'خيانات شرعية' ترفض الواقع الجديد ولكنها توازيه

بقلم: السيد نجم
نضوج روائي من البداية

يبدو أحيانا أن قلة الإنتاج الإبداعي ميزة غير حميدة، فهي سمة عند بعض المبدعين الجادين، مع وفرة الموهبة والمهارات التقنية، وربما الخبرات الحياتية والانسانية. وقد يسهل على المرء رصد اسماء عالمية وعربية ممن يتسمون بتلك الصفة، ربما من الأفضل التوقف مع أحدهم ورصده.
وقد تعود تلك الظاهرة إلى أسباب سلوكية نفسية، أكثر من كونها تقنية أو فنية، غالبا ما يبررها أصحابها الى الرغبة في التجويد والحرص على نشر الأعمال الجيدة فقط (في تقديرهم)، وهو ما برر به الكاتب سمير عبد الفتاح اصداره روايته الأولى، بعد مرور حوالي أكثر من عشرين سنة من ممارسة الكتابة والنشر في الصحف والدوريات المتخصصة.
فالكاتب من جيل السبعينيات من القرن الماضي، له ثلاثة إصدارات في القصة القصيرة: "سبع وريقات شخصية"، "تطهر الفارس القديم" و"حارس الغيوم"، وفي مجال النقد "دراسات في القصة والرواية"، وقد صدرت له مؤخرا روايته الأولى "خيانات شرعية".

تقع الرواية في أربعة وعشرين فصلا قصيرا، وفي 135صفحة من الحجم الصغير، مما يكشف عن ملمح أول عند الروائي وهو الاقتصاد في كلمات الجملة والفقرة ثم في الفصل فالجملة قصيرة والبناء متراكم مع سرعة الايقاع الروائي بين الأمكنة والأزمنة، حتى قد يبدو الفصل وكأنه قصة قصيرة وحده، وربما لعب موضوع الرواية دوره أيضا، فالشاب "صفوان" المنهك المتطلع الى حياة أفضل، رغدة وهادئة، وقع صيدا ثمينا للتوتر العصبي والنفسي ثم الخيبة وربما الفشل، بفعل "الميديا" الجديدة وأفاعيل المنتج الاعلامى الاستهلاكى الرخيص القيمة، والذي أحاطنا بنا جميعا، مثلما أحاط بصفوان، الا أنه بات أكثر احباطا لأنه المادة المفعول بها.
احدى محطات القنوات الفضائية طلبت أحد المشاهدين الشجعان لاتمام برنامج يعرض لحياته الخاصة، وتقوم الكاميرات بمتابعته طوال أربع وعشرين ساعة في اليوم الا في دورة المياه، ومع ذلك وافق صفوان في مرحلة متقدمة على تصويره فيها فنال المال والشهرة والحياة الراغدة. نالها بعيدا عن الناس وعن أمه وحبيبته نوال، تلك الحياة التي لم تدم، بعد أن عبث أصحاب البرنامج في رأسه، بل وفي حريته الشخصية، حتى دار الصراع علنيا ونال العقاب المناسب لولا أن التقطته الحبيبة وأعادته اليها والى الحياة، وقد أيقن ان الحرية هي الحياة، وأن الحياة لا تتبدى الا مع الناس.

"لم يبق سوى الانتحار!" هكذا كانت بداية الرواية.
"صحا صفوان على صوت ضجيج، هاهو صفوان يرقد على سريره البارد، ليتابع العناكب وهي تغزل شراكها في الركن البعيد، هاهو قد جاوز الثلاثين من عمره، ولم يعد في الجراب حيلة.. حتى الأحلام لم تعد ممكنة، في مساء اليوم التالي ظل صفوان يتسكع في شوارع المدينة حتى انتصف الليل، في الصباح سمع جلبة بمدخل البيت وقالوا: إحنا قناة خاصة، مر اليوم الأول.. وقد لاحظ الكاميرات وهي تتابعه آليا، فتجمد لبعض الوقت، مر اليوم الثاني على صفوان وكأنه دهر، اجتمع رئيس القناة مع طاقم التصوير الخارجي الذي رافقه إلى وسط البلد، لم يتوقع احد ان يأتي رد فعل المشاهدين على اعترافات صفوان بكل هذه الحدة والانتشار".
"في قاعة اجتماعات لفندق كبير اجتمع رهط من الخبراء والاعلاميين لمناقشة ظاهرة القنوات الحرة، آخذين من ظاهرة صفوان نموذجا على تشكيل الرأي العام، كان صفوان قد بدأ يمل هذه اللعبة الغبية، التي غيرت تكوينه الكيميائي فبدأ يضايقهم، علهم ينهون عقده لكنهم لم يفعلوا".
"بدأ رئيس المحطة او القناة الحرة يدير مواتير عقله، فشخص مثل صفوان له علاج، فقد علمته التجارب ان البشر مثلهم مثل القرود، مربوطون من شهواتهم ويتصرفون بمنطق الخوف من العصا، او الطمع في الجزرة، ومن السذاجة ان تنتظر من أي قرد أن يعمل لك مجانا".
"طلب رئيس المحطة اجتماعا عاجلا، فنسبة العشرين في المائة التي طلبها صفوان للاستمرار في البرنامج كثيرة... كثيرة جدا. عادت اللجان التسع التي شكلها الرئيس بعدد ممن يشبهون صفوان ليحلوا محله في البرنامج، وقبل أن يظهر البديل بيومين، اكتشفوا أنه يلثغ في بعض الحروف، فقد اهتموا بالشكل ولم ينتبهوا لطريقة النطق، وبعد منتصف الليل وجد صفوان نفسه مقيدا، بينما تخترق السيارة التي هو بداخلها شوارع المدينة بسرعة جنونية، ظل البديل يلعب دور صفوان بنجاح اذهل الجميع، بينما ظل صفوان في سجنه بالصحراء لا يعرف ما حدث لامه أو ما حدث لشقته، قرر صفوان الهروب، فنجح وعاد إلى المدينة يتساءل عما جرى له ولماذا؟، اتصلت به نوال/الحبيبة وعاد إلى وعيه".
تلك هي جمل مقتطعة مع قليل من التصرف لفصول الرواية.

يبدو العمل الروائي محاولة من الكاتب لخلق عالم آخر مواز ورافض للواقع، وان تماساً مع معطيات هذا الواقع هو في أجلى صوره المعاصرة، وربما أسوأها عليه من خلال تأثير وسائل الاعلام والسماء المفتوحة والقرية الكبرى، والكثير من الصفات التي فرضتها تلك التقنيات العصرية والتي تبدو للمرء أنها من أجل إمداده وإكسابه الحرية والمتعة وربما المعرفة، إلا أنها -ويا لشراستها- هي القابضة على الحريات والنافية للمتعة وربما كانت بلا معرفة حقيقية. تلك هي أهم ما قد ينتهي إليه القارئ فور الانتهاء من تلك الرواية.
فان كانت بداية الرواية تكشف عن نتيجة نتبين أسبابها فيما بعد وهي رغبة صفوان في الانتحار، بعد أن عجز عن تحقيق أقل القليل من حقه في تلك الحياة، وعجز عن إتمام زواجه من نوال على الرغم من بلوغه الثلاثين من عمره ثم بدت الأحداث والوقائع الروائية تكشف عن خلل ما في مجال من أخطر مجالات التأثير على الفرد والجماعة الآن وهو الاعلام، حيث ترشح لإحدى البرامج التليفزيونية في إحدى القنوات الفضائية، كى ينال من الأموال الكثير، مقابل جهد بلا جهد، وأن يتركهم يلتقطون له كل همسة يهمس بها وكل نفس يتنفسه، حتى بات نجما كاذبا من نجوم المجتمع بعد الشهرة التي نالها والتي بسببها فصل نفسه عن العالم، بمن فيه حبيبته وأمه. لكنه اكتشف الكذبة، ولم تغنيه الاموال عن رغبته أن يعيش مثل كل البشر حرا في بيته، فضلا عن شوارع المدينة، ثم كان التمرد الذي رفضه رئيس القناة الفضائية، وكان الصراع من بقاء البرنامج ناجحا يضيف من الأموال وعدد المشاهدين الكثير، ولا يهم صفوان أو غيره ولم يكن القرار سهلا ولا تنفيذه هينا، فقد انتهت الرواية بما يشبه الحلم ليعلن صفوان بأنه يحتفظ بآخر طلقة لديه، بعد أن وصل إلى حافة الحافة، وأدار ظهره للحائط الأخير وطار مع حبيبته نوال بعيدا، ولا ندرى إلى أين، لكننا أيقنا أنها المحاولة الجادة الأخيرة للخلاص من سجنه الاختياري.

تعد الرواية فنيا وتقنيا منجزا حقيقيا لصاحبها، وان كانت روايته الأولى، فهي محملة بزخم حقيقى لرؤية ناضجة، ولكاتب له وجهة نظر في نفسه وفي مجتمعه، بل وفي مصير الانسان مع بدايات القرن الحادي والعشرين فجاءت كل عناصر العمل الفنى في إبراز تلك الرؤية.. قلة الشخصيات المسماة على كثرة تلك الشخصيات داخل الرواية، المدينة التي تدور فيها الأحداث بلا اسم وبلا صفات أو توصيف جغرافي محدد ،فهي في أي مدينة أو مكان ما.. وهذه السمة هي الحائط الرابع في هذه الرواية الجميلة. السيد نجم

abnegm@gmail.com