تواصل الجدل حول فتوى للقرضاوي تمس 'خصوصية المغرب الدينية'

الرباط - من زكية عبد النبي
استمرار أزمة القرضاوي والاقراض

أثارت فتوى اصدرها داعية اسلامي بارز للمغاربة بجواز الاقتراض من البنوك التقليدية جدلا واسعا حول خصوصية المغرب الاسلامية وهو جانب حساس في البلاد على خلفية ان الملك باعتباره "أمير المؤمنين" هو أعلى سلطة دينية في المملكة.

وكان الشيخ يوسف القرضاوي الداعية المصري المقيم في قطر قد أفتى أثناء زيارة للمغرب في سبتمبر/ايلول بأنه يجوز للمغاربة الاقتراض من البنوك التقليدية لتمويل شراء المساكن في غياب بنوك اسلامية في البلاد.
لكن ما أثار الجدل هو قوله انه في هذا الشأن "ما ينطبق على الاقليات المسلمة في اوربا ينطبق على الاخوة المغاربة"، وكان المجلس الاوربي للافتاء قد أباح للاقليات المسلمة في أوروبا شراء بيوت السكن عن طريق القروض البنكية مراعاة لظروفهم.

ورأى البعض في عبارة القرضاوي نفيا لهوية المغرب كدولة اسلامية فيما وجدها الكثيرون فرصة لمناقشة مدى فعالية سياسة اصلاح الشأن الديني الحكومية.

واختلف السياسيون والمحللون والفقهاء حول سياسة الحكومة الدينية بعد ثلاث سنوات من شروع السلطات في التسريع بوتيرة اصلاح الشأن الديني بهدف ما سمته تحصين الهوية الدينية المغربية من نوازع التطرف.

واعادت الفتوى الى الواجهة الحديث عن مدى نجاعة هذه الاصلاحات للوقوف في وجه التيارات التي توصف بالغلو خاصة في ظل العولمة والانفتاح على وسائل الاعلام.

وانتقد المجلس العلمي الأعلى فتوى القرضاوي وحذر من ان "المغرب الذي يتميز بالاعتدال الديني والوسطية" يخشى من "تأثيرات التيارات الدينية المشرقية التي توصف بالغلو في الدين خاصة مع الانفتاح الاعلامي".

وسارع المغرب الى وضع خطة لاصلاح الشان الديني بعد التفجيرات الانتحارية التي وقعت في مايو/ايار من عام 2003 والتي حملت السلطات المسؤولية عنها لجماعات متطرفة تتبنى افكار تيارات كالسلفية والوهابية.

وأعيد تنظيم بعض المؤسسات الدينية كالمجلس العلمي الاعلى(هيئة رسمية) كما أعيدت هيكلة وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالاضافة الى مراقبة المساجد واغلاق بعضها.

وقال محمد ضريف المحلل السياسي المختص في الجماعات الاسلامية ان"فتوى القرضاوي تستمد خطورتها من انها تريد ان تقول ان المغرب ليس دولة اسلامية وان النظام المغربي كالنظام الموجود في الدول الاوروبية والعلمانية والذي يزيد من تعقيد الامر أن النظام المغربي كله مبني في شرعيته على امارة المؤمنين" اذ يعتبر العاهل المغربي أمير المؤمنين حسب الدستور.

وأضاف ضريف أن "الحديث عن الخصوصية الدينية لن يفيدنا كثيرا في تحصين البلد، لا بد من وجود سياسة دينية وثقافية فاعلة وفي نفس الوقت نترك للناس القدرة على التأثير والتأثر لأن من الصعب الحديث عن خصوصية تجعلنا منغلقين على انفسنا".

وقال ان"الخصوصية تكون بغير معنى اذا لم يكن للمجتمع القدرة على تحصين نفسه من المذاهب الدخيلة".

وقال محمد الفران استاذ الاتصال بجامعة محمد الخامس بالرباط وباحث في الشأن الديني ان"هذه الخصوصية هي واقع لكن يجب على المؤسسات الدينية المغربية ان تخلق نوعا من الثقة بينها وبين المواطن كي لا يجري وراء تيارات خارجية".

وأضاف أن "العلماء لا يجب أن يبقوا في أبراجهم العاجية، يجب ان يختلطوا بالمجتمع".

ويحدد الفران هذه الخصوصية في كون النظام المغربي يستمد شرعيته من امارة المؤمنين بالاضافة الى قيام الممارسة الدينية على ثالوت متمثل في العقيدة الاشعرية والمذهب المالكي و التصوف.

وتحت عنوان"اعادة هيكلة الحقل الديني والفشل الذريع "علقت جريدة يومية الناس قائلة "بعد احداث 16 ماي (مايو/ايار) كثر الحديث عن اعادة هيكلة الحقل الديني والخطاب يبطن تحصين هذا الحقل ضد التطرف وضد الاسلام السياسي عامة، الا ان الملاحظ هو فشل السياسة المتبعة بالنسبة لكل الاهداف المسطرة".

واضاف المقال ان "المساجد العشوائية فتحت ابوابها من جديد ولم يقو المسؤولون المحليون على تهمة اغلاق بيوت الله، وتجارة أقراص الحقد والتكفير والكراهية في ازهى ايامها، وجريدة التجديد تفتي قرضاوي وتتشبت بحقها في ذلك لان هيئة الافتاء لا تقوم بدورها".

وكانت جريدة التجديد المقربة من حزب العدالة والتنمية وهو حزب اسلامي معتدل معارض قد نشرت فتوى القرضاوي التي أدلى بها ردا على سؤال لاحد الحضور في لقائه مع شبيبة الحزب.

ويتفق كثير من المحللين على أن هناك حلقة مفقودة بين المغاربة ومؤسساتهم الدينية وهو ما يفسر اتجاههم الى مفتي ودعاة المشرق الذين ينتمون الى مذاهب اخرى غير المذهب المالكي الذي يتبعه المغرب ويوصف بالاعتدال.

ويقول ضريف في ان"المعركة عندنا الان هي الانتشار الواسع لرموز الشرق في المغرب (...) نحن لا نوفر علماء لهم طابع كاريزماتي مؤثر مثل القرضاوي".

ويدعو علماء المغرب إلى "ملء الفراغ ليتخلى الناس عن طلب الفتوى والنصح من جهات خارجية".

وقال عضو بالمجلس العلمي طلب عدم نشر اسمه "نعم هذه المؤسسات مدعوة الى العمل الجاد لمد جسور التواصل الكافية بينها وبين المواطنين وكسب الثقة واسترجاع الاعتبار فان ذلك شرط اساسي وضروري لاقبال المواطنين عليها".

واضاف "هذه الثقة التي يجب العمل من اجل استرجاعها وتقويتها تفيد المؤسسات الدينية على الوجه الاكمل وتفيد المواطنين لانها ترفع معنوياتهم وتشعرهم بانهم في دولة اسلامية على رأسها امير المؤمنين تعمل كل ما بوسعها لتوفير الامن الروحي لهم وتنقذهم من فتاوي لا تناسبهم ولا تراعي خصوصياتهم".

ويضيف "للاسف انبهر المغاربة بالفضائيات المختلفة وانبهروا ببعض الاسماء اللامعة التي ابرزتها الشهرة دون ان يعلموا ان ما يتلقونه من هذه الفضائيات ومن تلك الاسماء قد (وضع) على مقياس غير مقياسهم وبيئة غير بيئتهم، وان الفتاوي تضر اكثر مما تنفع اذا جلبت كما تجلب السلع من مناطق بعيدة".

واضاف عن التفاف عدد كبير من المغاربة حول علماء من خارج المغرب "ان مغني الحي لا يطرب".

وقال ان هناك "خطة عملية استوجبتها اعادة هيكلة الحقل الديني عامة واعادة تنظيم المجلس العلمي الاعلى والمجالس العلمية المحلية من شأنها اذا طبقت بجد واخلاص ان تشعر المغاربة قاطبة ان مؤسساتهم الدينية تغنيهم عن مؤسسات الغير".