عن الصيد في الماء العكر: حسن نصر الله الإنسان وبحث البعض عن زلات اللسان

يصاب المتابع لتطورات العدوان الإسرائيلي على لبنان بالصدمة من مواقف بعض القوى والشخصيات السياسية العربية واللبنانية، إن كان ذلك أثناء فترة الحرب أو ما تلاها، فمن التأمر الصريح والمفضوح على المقاومة الإسلامية في لبنان، إلى محاولة تقزيم أو نفي انتصار حزب الله على إسرائيل بشتى الوسائل والأساليب والحذلقات اللسانية الممجوجة والسمجة، وذلك من خلال التركيز على المأساة المتمثلة بالشهداء والجرحى والنازحين والخراب والدمار الذي لحق بلبنان بسبب العدوان الانكلو أمريكي – الإسرائيلي وهو عمل فظيع ومدان ويجب الوقوف عنده ملياً وملاحقة مرتكبي تلك المجازر عبر المؤسسات الدولية والمحاكم ليتم منهم القصاص ، ولكن المأساة الأكبر أن هذا البعض بدل أن يصب اللعنات على العدو الصهيوني وحليفاته وشريكته الولايات المتحدة، يصب لومه ولعناته وانتقاداته على حزب الله وحلفائه، دون النظر إلى الأسباب والدوافع الحقيقية للحرب وفق ما صرحت به المصادر الصحفية الغربية من أن الحرب كان قد خطط وأُعد لها أمريكيا وإسرائيليا منذ العام 2004 ولا يريد هذا البعض حتى النظر إلى الشق الأخر من المعادلة وهو الانتصار المظفر للمقاومة وما أحدثته في الجهة المقابلة من الحدود من تمزق وانهيار ومآسي وخراب ودمار وانكسار في كيان العدو بفعلها وصمودها الأسطوري.
هذا البعض الذي يبحث عن أي شيء يستر به عورته التي باتت مكشوفة للقاصي والداني يسعى وبكل جهد مستطاع أن يجد لإسرائيل والولايات المتحدة من الأعذار ما عجز إعلاميوها عن اختلاقها حيث أن إسرائيل عجزت عن الإتيان بمبرر منطقي واحد لإخفاقها العسكري سوى اعترافها بالهزيمة، ولكن أن يفكر المرء بمنطق بعض العرب الخائبين فهذا شيء قل مثيله إذ أن تلك التحليلات لو عرضت على طبيب نفسي لأكد أنها بهلوانية وساذجة وتصدر عن نفوس مريضة مصابة بالكآبة والصدمة النفسية وتنم عن ضيق أفق وجهل من مطلقيها حتى بمعاني الكلمات وبمضمونها وما تحمله في طياتها.
نقصد بشكل خاص تلك الحذلقات اللسانية والتفوهات التي صدرت عن بعض الأوساط السياسية العربية واللبنانية عقب مقابلة سماحة الأمين العام لحزب الله مع قناة التلفزيون الجديد اللبنانية والتي قال فيها: "أنه لو علم أن عملية الوعد الصادق (أي أسر الجنديين الإسرائيليين) سيكون الرد عليها بمثل هذا الإجرام والدمار من قبل العدو الصهيوني ما كان قد أمر بالعملية".
ووجه الغرابة في الأمر أن هذه التصريحات قد صدرت عن أولئك الذين أعتقد الجمهور العربي أن نتائج الحرب كانت كافية لكي يختبئوا في جحورهم مرة وإلى الأبد ويفسحوا المجال لجيل جديد من السياسيين القادرين على التعبير عن تطلعات الأمة وعن ضميرها ومخزونها المتراكم من الثورة والاستعداد للتضحية والفداء.
ولكن الفريق المتخاذل إياه صاحب نظرية "المقاومة المغامرة" يأبى إلا أن يعاند ويصارع ويسير بعكس التيار وبعكس الزمن وبعكس الواقع ويصر على أنه كان على حق رغم كل ما حصل، ومن هؤلاء ويا للأسف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والذي كنا وما زلنا نحترم والده أشد الاحترام على مواقفه الوطنية التي كنا نأمل أن يسير فيها نجله على هديها.... ولكنه خيب رجائنا.
فقد طالب جنبلاط سماحة الأمين العام لحزب الله بالاستقالة كما فعل عبد الناصر..(هكذا).. أما لماذا فلم يفسر وليد بيك موقفه؟! وبذلك أوقع نفسه في مأزق، لماذا؟؟ لأنه لم يوفق فيما طرح؟؟ (فيبدو أن ذاكرته قد خانته، أو أنه مازال بعد لم يرى ما حصل لإسرائيل بالفعل، إذ ربما يكون الرجل قد أخذ إجازة أو أضرب عن قراءة الصحف ومتابعة التلفاز والإذاعات احتجاجا على مواقف حليفه الأمريكي أثناء الحرب فقد عرى بوش كل حلفاءه في لبنان والعالم العربي ولم يترك لهم حتى ورقة توت.)، كون المعادلة التي طرحها السيد جنبلاط فاشلة من أساسها إذ أن هناك فارق كبير بين الحالتين موضوع المقارنة.
أولها: أن الزعيم الخالد جمال عبد الناصر استقال على أثر الهزيمة التي سميت "نكسة" بينما السيد نصر الله في حالة انتصار.
ثانيا: لم ينتبه أيضا إلى أن هذه المقارنة مغلوطة من جهة الموقع أي أن ناصر رئيس أكبر دولة عربية بينما السيد حسن نصر الله زعيم حزب مقاوم محدود العدد والعتاد.
ثالثا: يخطئ في مقارنة الواقعة، فعبد الناصر هُزم لفساد إدارته وعدم استعدادها للحرب وهو الذي أدى إلى الكارثة التي لحقت بالجيش المصري وبالأمة العربية في سيناء والجولان وفلسطين نتيجة حرب الأيام الستة عام 1967ولكن في الحالة اللبنانية فقد استعد حزب الله للمعركة استعداداً يفوق كل التوقعات.
ومع ذلك فإننا نسجل للسيد جنبلاط أنه أصاب في نقطة واحدة فقط وهي الرمزية التي يتمتع بها الرجلان فكلاهما أصبح رمز للتحدي والصمود والإباء والشموخ لعزة الأمة وكرامتها.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن السيد جنبلاط يكن للسيد حسن نصر الله في عقله الباطن (إي في اللاشعور) كل الاحترام والتقدير بل والإعجاب، حيث أنه يضعه في مصاف عظماء العالم وصفوة قادة الأمة العربية والإسلامية وفي نفس المكانة المرموقة التي ما زال يحظى بها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر لدى أبناء الأمة العربية والإسلامية ولدى كافة أحرار العالم.
ولكن ما لم يصرح به السيد جنبلاط في تفسير مقولته نستطيع أن نستخلصه من أقول السيد بوش الصغير الذي قال: "إن حزب الله لم ينتصر لأن لبنان دمر" وبذلك يكون السيد جنبلاط على رأي واحد مع السيد بوش الصغير، وإذا كان حقيقة يقصد ذلك، فالقول مردود عليه وعلى كل أولئك العرب من حلفاء واشنطن الذين راهنوا على نزاهة الدور الأمريكي، إذ أن رهانهم قد خاب فالعدو الأمريكي هو المسئول الأول والأخير عن تدمير لبنان وخرابه وكان الأجدر بجنبلاط وببعض أركان الحكومة اللبنانية الاستقالة والاعتذار للشعب اللبناني عما حصل، إذ أن الذي منح إسرائيل القنابل والصواريخ والقذائف التي دمرت لبنان والذي خطط معها وغطى على عدوانها بل ودفعها إلى الاستمرار فيه هو الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كوندي، وهم حلفاء مجموعة الأكثرية النيابية في لبنان وحماتها، فلماذا يبقون على رأس الحكم طالما أنهم تأمروا بطريقة مباشرة وغير مباشرة على المقاومة وساهموا بشكل أو بأخر في التغطية على العدوان؟! بل أن بعض التقارير والتسريبات تشير إلى أبعد من ذلك بكثير.
من جهة أخرى يبدو أن البعض ومن خلال هذه الحذلقات اللسانية يعتذر بشكل أو بأخر عن أوصاف أخرى كان قد تفوه بها أثناء العدوان ومن ضمنهم السيد جنبلاط نفسه فهو القائل أن هذه الحرب هي حرب إيرانية بالوكالة، فلو كانت كذلك بحسب ما يدعي فهل يعقل أن زعيم حزب الله يعبر عن أسفه لما حصل للبنان، وهذا القول الصريح هو حجة للسيد نصر الله على السيد جنبلاط وعلى كل المشككين بلبنانية أهداف عملية الوعد الصادق وربما كان هذا هو الهدف الذي رمى إليه سيد المقاومة من تصريحه الذي تلقفه أعدائه وخصومه حتى يبرروا خزيهم وتخاذلهم وعمالتهم.
وهنا أوقع الصائدون بالماء العكر والباحثون عن زلات اللسان أنفسهم في شر أعمالهم فإن أصروا على أن هذه الحرب إيرانية بالواسطة فكيف يمكن القول أن السيد نصر الله قد تفاجئ بالرد الإسرائيلي، كون هدف العملية لو كانت بالواسطة هو جر إسرائيل إلى مواجهة طويلة الأمد تبعد الأنظار ولو إلى حين عن موضوع الملف النووي الإيراني. وما قامت به إسرائيل (وليس حزب الله) من خلال عدوانها قد صب في مصلحة إيران إذ أن هناك مقولة للزعيم البلشفي لينين يقول فيها: "إذا تطابقت أهدافي مع أهداف عدوي فانا على خطأ" فإذا كانت كما يزعم البعض هي لأبعاد الأنظار عن الملف النووي الإيراني، فلماذا تنجر إسرائيل والولايات المتحدة إليها ألم يكن من الأجدر تأجيلها إلى حين الانتهاء من موضوع الملف النووي ولكن وحيث أن الحرب مبيتة وتنتظر الذريعة فقد شنت الحرب على وجه السرعة وبشكل أظهر فيه العدو حالة من الارتباك والفوضى حيث لم يرد تفويت الفرصة التي سنحت والتي أنتظرها العدو وحليفته واشنطن مطولاً، وبرهنت أيام الحرب أن أمريكا وبعض العرب هم الذين طالبوا بإطالة أمد الحرب مما جعلها الموضوع الأهم في الشرق الأوسط والعالم وغطت على كل ما عداها من مواضيع.
وأتت بنتائج عكسية إذ كانت بمثابة بروفة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وسوريا وإيران من جهة أخرى مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق الكبير بين قوة حزب الله المحدودة وما تتمتع به إيران من قدرات هائلة. وكانت محصلة هذه (البروفة) في مصلحة إيران وربما أيضا في مصلحة سوريا ولو بتفاوت... فبدل أن تضعف الضربة إيران وسوريا زادتهما قوة بفعل انتصار المقاومة وهزيمة إسرائيل.
ما قاله السيد حسن نصر الله يشبه إلى حد بعيد ما يحدث في مجتمعاتنا الشعبية من أحداث إذ أن أحدنا يريد أن يدافع عن كرامته فيضرب احدهم كفً فيفاجئه الأخر بقنبلة، أي أن تعليق السيد حسن وتصريحه لا يعني ندم ً على الحدث الذي قامت به المقاومة لأنه لم يكن وفق كل المعايير والتحليلات المنطقية يشكل مبرر كافي لشن الحرب العدوانية الشاملة ولكنه كان يصلح كذريعة لشن عدوان مبيت.
والتصريح في جوهره إدانة للعدو ولجرائمه ولحلفائه، فبدل أن يواجه العدو رجال حزب الله مباشرة في ميدان المعركة وهو ما توقعه السيد نصر الله وقيادة حزب الله، لجأ وبنتيجة عجزه وجبنه إلى الضغط على المقاومة، من خلال قتل الأبرياء وتشريد المدنيين وتدمير البنى التحتية ، فهذا الرد لم يكن يتناسب وفق كل المعايير مع حادثة اسر الجنديين وفيه دليل على أن العملية كان مخطط لها من قبل وكانت تنتظر الذريعة لشنها وهذا ما كان وما أكدته كل المعطيات السياسية والعسكرية أثناء الحرب وفي الفترة التي أعقبتها.
ومن المصيبة بمكان أن يظل بعض العرب يقرؤون النصوص والأقوال فقط في ظاهرها وينسون أن للنصوص والأقوال معانً باطنية وتحمل في ما وراء المعاني معانً لا يفقهها إلا كل ذي بصيرة وعقل، كفى تذلل للأجنبي الذي لم يأتي منه حتى الآن إلا الخراب والدمار والويلات لبلادنا ولنقف معا ولو لمرة واحدة في وجه الظلم ونقول لا نريد دولاراتكم ولا حمايتكم نحن جزء من هذه الأمة ومن شعوبها نحن باقون في هذه الأرض جيل ثائر وراء جيل وانتم وصنيعتكم إلى زوال.
هذا عصر الشعوب، عصر تحطم الأغلال وبزوغ الفجر، فالجيل العربي والمسلم الذي يولد اليوم ويقاوم هو جيل لا يعرف للهزيمة معنى وفي قاموسه يوجد فقط كلمات خطت بأحرف من نور ونار هي الشهادة أو الانتصار. د. علاء أبو عامر
أستاذ العلاقات الدولية www.alaaabuamer.jeeran.com

dr.alaaabuamer@gmail.com