رواية 'شجرة الخلاطة' وتوظيف العجائبي باعتباره تقنية

بقلم: شعيب حليفي
أنساب شجرة الحكاية

حركات تأطيرية
كل رواية هي بحث عن ضالة أو "ضلالة" فنية تقود نحو المتعة والمعرفة. والمعرفة في رواية "شجر الخلاطة" للميلودي شغموم هي غواية متشكلة من قضايا وإشكالات مرتبطة بالنص الروائي منها إيهام القارئ بأنه متورط مع السارد في قضية محددة تنتشر دلاليا.
وتتضمن تكرارا بصيغ أخرى للإمساك بها، مما يقود إلى قضايا العبث والضحك والفكاهة والسخرية والمسخ والاحتجاج والحوار... وهو ما يحيل بشكل عام على الأثر التخيلي والفكري للكاتب، وإلى السياق الثقافي والسياسي والاجتماعي مما يجعل من رواية "شجر الخلاطة" وتيمات المسخ والتعجيب ونظرية الأسماء بناء يرسم تمويها فنيا ولعبة بمقدرة، لا تفهم إلا باستحضار المعطيات كلها، والتأويل المنفتح على التصادي الكلي بين الذاتي والتاريخي.
إن الجملة التي تقول "أجد صعوبة في فهمك" ص73 وقبلها جملة شبيهة لها وبصيغة أخرى تقول "إني لا أجد كيف أبسط لك المسألة" ص51، ستلخص قضايا أخرى جديرة بالانتباه، وهي التواصل مع الذات، الآخر والوجود، ثم الفعل المتحقق وغير المتحقق والمحتمل، وأخيرا الانسجام، المتذبذب والمنعدم مما يفسر كل الاستفهامات ونقط الحذف التي يحفل بها النص خلف أصوات توهم بالتساؤل والحوارات، والحقيقة إنها بنية احتجاجية وثأرية مكتوبة برمادات مرحلة كاملة.
تأسيسا على هذا ترسم البنية الدلالية لرواية شجر الخلاطة ثلاث حركات متكاملة هي البناء الااستراتيجي للحكي:
- الحركة الأولى هي مرحلة الحوار المفتوح بين مصطفى شيش كباب، سائق الهوندا، والجيلالي الخلطي المتمدرس العاطل والمشلول، فيزيقيا ومعنويا، حول نظرية الأسماء وتفاعلاتها، والحديث كله في هذه الفترة يظل نظريا باستثناء بعض التمثيلات من ذاتيهما.
- الحركة الثانية وتبدأ مع الفصل الثالث "ص54" حيث التحول في الحكاية من السكون والإبهام والحديث عن الأسماء نظريا إلى الانفتاح على الحركة والحكي عن سفر الخلطي على شويحنة شيش كباب نحو بيت الشيخ المعطي.

وفي هذه المرحلة يتم توظيف كل تنظيرات الحركة الأولى بخصوص نظرية الأسماء وآثارها في الحكي، سردا وحوارا، وبالتالي توليد تخييل السخرية.
- الحركة الثالثة وهي التي تجمع بين الحركتين، خصوصا في الفصل الأخير، حيث تنفتح الرواية وتكشف بعض أوراق لعبها للقارئ وللشخصيات.
وتؤسس هذه الحركات العامة والتأطيرية، مسار المتخيل الروائي، وتسمه بالطابع المهيمن الذي يخلق كل الأحاسيس والانفعالات المتلقية. قواعد الجنس الأدبي
يطرح نص "شجر الخلاطة" مسألة في غاية التعقيد لمتصفح العمل قبل قراءته، بين قصدية المؤلف في وضع اسم "رواية" على ظهر الغلاف، وبين نص حواري محض، وتشخيص ممسرح يتضمن ملامح المحاورة بين صوتين ووعيين ينتجان مساجلات لا تنتهي وإنما تنبني مع انبناء الحكاية.
لكن المسألة برمتها –في احتمال ممكن- هي فخ من فخاخ المؤلف الحقيقي (الميلودي شغموم) الذي يبحث عن سبل أخرى لكتابة الخطاب وتنضيده، فالذي يعتقد بمحضية الحوار وغياب الوصف والسرد. يسقط في مكر الكتابة، لأن النص هو كتابة سردية تغيت لعبة التقطيع والتشذيب وكأن المأمول من ورائها هو نص بلا زوائد لازمة، وبدون قيود.
صوتان يتحاوران بلغة تطلع وتهبط، فيتضح أنهما صوت واحد لوعي شقي متعدد يحول المونولوغ (والرواية مونولوغ طويل) إلى ديالوغ يحقق، بامتياز، سردية المونولوغ.
باقي المكونات الأخرى تتخلق في سياق المهيمنات البؤرية، بحيث إن أفق انتظار القارئ، بدوره، يتهدم ليتأسس من جديد ويرسم أوصافا للصوتين (ليست الأوصاف التقليدية المألوفة) تشرح ما يعتمل بداخليهما، وسرودا مكتوبة أو منسية تركت أثرها في نقط الحذف والبياضات المأهولة بالكلام. دينامية الأرض، الهوية والجرح
تطلع الحكاية من فضاء الشاوية، بحيث إن الأفكار والشخصيات ونوعية أسمائها وطبيعة الحوارات والخطابات كلها تحيل على معجم لغوي ودلالي ينتمي إلى منطقة الشاوية، إضافة إلى أن الأحداث تقع وتحيل على قبيلة امزاب (ذراع الشاوية الساخن) والدار البيضاء.
وسيتم الوقوف عند الأرض/الشاوية باعتبارها رئة تثير العديد من القضايا الجوهرية التي ستلازم نظرية الأسماء، ففي صفحات (8-14) تتوسط الأرض حديثا صداميا بين الأحكام القيمية وبين نقض هذه الأحكام.
كل هذا يرتبط بمسألة الهوية وهي بؤرة دينامية في النص الروائي مرتبطة بقضايا فلسفية مشبعة بالتأويل، كالإعاقة والجروح، والاسم.
ويعطي تفاعل هذه المعطيات النسيجية للرواية تلوينا ذا مغزى استراتيجي في بلورة رؤية الكاتب لجوهر الأزمة: أزمة الأرض، الوعي، الإنسان، الرؤية، الهوية، الفكر، التواصل، العلاقات... ثم مقاربة هذه القضايا التي لا تستقيم إلا عبر دينامية فنية تتوسل الحكي عبر الحوار. بنية الانتقاد
وتستحكم في كل النص متخذة أبعادا شتى انطلاقا من انتقادات الذات المستمرة والراهن الذي تحيا وسطه كأنها سبب في هذا التمزق الذي تعيشه بين شكل فيزيقي وآخر نفسي وفكري.
إن الصدامية المتولدة في الحوار هي صراع مع النفس وبحث عن إثبات الهوية أو الاستقالة (ص80) تقود إلى انتقاد المعرفة وكيف أنها تقود إلى الشلل (39-40) وإلى تحويل المنطق إلى تبريرات وهمية (ص52) وإلى انتقاد الآخر (الموظف الذي يسجل الأسماء العائلية ص18) ومشاكل شيش كباب مع الشرطة، المستشفى، العائلة (ص 102-103) وأيضا انتقاد الهوية عبر إثارة مسألة الكرامة والجنس في لعبة رقية والمعطي، وانتقاد التكنولوجيا الغربية. حكي المتعة
تؤطر هذه البنية مجموعة عناصر وسجلات لغوية ودلالية من أبرزها، والتي عملت الرواية على جعلها حافزا للحكي، السخرية والضحك والتهكم والعبث، وقد شكلت موزاييك النص الروائي كأداة للمقاومة وإيجاد سبيل، ولو وهمي، للتشبت بالحياة ومهاجمة عنف اللحظات الخانفة/المطوقة بالأزمة والإعاقات والخيبات العامة والخاصة.
خصوصا وأن الفكاهة السوداء التي تتقطر عبر حكي حواري، مونولوجي، وعبر أوردة بالأبيض والأسود للعبث والسخرية تشكل عند القارئ حسا تضامنيا مشتركا، ومصلا سريا يغذي الحكاية ويبذر فيها حياة الحكايات الجميلة، البعيدة عن تعقيدات الروح.
تتحقق متعة الحكي أيضا انطلاقا من حكي حلقي –في وحدة متفاعلة- في آخر الرواية، خصوصا، حينما يتم حكي قصة المعطي ومضاعفه المرأة. تحويل المعرفة
تسرد الرواية تجارب تتحول ذهنيا إلى معرفة موصولة بالحكي.
"-... آسف....احك لي إذن... احك الحكي يسمو بالإنسان.
احك لي قصة شللك فإن الرواية أبلغ من كل الخطابات الأخرى" ص58.
إن الحكي هو الكفيل، هنا، بتمرير المعرفة بالذات عبر تشريحها وتحديد مواقع الخلل فيها، ومعرفتها بالأوعاء أثناء صداميتها، وقد تم التوسل بنقط بؤرية هي الجسور المعرفية كنظرية الأسماء والشلل والتأملات والتعليقات الكثيرة.
حققت رواية "شجر الخلاطة" ازدواجية الجمع بين تقديم المعرفة والمتعة وهما الوظيفتان الأزليتان للإبداع الخالد، لكن إذا كانت المتعة هي بناء ممتد في الأحداث وتفاعلاتها فإن المعرفة في الرواية تظل معرفة دقيقة بصوغ الأسئلة وتحديد مصادر الخيبات دون إيجاد أفق لهذه الأسئلة الوجودية والاجتماعية.
العجائبي، المسخ، التحول
توظيف العجائبي باعتباره تقنية في الرواية وليس تيمة، هو صورة رمزية ترقى عن الاستعمال المبرر الذي كان ضمن السرود، وفي شجر الخلاطة، يحضر بتنويعاته على المسخ والتحول متزامنا مع تحول رئيسي في الرواية (ابتداء من 54) والتي هيأت للتحول في الأحداث بحيث طال عدة مستويات في الرواية :
الشخصيات بدءا بشخصية الجيلالي الخلطي الذي تحول من مشلول إلى إنسان غير معاق بعد ليلة حلم كابوسية، كما التحولات التي طالت تفكير الشخصيتين مع تقدم الحوار وتصاعديته.
أما الامتساخ، فبالإضافة إلى مسألة الهوندا والتصاقها بالحائط وكل تلك الاستيهامات التي شكلت خطابا محولا عند "شيش كباب"، هناك مسخ أساسي في الرواية ويتعلق بالمعطي الذي يتحول إلى رقية وما استولد كل ذلك من آراء متضاربة بحثا عن تفسير طبيعي للإشكال. مكون السفر
يتمظهر مكون السفر في مواقع حساسة من الرواية فيشكل السبيل لفك اختناق الحكي وذلك:
-انطلاقا من سفر مادي في الوجود للجيلالي الخلطي من امزاب إلى الدار البيضاء، أي من حكاية إلى أخرى.. وكأن هذا السفر هو ما سينقد الحوار من التورط في السجالية.
-أسفار متخيلة منتشرة في كل النص باعتبار الحوار بين الماضي والحاضر والمستقبل هو سفر في الذهن والروح والأفكار. بنية التعجب والاستفهام
وهي خاصية تنفرد بها الرواية بشكل ملفت، ذلك أنه لا تخلو جملة من التعجب أو التعجب والاستفهام في كل الصفحات حتى ولو كان الكلام عاديا او جوابا عن سؤال، فإن التعجب حاضر، بحيث ينفتح الحوار في بداية الرواية بتساؤل عن الهوية ثم ينتشر ويتوسع لصيقا بكل شيء فيجيء السؤال استفهاميا وتعجبيا وكذلك الجواب أو الحوار في بعديه الأفقي والعمودي وهو ما يدعم الأفكار التي تعالجها الرواية والمرتبطة بالسؤال الفلسفي وبنية الشك وعدم وجود حقيقة مطلقة.
الشك والسخرية والسؤال الأزلي حول الأسماء "والتي هي جروح ملبسة أكثر منها هويات واضحة"، وحول كل ما يتعلق بالإنسان وواقعه، من ثمة فإن هذه البنية المتضمنة لنقط الحذف والبياضات تشكل مفتاح العديد من القضايا التي تناولها المؤلف. أنساب الحكاية تحقق "شجر الخلاطة" امتدادا للروايات السابقة للمؤلف، يسعى من خلالها إلى إفساح الأصوات للمنسي عبر بناء مرآة أو مرايا متعددة الأطراف تقف أمامها الشخصيات، فتبرز بواطنها، وتتكلم فتسقط الزوائد ولا يبقى في الصورة إلا الخالص والخام وما يؤطر شبكة دلالية تلتقط الحكاية والخطاب وتقدمه مقطرا على جرعات متباعدة لا يرتق فراغها إلا خيط الحوار والتأملات المصاحبة.
والتي تؤكد قناعة أساسية كون الرواية هي سيرة فكرية وذاتية لآراء وأفكار تنطلق من ملتقى قضايا ساخنة للمتخيل والواقعي، وهي أيضا بحث عن حقيقة ما قضت مضجع الميلودي شغموم وسلالات الروائيين.