نظرتان متقابلتان: امبريالية متغولة وانسانية بديلة!

بقلم: جمال محمد تقي
ماركس وانغيلز، ماذا كانا سيقولان عن غول الامبريالية الحديثة

اي نظرية مهما كانت قيمتها العلمية ومهما خلصت الى استنتاجات خطيرة او تصورات تحمل من الجدة والحداثة ما يدهش، وما يقنع وفق منطوق منطقي وواقعي، تبقى مع كل هذه الخصائص بناء افتراضي يقبل الشطط، والشطح، والخطل كما يقبل الصحة، والمطابقة، وهنا نستثني بحدود معينة نظريات علوم الطبيعة، كالفيزياء والكيمياء والاحياء والفلك، والطب، والعلوم الصرفة في الحساب كالرياضيات، والمجردات والهندسة، لانها تعتمد التجريب والبرهنة المختبرية، والتنفيذ الاستدلالي، وبعضها يستند الى التعليل والتفسير المثبت في يقينيات مجموعة ظواهر متطابقة، وفق ميكانزم يتمتع بثبات نسبي يتقاطع مع هذا الشكل او ذاك من البديهيات المعروفة لحركة المادة بمعناها الشامل، الميكانيكية، والفيزيائية بكل تفرعاتها، والكيميائية والبيولوجية، ويعتمد على نواميسها المتراكمة. وهذه العلوم ونظرياتها ايضا ليست بمعزل عن التجديد والتطور بل والتجاوز احيانا لانها في مرحلة ما من مراحل تطورها قد لا تلبي متطلبات معطيات جديدة لم تكن في حسبان معطياتها القديمة، وعليه فهي ايضا خاضعة لقوانين التحدي والاستجابة والكم والكيف المؤدي الى القفز النوعي، ونفي النفي في اي عملية تجاوز جديدة ومتحققة. واذا كانت هذه حالة العلوم الطبيعة والصرفة، فكيف ستكون حالة العلوم الانسانية او العلوم الاجتماعية التي تعالج حركة دائبة من التراكيب والتفاسير والتحاليل والفرضيات والنظريات التي تحتكم للصدفة حينا والضرورة احيانا، وهي بذلك تكون اعقد واكثر شمولية من كل معالجات المادة الخام بمعانيها الواسعة وحركاتها المرهونة بوجودها. فالحركة الاجتماعية تفترض موضوعيا وجود قائم للمجتمع، وفي كل علوم طاحونته تصب كل مصابات العلوم الاخرى، وكذلك قوانينها التي هي جدل مستمر بتغيره وتطوره وبنسبيته المطلقة، واطلاقيته النسبية، كلما تجلت وتفاعلت صيرورتها مع نسيج نظريات وفرضيات وتعميمات العلوم الاجتماعية ومناهجها المعرفية والبحثية؟
"تبقى النظرية رمادية، وشجرة الحياة خضراء"
مقطع شعري شهير يلخص بعض ما نريد قوله هنا، فالنظريات او الافكار الاجتماعية، فلسفية كانت او عقائدية او وضعية او ايديولوجية، يمنية او يسارية، محافظة او ليبرالية، او خليطة، حسية كانت في ذاتيتها او تأملية في موضوعها، كلها ومهما تنوعت اجناسها او مجالات تخصصها العلمي في، الاقتصاد او السياسة او التاريخ او اللغات او الفلسفة، او القانون، فهي اكثر عرضة للتحول والتغير لانه لا ثبات في ظل الحركة واذا كانت العلوم الصرفة لها ثبوت نسبي في سياقات الحركة العامة فان العلوم الاجتماعية ونظرياتها في حركة دائبة هي ارقى بكيفها وكمها من الاشكال السابقة لها بل هي تحتويها جميعا احتواء التفاعل وليس التماثل، واي تحجر فكري او نظري او فلسفي او اقتصادي او او هو موت سريري يجعل من الفكرة مهما بلغت في شبابها من تاثير فانها تصلح للتحنيط المتحفي عندما تشيخ وتجتر ماضيها دون تجاوزه، ومن هنا فان الحياة وقوانينها التي نعرفها ولا نعرفها هي سائرة بمعزل عن الارادوية وما نفعله نحن هو محاولة اللحاق بها لتفسيرها والعمل بما يجعلنا نستفيد من هذا التفسير لتفادي ماهو مضر بوجودنا والاستفادة من المعرفة لصالح وجودنا ذاته، ويمكن ان تكون المعرفة العلمية طريق للتغيير النسبي وعلى اصعدة الحياة المعروفة.
خلفيات نظرية لمالتوس نظرية تقول: ان الحروب ضرورة موضوعية لتحقيق التوازن في معدلات الزيادة المضاعفة لاعداد البشر!
اي ان القتل وفناء الاخر امر مطلوب لاستمرار حياة المتبقين، وهنا تبرز مدلولات وتأويلات تدور بفلك هذه المقولة الافتراضية، التي يمكن ان يكون لها ما يبررها في معرض دراستها لتاريخ الصراعات البشرية والاجتماعية البربرية منها والمتمدنة، والتوسع في جذورها قد يمتد الى نظرية تشارلز داروين في اصل الانواع، وادوار النشوء والتطور والانتخاب الطبيعي، والبقاء للاصلح والاقوى،
والتي تمتد بدورها الى درنات في جذور للفكر القديم، البابلي والاشوري والفرعوني والاغريقي،
ويتلاحق مع الفكر الوسيط الذي فيه مباحث مبثوثة هنا وهناك عن فكر تطور النشوء، ففي رسائل اخوان الصفا مثلا ترد الكثير من المفاهيم العامة والاولية عن فلسفة وفكر النشوء والتطور التي وردت في النظريات الحديثة ومن ابرزها نظرية اصل الانواع، فقد توصلوا الى معرفة العوامل التي تشكل خامات قاعدية لمفردات علوم الاحياء والبيولوجيا الحديثة، كالوراثة، والانقلاب الوراثي، الذي يصطلح عليه اليوم بالطفرة الوراثية، والانتكاسة الوراثية، والانتخاب الطبيعي، والانقراض!
كانت الحلقة المفقودة في ترابط سلسلة اشكال التطور عند الانسان في نظرية النشوء الداروينية، قد تم تجاوزها، لان منطوق النظرية يجمل بحثا جذريا بطريقة علمية ناضجة يجعل اعتمادها امر بديهي برغم ضعف ادواتها المستخدمة في مجالات البحث الاثاري والاركيولوجي والانثوغرافي التي لم تكن قد نضجت علومها ومباحثها بعد، والحقيقة ان هناك الكثير من الحلقات المفقودة عن البدايات الاولى للحياة على الارض لو تم الوصل لها ستكون اداة لحل مشاكل معرفية كثيرة وسبب لتفجر ثورات في مختلف فروع العلوم الاجتماعية بل سيكون لها اثر بليغ لاحقا على معتقدات وقيم فئات وطبقات وشرائح اغلب المجتمعات!
هذا الحال ينسحب على نظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، ونظرية التزحزح القاري في الجغرافية الطبيعية، ونظرية الانتشار الحضاري، ومقولة الغاية تبرر الوسيلة التي سطرها ميكافللي في نموذجه للامير المثالي، ونظرية المركزية الاوروبية، ونظرية فائض القيمة لكارل ماركس، ونظرية التعايش السلمي بين الانظمة الاجتماعية المتناقضة لفلاديمير لينين، ونظرية النسبية العامة والخاصة لاينشتاين، كما ينطبق على نظرية نهاية التاريخ لفوكوياما.
متى ما انتقلت النظرية لمجال البرهنة والتطبيق وتم اختبارها عمليا، فهي اما تتحول الى يقين نسبي او فرضية محنطة او مؤجلة او فاشلة، وفي كل الاحوال فهي اجتهاد يثير التساؤلات المعرفية وهذا بحد ذاته عامل ايجابي، وقد يثير الشكوك وهذا ايضا فعل حميد فالشك شرط من شروط ودفوع البحث اي بحث، وكما يقول ديكارت انا اشك اذن انا موجود.
رغم ان نظريات العلوم الاجتماعية عامة والفلسفية خاصة اعقد من ان تؤخذ بهكذا تعميم، اي لا يمكن تبسيطها وتسطيحها وابتذالها، لانها اجتهادات فكرية واجتماعية مؤثرة تتداخل فيها معطيات عديدة وميول واتجاهات وعوامل مؤثرة ومساعدة ومعرقلة، وعليه سيكون لها دور في التعبئة والشحن والحث ثم الفعل والانفعال بها بواقع الصراع الاجتماعي القائم، وقد لا تكون حبيسة النخب ومقاعد الدراسة، وتحديدا النظريات السياسية ذات الابعاد الفكرية والفلسفية والاقتصادية التي يتم انتاجها لتأطير حركات اجتماعية وسياسية لتفعل فعلها الايديولوجي المؤثر سلبا او ايجابا على اوضاع المجتمعات واستقرارها وطبيعة نظمها.
لكل فعل رد فعل يساويه بالمقدار ويعاكسه بالاتجاه، الخطوط المتوازية لا تلتقي مهما امتدت، السالب ينفر السالب والموجب ينفر الموجب، هذه نماذج من المقولات الفيزيائية التي يشيع وصف تطبيقاتها على الكثير من مشاهد العلاقات الاجتماعية، وهي تطبيق ميكانيكي مبتذل، نعم هو تشبيه مجازي لكنه لا يميز بين فيزيائية القانون وبين تحوله الجدلي عندما يلامس التطبيقات الاجتماعية، فرد الفعل في العلاقات الاجتماعية قد لا يكون بالضرورة مساويا للفعل، والخطوط المختلفة والمتناقضة والمتصارعة قد تلتقي، وفي المجتمع شبيه الشيء منجذب اليه، في حين يكون العكس فيزيائيا، اي ليس من الصحيح دائما ان تكون مقولات العلوم الصرفة وبديهياتها متطابقة على مقولات ومشاهد العلاقات المجتمعية. فلسفة التفسير وفلسفة التغيير لقد نجحت الفلسفة الماركسية في تقديم وتسويق نفسها على انها فلسفة للتغيير، وهي بذلك تمتاز عن كل الفلسفات التي سبقتها والتي اقتصر مجال نشاطها الفلسفي على التفسير فقط!
والماركسية ذاتها مارست التفسير وهو امر لابد منه كي تتحول الى وضع شروط وفلسفة التغيير بعد ان تكون قد مارست عملية هضم وتمثيل لكل نواميس عمليات التطور وعللها والتي تم تفسيرها، اي ان التفسير والتغيير وجهان لعملة واحدة ولابد من وجودهما معا.
الماركسية كانت تتويج جدلي لمعطيات الفلسفة الكلاسيكية الالمانية والاقتصاد السياسي الانكليزي، وفكر الحركة الثورية الفرنسية، وهي بذلك مارست النقد التحليلي لكل مصادرها وافرزت منها ما يتفق وسياقات ذوات القائمين عليها، وهي اوروبية المصادر عالمية المعالجة، ومن مكوناتها الفلسفة المادية بشقيها الديالكتيكية والتاريخية، والاقتصاد السياسي للراسمالية، والحركة الاشتراكية العالمية.
ان قراءة اهم جزء بل بيت القصيد في كل الادب الماركسي وهو كتاب رأس المال، يثبت ان الماركسية كانت لا تقل ثورية في تفسيرها عن ثورية دعوتها التغييرية، التي مارستها وبنجاح منقطع النظير!
فالكتاب يفسر جوهر اسلوب الانتاج الرأسمالي، ويكتشف اهم قانون فاعل فيه قانون فائض القيمة التي تخلق اثناء عملية الانتاج بقوة العمل التي يتم استثمارها لخلق قيم جديدة مضاعفة المردود مقابل ما يعين اصحاب هذه القوة على مواصلة تجديدها.
مازالت الماركسية تحتفظ بالكثير من جوانب الحداثة فيها والكثير من جوانب الاتساق بين جوانحها وخاصة مقولاتها الفلسفية العامة في الديالكتيك والمادية التاريخية اضافة الى منهل راس المال، وهذه المفردات جميعا تؤهلها لان تكون جذر اساسي لتجاوز فلسفي وفكري جديد وقادم لا محال، ناهيك عن الخبرة العملية التي تجسدت في التجريبية الارادوية الثورية والمتضمنة لخلاصات مرحلة الديمقراطية البرجوازية، ومرحلة نهاية الراسمالية ذات المزاحمة الحرة، والتشكل الاولي للامبريالية الخاصة، وتجارب الامميات الثورية والبيان الشيوعي، والمساهمات النقدية لتجربة كومونة باريس، وحتى ما تلاها من اجتهاد لينيني على مستوى النظرية والتطبيق، والذي لون ما يقارب 75 عاما بلونه، منذ اسهاماته الفكرية والنظرية، في المادية ومذهب النقد التجريبي، الى الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية الى الدولة والثورة الى ما العمل، وثورة شباط 1917، ثم ثورة اكتوبر 1917 الى قيام الاتحاد السوفياتي، الى قيام كتلة المنظومة الاشتراكية كنتيجة من نتائج الحرب العالمية الثانية، حتى انهيارها وانهيار الاتحاد السوفياتي نفسه لتعود روسيا ادراجها لتستكمل ما انقطع من نمو للرأسمالية المحلية فيها كما عادت معها كل دول منظومتها الى حال سبيلها الرأسمالي!
ان اي تغيير ثوري لابد ان يسبقه تفسير ثوري، وفعلا كان التفسير المادي للتاريخ تفسيرا ثوريا يحقق اتساق التاريخ كجزء لا يتجزأ من حركة الكون العامة والتي ينسحب عليه جدلها انسحاب متغير وباستمرار بالتوازي مع حركته التي لا تنقطع والى امام دوما في الزمن المحسوب وغير المحسوب، وهذا التفسير الثوري اوجد نظريا على اقل تقدير فكرا تغييرا ثوريا كان راية للكثير من التجارب الثورية التي خاب الكثير منها واصاب في قليلها، ومن هنا تكون مهمة اعادة القراءة التفسيرية مأخوذة بالمعطيات العلمية والمعرفية المكتسبة، والتعمق بضوئها في فكر التغيير المطلوب، امر لا مناص منه لاي فلسفة او فكر لا يرضى لنفسه ان يكون هامشيا ومقصيا من مسيرة التاريخ والحياة. الفكر اللينيني تفسير ارادوي وتغيير لا موضوعي! لقد اجتهد لينين في التركيز على المستجدات التاريخية الحاصلة في التطور الافقي والعمودي لاشكال الراسمالية في زمنه، وكان لهذا التركيز دوافع ارادوية واضحة، لقد جال في تفكيره مبكرا حلم اقامة دولة بنمط جديد يكنس القيصيرية ويقيم على انقاضها دولة العمال والفلاحين، التي كانت تشكل حلما رومانسيا للكثير من الثوريين الروس ومنهم شقيق لينين الذي اعدم لنشاطه التآمري على الدولة القيصرية، لم تكن تلك المستجدات كافية لتضع مهمة قيام الثورة الاشتراكية في مقدمة المهام الثورية لحزب الطبقة العاملة الروسية، فهو يدرك ان شروط الثورة الاشتراكية ونجاحها لم تكن متوفرة في روسيا اذا اخذ بالماركسية كما جاء بها ماركس، فهو قد فسر المرحلة الامبريالية على انها اعلى مراحل الرأسمالية، وان تفاوت التطور بين البلدان الرأسمالية ذاتها يفجر تناقضات بينها تؤدي الى نشوب حروب عالمية طاحنة، وان حزب الطبقة العاملة عليه انتهاز الفرصة بضرب اضعف نقطة في السلسة الامبريالية، وقد شرح مفصلا مفردات الضعف في الحلقة الروسية، مبينا امكانية النجاح في اللعب على تناقضاتها مع المتحاربين معها للاطاحة بنظامها واقامة النظام الاشتراكي، وقد كان للالمان دور غير مباشر في تسهيل عودة لينين الى روسيا لقيادة التمرد الذي تحول الى ثورة عارمة، وكانت مصلحة الالمان تكمن في تحييد روسيا عن حلفها المحارب لالمانية في اثناء الحرب العالمية الاولى، وهذا ما حصل فعلا حيث انسحبت روسيا من الحرب، وعقدت معاهدة صلح بريست مع المانيا وفضحت معاهدات سايكس بيكو التي كانت روسيا القيصرية شاهدا عليها، اضافة الى ان لينين قد تحدث باسهاب نظري عن امكانية نجاح الثورة الاشتراكية في بلد واحد وهو يعد مخالفة للتعاليم الماركسية التي شددت على ان الثورة الاشتراكية هي ثورة عالمية في البلدان الرأسمالية المتطورة، ولها شروط ذاتية وموضوعية اهمها ان تكون الرأسمالية قد استنفذت شروط بقاءها وان البروليتاريا تكون جاهزة بالعدة والعدد لدفعها الى نهايتها الحتمية، وهنا كان لتروتسكي رؤية اخرى قد تردم هذه الفجوة حيث افتى بان الثورة يجب ان تستمر حتى وان اقتضى الامر الى تصديرها، ماذا والا فان الدول الرأسمالية ستتحالف ضدها وتتمكن من الانقضاض عليها، وعندها تصدى له لينين بفكرة التعايش السلمي بين الانظمة الاجتماعية المختلفة، وبضرورة اطلاق طاقات الجماهير للحفاظ على منجزها وهي تحقق المعجزات في ظل ديكتاتوريتها البروليتارية الصارمة!
لقد مهد لينين لفكرته المسبقة هذه بالكثير من التنظيرات والمواقف العملية، حيث ضخم من ملاحظاته على ثورة 1907، وبرز وبشكل مقصود ملاحظات ماركس الشخصية المتعاطفة مع ثورة كومونة باريس، وكذلك في انتقاداته الاذعة والمبالغ بها لاحزاب الاممية الثانية واعلن افلاسها، واتهامها بالانتهازية، ثم دعوته لقطع الطريق على البرجوازية التي قادت ثورة شباط 1917 وتحويلها الى ثورة اشتراكية كما حصل بعد مرور 9 اشهر من نجاحها، حيث قامت ثورة اكتوبر 1917 لقد تحول الاكثرية "البلاشفة" الى قوى استاثارية ازاحت الاحزاب الاخرى وانفردت بالسلطة تحت مبررات غير مبررة موضوعيا، ان البرجوازية الروسية لم تستكمل دورها ومداها، ولم تحقق ديمقراطيتها البرجوازية، مما ساعد ذلك على قيام نظام راسمالية الدولة البيروقراطية تحت اسم الدولة الاشتراكية، والتي كانت قد نجحت بالفعل في استنفار التاييد الشعبي لها في تحقيق منجزات تعد معجزات من القدرة البشرية على التحمل والجلد والانجاز، كانت الدولة ذاتها تحفر قبرها بيدها، لان الانتاج والابداع لا يمكن ان يستكملا دورهما الا في ظل منافسة السوق، فالدولة المالكة لا تستطيع تحقيق ذلك الشرط مهما طال عمرها الذي كلما طال كلما عانى من الترهل والجلطات المميتة!
هنا يكون طرح السؤال بصياغته الدقيقة جزء من الاجابة المعرفية المطلوبة لتقصي الحقيقة في هذه الجزئية، كيف يمكن لنظام اشتراكي ان يقوم ويدوم في ظل سيادة الرأسمالية عالميا وفي ظل عدم اكتمال شروط فناءها؟ نظرتان متقابلتان نظرة محافظة ونظرة تنشد التغيير، نظرة تتمسك بازليتها وكمالها، ونظرة لا تقبل غير التحول وتنكر الثبوت، نظرة تؤمن بالتعدد والتكامل والاختلاف، ووحدة وصراع الاضداد، واخرى تؤمن بالقطب الاوحد والثقافة الواحدة والنموذج الاوحد، نظرة تعتبر الانسان بحد ذاته اثمن رأسمال، واخرى تعتبر الانسان بما يملكه من رأسمال، نظرة تعتبر الحرية في استيعاب الضرورة، واخرى تعتبر الحرية فرصة يهبها رأس المال، نظرة تعتبر الانسان امتداد متطور للطبيعة، واخرى تعتبر الانسان مجموعة قيم استعمالية وتبادلية، نظرة تريد حل التناقض بين الانتاج الاجتماعي والتملك الفردي لوسائل الانتاج، ونظرة تعمق فردية التملك الانتاجي وتعززه بقيود مضافة في نظم التبادل والاستعمال،
نظرة تبحث عن الحقوق والواجبات المتساوية، واخرى تبحث عن حقوق وواجبات دورة راس المال!
بين النظرتين هناك نظرات ونظريات تشط واخرى تعبث واخرى تحلم واخرى تنتقي واخرى تجرب!
الامبريالية الان ليست اعلى مراحل الرأسمالية، بل شكل من اشكالها المتعددة التي لم تستوفي بعد شروط موتها، فاذا كانت وقت لينين هي امبريالية خاصة تتجاذب تتزاحم بحرية مع قريناتها بالحرب والسلم فاليوم هي امبريالية شاملة تنشد احتكار العالم كله كسوق ترتبه كما تشاء، وعولمتها لا تعني مزيدا من التمدن الانساني، وانما مزيدا من التمدن الامبريالي المتغول!
الطاقة اوكسجين حياتها، النفط والغاز، بعد ان انقرض الفحم وبعد ان عطلت بحوثها عن الطاقة البديلة، انها تبحث عن الكلفة الرخيصة والربح المضاعف هي لا تشبع مطلقا كلما اصبحت ارقام ارباحها فلكية كلما تعمقت الازمات الفلكية، وكلما اصبحت تخمتها متضخمة كلما ازدادت المجاعات والامراض فلكيا!
مقاومة هذا التغول والتصدي له لصالح التعددية القطبية، وانسنة العولمة ليسود التوازن في حقوق ووجبات الجميع، هي اهداف نضالية يجدر السعي اليها بكل الوسائل الشريفة.
ان التكافل الاجتماعي وطنيا وامميا هو هدف انساني اخر، ومراعاة التوازن الطبيعي وتكريس الاموال والجهود للمزيد من المعرفة بالكون وبالمجاهيل امر يشير للتمدن الحقيقي.
هذا كله لا يتحقق الا بتحالفات قوية بين السواد الاعظم من المنتجين والمثقفين في كل ارجاء المعمورة
بين الفقراء والمستضعفين بين المنتجين الصغار بين السياسيين المؤمنين بحق الجميع بالحياة الحرة الكريمة، بنبذ الحروب والقتل والابادة التي تسببها المنافسات على الثروة والسطوة.
تحالف تقوده كتلة تاريخية من الطلائع النشطة في كل المجالات ومن السواد الاعظم من الطبقات العمال والفلاحين والمثقفين والمنتجين المحليين.
تحالف بين اليسار وحركات الخضر والاشتراكيين الديمقراطيين والحركات الانسانية والحقوقية والاحزاب الوطنية التي تتنادى لحماية منتجيها المحليين من غول عولمة الاحتكار والتيارات الدينية التي تنشد العدل والتاخي.
مزيد من الرفاه في مجتمعات الراسمالية المتطورة، ومزيد من التحسين والتطوير الحر والتمتع بريع الثروات الوطنية في البلدان النامية، ومزيد من الرعاية والمساعدة على ايجاد حلول جذرية لمشاكل الفقر والتصحر ونقص المياه والامراض المزمنة والامية وانعدام نظام الرعاية الاجتماعية في البلدان الفقيرة.
مقاومة سباق التسلح واستخدام القوة في حل النزاعات ومقاومة العدوان واغتصاب حقوق الاخرين، ان تحالفا متينا يمكن ان يقوم بين كل حركات الشعوب المتطلعة للحرية والاستقلال والمؤمنين بعدالة قضاياها، وهذا ما يحصل اليوم في ولادة اكبر تجمعات مليونية من المحتجين والمستائين وحول العالم بالضد من سياسات الهيمنة الامريكية وضد الشروط القاسية للمنظمات الاقتصادية العالمية.
وماحصل من تضامن اممي مع شعب العراق اثناء الحرب الامريكية عليه لهو اكبر دليل على ان مشاكل شعوب الشرق والغرب لها وجه واحد في صراعها المتنوع ضد الاحتكار والاستغلال والهيمنة.
ما بعد الماركسية ما قبل المجتمعات الذكية ديكتاتورية البروليتاريا ونظرية الثورة الاشتراكية، مكونان هامان للنظرية الماركسية تعطلت بهما السبل وتيبست حتى تقشرت وتساقطت من على بشرة الجسد النظري للماركسية، وذلك بعد محطات ومراحل ومطبات عاشتها على صعيدي النظرية والتطبيق، ومن هنا فان الحياة وخبرتها تتجاوز اي مقاييس مهما بدت وكأنها دوغماتية، اونصوص جامدة، تعامل معها الكثير من المثقفين والحركات الشيوعية على انها مقدسة.
مثلما تجاوز ماركس ورفيقه انجلز، فيورباخ، وهيغل، وادم سمث، ودافيد ريكاردو، وبرودون، وسان سيمون وغيرهم، واخذوا عنهم ما يصلح معرفيا ومنطقيا ونبذوا الزبد من عطاياهم الابداعية، بعد غربال من التجربة المعرفية ذاتها فان هذا الديدن ذاته سيجعل من الماركسية مادة جديدة لغربال جديد ينبذ منها ما شاخ اومات من معارفها لانتهاء مدة صلاحيته ويوصل الصالح للاستعمال المعرفي بالجديد الصالح من المعارف، نافيا بذلك نفيها بل تحولها الى شيء اخر غير الماركسية.
قد لا تكون موضوعة تجاوز الماركسية من داخلها او خارجها امر ذا مغزى حاسم طالما يتعلق الامر بالمعرفة كونها غير مقيدة او حكر على صنف من الناس دون غيرهم او صنف من المعرفة دون غيرها، واعتقد شخصيا ان هناك تجاوز من كلا الجانبين اي من داخلها ومن خارجها، لان عملية التجاوز المعرفي هي عملية تفاعل ديالكتيكي ليس لها حدود وهمية! من هنا كانت اسهامات غرامشي وغارودي، في محاولاتهم للخروج على النص، وعملهم للبحث عن الحقيقة بمنهج غير مؤدلج،
بمنهج يحتوي المناهج ويستخدمها بكل الادوات المتاحة في وسائل البحث، ومن اجل الحقيقة يباح مالا تبيحه الاصنام الثورية لرعاياها، لا بأس بالتجريبية، لا بأس بالشكية، لا بأس بالبنيوية، لابأس بالروحانية، لا بأس بالتاملية، والحسية، بالتركيبية والتحليلية والاستقرائية، والاستنباطية، لا باس باي اداة قد تساعد على نضج المعرفة، اجتهاد وجيه وخلاصة ناضجة ان تكون الكتلة التاريخية بديلة لفكرة ديكتاتورية البروليتاريا، وان يكون منعطف الاشتراكية الكبير، مساهمة مبكرة في تقصي الحقائق، وكان غرامشي مدققا بالينابيع الصافية للافكار من مصادرها وليس في تأويلاتها المغرضة، واخذ يلمح الى التجاوز المعرفي القادم، موجها جل نقده للسياسات الثقافية ذات البعد الواحد، التي تخصي البحوث المعرفية وتجعل من العقول المبدعة خيول ملجمة تفقدها بريتها وفطرتها وجموحها لصالح قواعد وسباقات تصنعها الا معرفة، والتي غالبا ما تقود الى الانحطاط.
وعلى الجانب الاخر فكر يمجد الراسمالية وخصال حرياتها الفردية، ويزهو بها، بل يعبدها كونها اخر ما توصلت الية البشرية ونهاية مطافها، وبين هذا وذاك ليبراليون من نمط تقليدي يسايرون المراكب مادامت لا تقف عند حواف جزر القراصنة ويدعونها للانفلات مع الريح الا حيث ترسي!
وليبراليون جدد محافظون يتوهمون انهم من سلالة الرب ارسلهم ليحكموا بامره ماداموا هم الاصلح للبقاء!
التاريخ عندهم يتوقف لما هم عليه وما هم عليه ضريبة يجب ان يتبعها كل الرعاع، هكذا تكلم فوكوياما وكل مفكري واكاديميي النزعة المركزية الامريكية، التي حلت باقتدار منفلت محل نزعة المركزية الاوروبية.
ان مجتمعات ما بعد الراسمالية الامبريالية الشاملة، تسير وفق عملية التغيير المحتم نحو كيف جديد، هو نوع ارقى في انسانيته من وحشية الحداثة الامبريالية، ذات الغباء المزدوج، لانها تعتقد بهزيمة العقل المعرفي الجماعي، ولانها، لا تؤمن بالانسان كاثمن راس مال في كل هذا الوجود، وانما الانسان عندها مجرد وسيلة وليس غاية، اما في المجتمعات المتحولة الى الانسانية الذكية، فهي هدف بعيد عن الطوباوية، والرومانسية الثورية، انه حلقة تطورية تفضي اليها مطبات المعمعة الامبريالية باعلى درجات ذروتها، وهي اقرب للتحقق من اي وقت مضى.
نجد هناك تعبئة ذاتية وموضوعية عند الاكثرية الساحقة من الاعمار الفاعلة في اوساط مختلف فئات وشرائح المجتمعات نحو هذه النزعة المتمدنة بروحها قبل تمدنها المادي الذي سهل عملية تسريع وصولها الى هكذا نمط من التفكير والسعي لتحقيقه. جمال محمد تقي