البارزاني لا يكشف سرا بإعلان خياراته الاخيرة!

عندما يتحدث البارزاني علنا وعلى رؤوس الاشهاد ويعلن بصريح العبارة ما يضمره ويسعى اليه هو وحركته فأن اي متابع للشأن العراقي بدقائق تطوراته سيعرف ان هناك طبخة بمقادير محددة يجري اعدادها على نار هادئة ومنذ زمن ليس بالقصير، وكلما تأخر نضج محتوياتها يحاولون زيادة نار طبخها تعجلا لتجهيزها وحسب الطلب الاولي الذي حدد نوعها وطعمها ولونها ورائحتها!
اما من هم الطباخون؟ فهم كل المتحاصصين من مدعي التمثيل السكاني للاثنيات والاعراق والطوائف العراقية، وليس سرا ان المشرفين عليها والمعدين لها هم ذاتهم غزاة العراق وحلفائهم في المنطقة.
واذا اردنا مقارنة تصريحات البارزاني وافعاله منذ احتلال العراق حتى الان وكي لا نرجع كثيرا الى الوراء لان الوراء لا يختلف في مضمون سعيه عن الذي حصل بعد الاحتلال بل كان عبارة عن مقدمات موضوعية له، مع تلميحات وافعال جماعات التحاصص والتقاسم في الجنوب والوسط فاننا لا نجد فارقا شاسعا او جوهريا بينهما، لكن يبقى لاقطاعيي الشمال اندفاعتهم ذات المسعى المبرمج والمدفوع والمدعوم من اشد القوى رغبة في تحطيم اي شيء له علاقة بالعراق الواحد القوي والقادر والمستقر والمتطور، ومعرفتها لم يعد سرا ايضا، انها اسرائيل، باعترافها واعتراف مؤرخيها ومحلليها وبعض سياسيها من خلال علاقاتها التاريخية المتجددة مع قادة حركات التمرد العشائري والاقطاعي الرجعي في شمال العراق، ومنذ حكم الجمهورية الاولى بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، ناهيك عن ارتباطاتهم الارتزاقية بالحكم الشاهنشاهي في ايران الذي جعل منهم ومن تمرداتهم ورقة ضغط بيده على الحكومات المتعاقبة في العراق!
لقد اعلن البارزاني مؤخرا انه سيسعى وبكل قوة لمنع قيام دولة عراقية قوية المركز وسيعمل على عرقلة اي توجه لتقوية جيشها كي لا يكون درعا لهذه الدولة، واستدرك بان العراق مقدم على ثلاث خيارات لا رابع لها وهي على النحو التصاعدي التالي: الفدرالية، الكونفدرالية، التقسيم، قد يجد البعض ان هذا التصريح غريب وشاذ، ويتمنى البعض الاخر من مرتزقة ودلالي وحلفاء الاقطاع الكردي من عرب النسب ان لا ينتبه الى هذه التصريحات احد، لانها تسقط اوراق التوت التي يحاولون وضعها على واقع وافاق مشروع الاغوات هذا! وهي تجعلهم منبوذين وعراة امام النزعة الوطنية الجياشة التي يتسم بها ابناء العراق الشرفاء، وهم الاغلبية الكاسحة من الشعب بكل شرائحه وفئاته.
اما الذين ما زالوا على بصيرتهم وعلى متانة ذاكرتهم وعلى اخلاصهم لشعبهم وقضاياه فهم لا يجدون في هذه الصريحات اي شذوذ او غرابة، بل بالعكس يعتبرونها امتدادا طبيعا لمسلسل الغدر والخيانة والا وطنية، يعتبرونها سقوط للاقنعة الزائفة التي يتجملون بها امام من لم يكشفهم بعد.
ان اي عاقل وغير مغرض يستطيع التوصل الى استنتاجات صحيحة من خلال قراءة سياسية علمية ونقدية بترابطاتها لتصريحات البارزاني وغيره من الاغوات ومقارنتها بافعالهم واشكال علاقاتهم وتعبئتهم الداخلية والخارجية وهي ستفسر الكثير مما يحدث في العراق من عظائم وعجائب الامور،
سنجدها متسقة تماما بين الاقوال والافعال، انهم يعتبرون الوضع الذي يمر به العراق الان هو فرصة تاريخية قد لا تعوض لاجل استقطاع الجزء الشمالي منه واقامة دولة تحقق لهم استقرارا يمكنهم من امتصاص ما يريدوه من خيراتها بعد ان تكون هذه الدولة ملكية شبه اقطاعية يتوارثها البارزاني وعائلته وحاشيته، وحتى يتمكنوا من ذلك فلا بد من وجود مبررات سياسية وفكرية وميدانية تكون غطاءا للفعل القصدي والارادوي المخل الذي مارسوه بحق الدولة والمجتمع العراقي برمته.
فلا يمكن ان تكون مبررات القمع الذي مارسته حكومة ما ضد عشيرة ما او طائفة ما او حزب ما او اثنية ما مبرر منطقي لانفصال هذه العشيرة او الطائفة او الحزب او الاثنية، لاسيما وان الحكومة التي يتذرع بقمعها الانفصاليون هم قبل غيرهم يعلنون انها لم تستثن احدا من قمعها، وهي عندما تقمع ليس لاعتبارات التمايز القومي او الطائفي او المناطقي، وانما لدواع سياسية صرفة، هذا اذا استثنينا اصلا ان الانفصال داخل الاقليم الواحد والشعب الواحد امر لا يحسب لصالح قوة الاقليم والشعب في مصارعته للقمع الذي تمارسه الحكومة، بل بالعكس قد يمنحها مبررا لزيادته وتركيزه على الداعين للانفصال، علاوة على ان حق الامم في تقرير مصيرها سيكون خارج هذه اللعبة تماما، اولا لان الاقليم الواحد والشعب الواحد هو المقياس الاصيل والمتحقق لاي مشروع انبثاق امة ما ودونه تصبح مقولة الامم غير المتحققة هي مجرد مجازات لغوية ترتبط بقضايا النزعات النفسية والثقافية ليس الا، وثانيا ان يكون شعبا ما واقع تحت احتلال جيش دولة وشعب اخر، كما هو حال العراق الان، فهو واقع تحت احتلال امريكي غاشم، وعليه من حق شعب العراق الذي تكفله كل الشرائع في تقرير مصيره من خلال مقاومته للاحتلال ومشاريعه، ومن اهم المبررات التي يمكن ان تكون عاملا حاسما وميدانيا لتحقيق هدف الانفصال هو حدوث حرب اهلية طاحنة تؤدي الى فصل وعزل سكاني ضمن جغرافيات الانتشار الممكنة والتي تصاحبها نزوح وتهجير قسري لفك اشتباك المناطق المختلطة، ولا نتجنى على احد اذا قلنا ان الذي يقوم به حزبا البارزاني والطالباني في مناطق كركوك وبعض مناطق الموصل وبعقوبة اضافة الى اربيل ذاتها كلها تؤشر الى انهم مستعدون لاشعال هذا الفتيل القاتل لتحقيق اهدافهم الجهنمية وغير المشروعة، والمصيبة تكمن في انهم يقدمون انفسهم كقوة مثل يحتذى بها من قبل اقرانهم في الجنوب والوسط حيث مظاهر التطهير الطائفي، بل انهم يساهمون بطرق مباشرة وغير مباشرة على اتساع نطاق العزل القومي والطائفي وتصفية من يعيقه، ووفق منهج متصاعد ومستور باقنعة متعددة اضافة الى المساهمة بعرقلة انبثاق جيش عراقي قوي يستثمر خبرات الماضي ويساهم في تعزيز الامن بالبلاد، وهنا كما في موضوعة ترسيخ الانعزال والتقاسم والتحاصص ليكون مقدمة لاعادة نشر شعب العراق على اسس غير الاسس الطبيعية في الانتشار، فان الاحتلال هو الراعي الرسمي لكل هذه الممارسات بل يشجعها ويستثمرها لمصلحة بقاءه الدائم بالاحتلال المباشر او دونه، وما انتعاش ظاهرة التسلح وظاهرة الدفاع الذاتي لكل مجموعة من المهيمنين على الاحياء والمناطق وارتباطهم بالميليشيات التي هي اقوى بالعدة والعدد من ما يسمى بالجيش العراقي الجديد، الا صور صارخة لحالة تصاعد الاحتراب الداخلي التي سيعيشها العراق خلال الفترة القادمة، لينشغل الجميع بحربه الطائفية والعرقية عن محاربة الاحتلال ومشاريعه، وهذا الحال القلق ينسحب على كل المفاصل الاخرى كعلاقات دوائر الدولة ببعضها وفوضى تعليماتها بل تضاربها، وهي كالدستور المعلن لا تساهم الا بالمزيد من التباعد والضعف، اما موضوعة الاستثمارات النفطية الاجنبية في مناطق سيطرة البارزاني والطالباني دون سيطرة او تخطيط الدولة المركزية فهو امر جار على قدم وساق، هذا اضافة الى الاصرار على ان تكون هناك قنصليات لحكومة البارزاني في سفارات العراق، كل هذه الافعال والممارسات تؤكد وجود توجه واضح لاستغلال حالة الضعف العراقي من اجل استكمال مستلزمات الانفصال الكلي حيث ستحين الفرصة بتفجير الوضع الامني وبشمول اكبر، وتحت الحماية الامريكية الاسرائيلية من اعتراضات دول الجوار، لقد صرح البارزاني مرارا وتكرارا بان الحرب الاهلية اذا قامت فانه سينفصل!
عليه فهو المستفيد الاول بعد الاحتلال من قيام الحرب الاهلية، والمنطق يؤشر الى مصلحته في السعي اليها والدفع باتجاهها، اذن فهو يسعى الى تحقيق خياراته كلها وعلى مراحل تكمل بعضها بعضا، وهو الان في المرحلة الكونفدرالية غير المعلنة منها، وعندما تقام الحرب الاهلية الشاملة الموعدة، فانفصاله سيكون تحصيل حاصل. لا انفصال للشمال دون فصل للجنوب! حتى لا تقوم للعراق قائمة قد تعود بالقوة له بما يؤهله لاعادة لحمة ارضه وشعبه، فلابد من بعثرة اجزاءه لاكثر من جزء منفصل كي لا يعاود الكرة وتقوم له دولة واحدة! لذلك فان تحالف الاغوات مع الايات الشيطانية في الجنوب والوسط ومع البائعين من مثقفي ونخب وتجار زمن الاحتلال بما فيهم جماعة اليسار الانتهازي والليبراليين المتصهينين، سائر وبهدى الاخوة الاعداء لتحقيق حزمة تحالفه الشاذ ذا الاهداف الشاذة!
ان بغداد بثقلها السكاني المتنوع، وثقلها التعليمي والمركزي، ما زلت تشكل العقدة الاعقد في منشار تقسيمهم فاذا قسموا العراق كيف تكون تبعيتها ولمن؟ وهل يستطيع اهلها تحمل وطأة غربلتها وتجريدها من دورها كقلب نابض لعراق كان؟
الحقيقة ان كل القتل والتفجير والتفخيخ واعمال التطهير الجارية فيها مع الاهداف المتداخلة لقوى التقسيم والتحاصص وميليشياتها ونهمها المستشرس للهيمنة على تمثيل او حكم الطائفة او الاثنية او المنطقة تدل على ان هذه الاعمال وبدرجات متفاوتة هي من صنع قوى التقسيم وراعيهم الاحتلالي، وان المقاومة العراقية بفصائلها السياسية والمسلحة ونخبها ومثقفيها هي المعبر عن تطلعات شعب العراق في التصدي للاحتلال وقوى التقسيم الطائفي والقومي البغيضة، وهي المؤهلة لابطال مفعول سموم المحتلين واتباعهم وانقاذ عراقنا من جهنمهم الذي يريدوه قبرا ازليا لبلاد النهرين العظيمة.
لقد تخلل خيارك يا برزاني واحمض، وعطت رائحته، التي سينفر منها الاقربون قبل الابعدون والرهان معقود، فلا الشمال بعاق ولا الجنوب يرضى ان يكون جسرا للنفاق، اما بغداد فعودة الروح اليها عادة يعرفها كل شاهق وخلاق، والموصل وسامراء والانبار من وسلوى لكل مشتاق، والنجف وكربلاء حوزات ستنطق باسم العراق. جمال محمد تقي