الميزان الفلسطيني المفقود!

الفلسطينيون لا يزنون كل موقف يقفونه من إسرائيل، ومن التفاوض السياسي والسلام معها، بميزان واحد فحسب، وإنما بميزانين اثنين، مع أن معاناتهم ينبغي لها أن تشدد لديهم الحاجة إلى "إبداع" ميزان ثالث يزنون به مواقفهم تلك بما يؤكِّد نجاحهم، الذي لا بد منه؛ لأنه بالنسبة إليهم شرط بقاء في المقام الأول، في التأسيس لسياسة تقوم على التحالف الدائم والصلب بين حقوقهم القومية كما يتصورونها ويعتقدون بها وبين حقائق الواقع التي ارتفع فيها منسوب الوحشية والعدوانية حتى كادت أن ترغمهم على اشتقاق ما هو في منزلة السياسة القومية العليا من العجز عن أن يدرأوا المخاطر الحقيقية عن قوتهم اليومي، والذي تضافرت الجهود الدولية والإسرائيلية، وجهود عربية أيضا، على صنعه وتعزيزه.
بميزان الحق القومي والتاريخي والإنساني، يظل الظلم كامنا بعضه، وظاهرا بعضه، في كل سلام يقيمونه مع إسرائيل، ومهما بدا عادلا. وبميزان ذاك النمط، المجرَّب فلسطينيا، من الواقعية أو البرغماتية السياسية، تأكد، ويتأكد، أن مزيدا من جهنم هو عاقبة كل سياسة توفَّر الفلسطينيون على صنعها بالنيات الحسنة فحسب.
الفلسطينيون منهمكون الآن في جدل وخلاف في شأن الموقف الذي ينبغي لهم أن يقفوه من الشروط والمطالب الثلاثة للجنة الرباعية الدولية والتي إن لبَّتها، بما يكفي من الوضوح، الذي تطلبه الولايات المتحدة وإسرائيل في المقام الأول، حركة "حماس" قامت حكومة ائتلافية فلسطينية يمكنها أن تنجح في درء مخاطر كارثة إنسانية عن الفلسطينيين، فتلبية تلك الشروط والمطالب ما عادت طريقا إلى "حل سياسي"، أو تذليلا للعقبات من طريقه.
لقد أحلُّوا "الإنساني" محل "السياسي" عبر ما أظهروه من استمساك بتلك الشروط والمطالب، ومن إصرار عليها، وكأن تجويع الفلسطينيين، وهُم القادرون عليه، هو الطريق إلى تنفيذ "خريطة الطريق" بعد إمعان إسرائيل في مسخها (بالتعاون مع الولايات المتحدة) الذي يشبه كسوا لعظامها بلحم إسرائيلي.
هذا "اللحم" رأيناه في تصوُّر الحل النهائي الذي دعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني "العالم" إلى "إقناع" الفلسطينيين به، حتى تتطهر سياستهم ومواقفهم مما بقي فيها من "أوهام"، و"آمال كاذبة". ليفني فالت إن إسرائيل تؤمن "برؤية الدولتين (الإسرائيلية والفلسطينية) اللتين تعيشان جنبا إلى جنب في أمن وسلام"؛ ولكنها تفهم تلك الرؤية على أنها رؤية لحل نهائي يقوم على حل نهائي لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في داخل إقليم الدولة الفلسطينية فحسب، على أن يشمل هذا الإقليم كل قطاع غزة وجزءا من الضفة الغربية، فالحدود المشتركة بين إسرائيل والدولة الفلسطينية لن تكون أبدا خط الرابع من حزيران 1967، فالإسرائيليون والفلسطينيون يجب أن يتفقوا، عبر التفاوض السياسي، على حدود مشتركة بين الدولتين في داخل الضفة الغربية، أي أن جزءا ليس بضئيل من الضفة الغربية يجب أن يصبح جزءا لا يتجزأ من إقليم دولة إسرائيل. وقد أعلنت أن في فهمها هذا يكمن "المعنى الحقيقي والوحيد" لرؤية الدولتين.
ليفني أرادت أن تقول للفلسطينيين المنهمكين في جدلهم وخلافهم في شأن شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية إن هذا هو "المعنى الحقيقي الوحيد" للاعتراف، الذي ندعوكم إليه، بحق إسرائيل في الوجود، فإسرائيل، التي لن يسمح لأي لاجئ فلسطيني بأن يأتي للعيش فيها، والتي تضم إليها أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، هي إسرائيل المدعوون إلى الاعتراف بحقها في الوجود.
إن أحدا لا يستطيع "إقناع" الفلسطينيين بأن "رؤية الدولتين" يجب أن يقبلوها، وبأن شرط الاعتراف بإسرائيل يجب أن يلبوه، بما يتفق مع تصوُّر ليفني، فكان لا بد، بالتالي، من تغيير الموازين لديهم، وجعل الاعتراف بحق إسرائيل (تلك) في الوجود شرطا أوليا لحصولهم على "الراتب" و"لقمة العيش"!
هذا الميزان ليس بميزان يجوز للفلسطينيين أن يزنوا به مواقفهم، ولا بد، بالتالي، للسياسة الفلسطينية من نبذه. أما الميزان الآخر فليس بالميزان الذي إذا استعمله الفلسطينيون يعود عليهم بالنفع والفائدة في المجالين الإنساني والسياسي، فالفلسطينيون ليسوا في وضع يسمح لهم بجهل "هدنة العشر سنوات" مَدْخلا إلى حل يؤجَّل فيه تقرير موقفهم من "المحرَّم الكبير"، وهو الاعتراف بإسرائيل، ويقوم، مع ذلك، على قيام دولة فلسطينية حدود إقليمها في الضفة الغربية هي ذاتها "حدود 1967"، فأين ميزان القوى الذي يمنح شرعية سياسية لحل كهذا، فلو كان في الواقع ما يؤكد أن شيئا منه يُرى بالعين لنجح الفلسطينيون أولا بحل مشكلة الرواتب بمنأى عن ضغوط "الشروط والمطالب الثلاثة".
أما لو كان ميزان القوى ذاك موجودا وجودا لا ريب فيه لانتفت الحاجة إلى حل كذاك الحل، فإسرائيل المهزومة هزيمة عسكرية كبرى وإستراتيجية هي التي يمكن أن تقبل "حل الهدنة" ذاك.
إن الميزان الثالث، الذي ينبغي للفلسطينيين، ولـ "حماس" و"فتح" في المقام الأول، أن يتوفَّروا على "إبداعه"، إنما هو الميزان الذي لا إفراط ولا تفريط في المواقف التي يقررها.
بعض الفلسطينيين يرفضون التفاوض السياسي (مع شروطه) الآن؛ لأنه يعطيهم، على ما يحسبون، أقل كثيرا مما يمكن أن يأخذوه عبر المقاومة العسكرية، التي بعضهم يرفضها (مع متطلباتها) الآن؛ لأنها لن تعطيهم، على ما يحسبون، شيئا مما قد يأخذوه، على قلته، من التفاوض السياسي. ويكفي أن ينظر الفلسطينيون إلى هذا الرفض وذاك على أنه ينطوي على نصف الحقيقة حتى ينجحوا في التأسيس لسياسة تقوم على الحقيقة بنصفيها. جواد البشيتي