرى توقفت أمامها كثيرا لأهميتها البالغة ومن ثم أعدت قراءة العبارة أكثر من مرة، وهي قدرة الروائي على استخدام اللغة بشكلها الوصفي الدقيق بصورة شاعرية حتى لكأنه يفجر ما تحمله المترادفات من صور لنراها رؤية العين حين قراءتنا لها وكأنها شريط سينما يمر أمام أعيننا حينما يقول (توقف عن السير فجأة واستدار ليواجهها، ظلا واقفين والناس يمرون من حولهما كالماء حول جزيرة صغيرة في النيل) ولعلنا نلاحظ من خلال هذه الجملة قدرته التصويرية الفائقة، إلا أن الملاحظة الأهم تمثلت في كون الرواية شديدة التركيز؛ فلم نر أية تزيدات أو ترهلات وبالتالي إذا ما قمنا بحذف كلمة واحدة منها فهي بالتأكيد تخل ببناء الرواية، إلا أنه بالرغم من هذا التركيز تساءلنا كثيرا لما حرص الروائي "شريف حتاتة" ومن ثم أصر على جعل أم "يوسف البحراوي" أيرلندية وذكر ذلك أكثر من مرة داخل الرواية، بالرغم من أن ذلك لم يفد السرد الروائي في شئ على الإطلاق؟ رواية تستفيد بأسلوب السرد السينمائي علّ أهم ما يلفت النظر في رواية "عطر البرتقال الأخضر" والذي يعد بمثابة التميز الحقيقي من وجهة نظر خاصة، هو استفادتها كثيرا بأسلوب السرد السينمائي واستعارة تقنياته الخاصة، حتى أنها أوحت لي أثناء القراءة وكأنني أشاهد أحد العروض السينمائية أو كأن الرواية قد كتبت خصيصا للسينما وبلغة سينمائية خاصة، وإذا كان الناقد الفرنسي الإيطالي الأصل "ريتشيودو كانودو" كان أول من أطلق على السينما "الفن السابع" نظرا لأنها احتوت جميع الفنون السابقة عليها عام1923، فنحن نرى أن استفادة الفن الروائي اليوم- والذي نراه بشكل كبير في الكثير من الروايات الصادرة مؤخرا- من تقنيات السينما ولغتها الخاصة إنما هو تأكيد لمصداقية مثل هذا القول؛ فلقد حر الروائي "شريف حتاتة"- سواء كان متعمدا ذلك أم لا- على استخدام اللغة السينمائية كثيرا في روايته، فاستفاد أيما استفادة من أسلوب "المونتاج" حيث القطع المفاجئ من مشهد لآخر، وإعادة ترتيب المشاهد تبعا لأهميتها في السرد الروائي، بل وأظن في حذف ما رآه غير ضروري في سياق الرواية، فنراه متحدثا مع "حلمي طرخان" في الجريدة ليقول حلمي (أريد أن تثق في كلامي، ما أقدمت على هذه الخطوة ما لم أكن متأكدا من العواقب، بعد قليل لن تكون صوتا منفردا، نحن مقدمين على مرحلة جديدة) وفي السطر التالي مباشرة (كانت الساعة قد قاربت الثانية صباحا عندما عاد إلى البيت...) بدون وجود أية فواصل أو مقدمات أو إشارات إلى كونه انتقل من مشهد لآخر أو مكان لآخر، وهكذا سار على طول الرواية، كما نراه يستخدم كثيرا تقنية الفلاش باكflash back طوال مدة السرد الروائي حتى أننا نستطيع القول أن الرواية مبنية في الأساس اعتمادا على هذه التقنية، ولولاها لما استطاع الروائي تقديم مثل هذا السرد الجميل، ولما استطعنا معرفة السبب في أزمته التي يعاني منها، ولذلك نراه أحيانا يستخدم الفلاش باك بشكل معقد ومتداخل- أي فلاش داخل فلاش- ففي الفصل الثاني يتحدث عن ذكراه مع "سحر العمري" وكيف أن صوتها يأتيه في كل مكان، ثم لا يلبث الانتقال إلى أول ليلة تعرف عليها فيها، لينتقل من ذلك إلى ذكرى علاجه في مصحة "كارلوفي فاري" ببراغ، ليخرج من هذا إلى ذكرى وفاة والدته، ثم ذكراه مع "سحر العمري" حينما قرأت يومياته عن والدته وانتقدته في ذلك، وفجأة يعود من كل هذه الفلاشات باكات المتداخلة كالشبكة العنكبوتية إلى حيث بدأ وتعرفه على "سحر العمري" في أول لقاء بينهما، ولعل هذا الأسلوب المتداخل في السرد يحتاج إلى تركيز شديد من القارئ نظرا لعدم وجود علامات فاصلة أو إشارات لانتقاله من ذكرى إلى أخرى، كذلك يستفيد "شريف حتاتة" مما نسميه في السينما "تحليل المرئيات" وهو ما يتشابه إلى حد ما مع ما يسمى بالوصف في الرواية والتقاط التفاصيل، فنراه يقول (على الرخام الأسود للمنضدة، انتصبت أنية فخارية فيها زهور ابتاعها قبل يومين من صبي صغير وقف بها في الشارع أمام "السوبر ماركت"، سقطت أوراقها البرتقالية اللون فصارت تتفرس فيه بعيونها الصامتة) كما نراه يلتقط أمورا صغيرة مثل (حول عينيها لمح دائرتين من السواد المشوب بزرقة كأنها سهرت الليل) وما إلى ذلك من التفاصيل التي أفادت السرد الروائي كثيرا. العالم الافتراضي والخداع السردي الروائي ثمة تساؤل هام لابد أن يفرض نفسه علينا كلما استرسلنا في قراءة رواية "عطر البرتقال الأخضر"، حتى إذا ما وصلنا إلى الصفحة الأخيرة منها تحول هذا التساؤل إلى علامة استفهام ضخمة في حاجة ماسة إلى الإجابة عليها، ألا وهو، هل هذا العالم الذي قدمته لنا الرواية عالما واقعيا حقيقيا ملموسا؟ أو بمعنى آخر، هل هناك وجود فعلي وواقعي "لسحر بدوي
" الباحثة التي أقحمت نفسها على عالم الروائي "يوسف البحراوي"؟ أم أن الأمر لا يعدو أكثر من مجرد عالم افتراضي وهمي زائف تخيله "يوسف البحراوي" ومن ثم صدقه وعاش فيه نتيجة ضغط الذكرى والإحساس بالذنب؛ ومن ثم كان هذا العالم الافتراضي هو البديل الوحيد له للخروج من أزمته بدلا من الضياع وسط غياهب الجنون الذي لا بد سيصيبه لو لم يتخلص من فرط إحساسه بالذنب؟
وحتى لا نطلق الأسئلة والأحكام جزافا دعنا نتأمل العالم الروائي الذي قدمه "شريف حتاتة" لنتأكد من صدق ما ذهبنا إليه، يقول "يوسف البحراوي" في بداية سرده (عند الساعة الحادية عشرة والنصف تماما سيتوجه إلى الحمّام ليغتسل، ويدعك أسنانه بالفرشاة والمعجون، ثم سيرقد على السرير ويمد يده باحثا عن يدها في الظلام) لاحظ هنا أن "سحر العمري" التي يبحث عن يدها في الظلام غير موجودة أساسا لأنها قد ماتت، إذن فهو يعيش في الذكرى التي لا تنتهي، ثم لا يلبث أن يقدم لنا شخصية "سحر بدوي" الباحثة في أحد مراكز البحوث، والتي تتصل به لإجراء لقاء معه فيكون اسمها "سحر" أيضا مثل زوجته الراحلة، ثم نلاحظ قولها له( أتعرف، أنا مثل المرأة التي وصفتها في روايتك، أعشق غرس أسناني في قشرة البرتقال الأخضر) وسنعرف فيما بعد أن زوجته "سحر العمري" كانت تعشق فعل ذلك، نرى كذلك أن "سحر بدوي" تتميز بخصلة بيضاء تتخلل شعرها الأسود، وهذا ما لفت نظره إليها وهي بذلك تشترك مع زوجته في ذات الأمر، وكلتاهما كانتا في كلية الآداب وتعدان لرسالة الدكتوراه، وكلتاهما أيضا تحرصان على حمل حقيبة من الخوص، كما أن "سحر العمري" زوجته كانت تعد رسالة الدكتوراه الخاصة بها عن النساء اللائي يقتلن الرجال وحينما سألها عن سبب اختيارها لمثل هذا الموضوع الغريب ترد عليه (لأنه في يوم من الأيام كدت أن أرفع سكينا لأقتل أحد الرجال) بينما نرى "سحر بدوي" متذكرة من خلال السرد (ترى وجه صاحب المصنع يوم أن غرست السكين في يده، امتدت ليتحسس ما بين ساقيها)، كما أن كلتاهما كانت تعشق أكل الفطير المشلتت ولذلك كان "يوسف البحراوي" يتأمل "سحر بدوي" دائما حينما يراها تأكله، وفي مرة من المرات يسألها (هل تعزفين على العود؟) حيث كانت زوجته عازفة على العود، إلا أن "سحر بدوي" تعزف على آلة أخرى، ولكن المهم أن كلتاهما لهما اهتمام بالعزف على آلة وترية، كما أن كلتاهما لا تحب وضع مساحيق التجميل على الوجه، وغير ذلك الكثير من التشابهات والدلالات التي تدل على تماهي الشخصيتين اللتين قدمتهما الرواية إلى حد التطابق أحيانا، حتى أننا قد لا نستطيع الفصل بين هذه وتلك، ولعل ما يؤكد لنا ذلك قوله (لماذا يحتفظ بذكريات إذا نسيها سيستريح، ذكريات حولت حياته إلى صور تصعد إلى ذهنه من جبها العميق ليعيش في كابوس أصبح أسيره؟) كما أن الرواية تنتهي باختفاء/رحيل "سحر بدوي" حينما تتركه بعد أن سألته سؤالها الذي وجهته له في أول لقاء بينهما (ظل واقفا حيث هو إلى أن اختفت داخل المصعد فاستدار وفتح الصندوق ليخرج البريد المتراكم فيه ثم خطا داخل الشقة وتردد في الصمت صوت الباب بغلق).
وهكذا يتبن لنا نجاح الروائي "شريف حتاتة" في تقديم رواية هامة تستحق الكثير من التأمل نظرا لما بها الكثير من التقنيات الهامة والحالة الروائية الجميلة التي حاول من خلالها القول كيف أن ضغط الذكرى والشعور بالذنب من الممكن أن يتحول بصاحبه إلى حالة تطهيرية، حتى لو تحول به الأمر إلى خلق عالم آخر لا وجود له، إلا أن الشكر الحقيقي لابد أن يوجه إلى دار الهلال التي حرصت على تقديم مثل هذا العمل الروائي الجميل. محمود الغيطاني