ماذا فعلت السينما المصرية بنجيب محفوظ؟

بقلم: رجب سعد السيّد
مراقب عن بعد

قرب نهاية العام 1988، وعقب فوز الراحل الكبير نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الآداب، كان لي شرف تمثيل أدباء الإسكندرية في الاحتفال الذي أقيم بمقر رئاسة الجمهورية بالقاهرة، تكريماً لأديب مصر النابغة. وفي حفل الاستقبال، الذي أعقب الاحتفال الرسمي، وقفتُ مع بعض الممثلين المصريين، ممن تتم دعوتهم "لتزيين" الاحتفالات الرسمية، وأخذتُ أتحدث بصراحة عارية وحماسة شديدة – وهو أمر اعتيادي بالنسبة لي في ذلك الزمن، قبل أكثر من ربع قرن – عن أن السينما المصرية مقصِّرة في حق نجيب محفوظ، بل إنها عمياء عنه، وهو – في رأيي – بمثابة المورد الغني للأفكار والرؤى والأنسجة السينمائية، الكفيلة بإنتاج أشرطة عظيمة، لم تظهر حتى الآن؛ فعند محفوظ مخزون ضخم من الأحداث والحكايات والشخصيات المتفردة، غير أن مواهب السينمائيين الذين مروا بتاريخ السينما المصرية المواكب لظهور الأعمال الأدبية المتتالية لنجيب محفوظ، كانت قاصرة وعاجزة عن اكتشاف هذه الكنوز.
وبالطبع، فإنني لم أجد أذنا صاغية لدي أيٍّ ممن كنت أتحدث إليهم، فالواضح أن كلامي كان شديد الوطأة عليهم؛ ولم أكن، في ذلك الزمن، أجيد تلوين الكلام وتجميله بأدوات تخفف من وطأة الصراحة؛ غير أنني – بعد أن عدتُ إلى الإسكندرية – كتبتُ عدة مقالات قصيرة عن نجيب محفوظ، كان منها مقال عنوانه "اغترفوا من نجيب محفوظ!"، فصَّلتُ فيه رؤيتي التي أجملتُها في السطور السابقة.
والحقيقة الواضحة، هي أن نجيب محفوظ كاتب غزير الإنتاج، اكتسب خبرات عديدة متنوعة، ومرّ بتجارب وعصور متباينة، ونجح في أن يرسم لنفسه مساراً لم يحد عنه، ضمن له مقعداً في صفوف "المراقبين من بعيد"، غير المنغمسين في المشاركة الفاعلة؛ وهو، بذلك، قد اقتصد في طاقاته، ووفرها لصالح إبداعه؛ وقد وصل حرصه على أن يبقى مشاهداً من بعيد ومراقباً إلى حد أنه كان يلجأ لحالة من الكمون الاختياري، في أوقات التقلبات والتغيرات الحادة، حتى تتضح الأمور، فيخرج للوجود المتغيِّر، وينتج؛ مثله في ذلك مثل حلزون البحر، يلجأ لمخبأه الكلسي المنيع – قوقعته – إذا عبست له الحياة، فإن عادت وأقبلت، أخرج جسمه الرخو، وراح يسعى فوق خط الرمال المبللة. وعلى سبيل المثال، اختفى نجيب محفوظ عن الساحة في السنوات من 1952، عام الثورة المصرية، إلى العام 1959؛ وبعد عودته للكتابة، أنتج رواية "اللِّص والكلاب – 1961"، المأخوذ عنها شريط "ليل وخونة"، الذي نتخذه نموذجا في هذا المقال.
قد يرى البعض في ذلك سلبيةً من كاتب في حجم وقامة نجيب محفوظ؛ فالمفترض أن الكاتب مكانه مركز القيادة في المجتمع، وهو إن اكتفى بالمشاهدة تخلَّى عن دوره الطبيعي؛ غير أن الأمر بالنسبة لمحفوظ يُغتفر، إزاء الإنتاج الغزير الرائع الذي أغنى به حياتنا الأدبية، والذي تُوِّج بحصوله على أرفع جائزة أدبية في العالم. ومن جهة أخرى، فإن محفوظاً وفّر على نفسه جهد الصدام المباشر، مفضلاً أن يعالج قضايا وطنه ومجتمعه، ويتعرض لأخطر المسائل، من خلال الكتابة الأدبية، وهي صنعته التي يجيدها؛ فقد كان – كما تشهد بذلك أعماله – مواكباً لكافة الأحداث والتطورات، وقال فيها رأيه في صياغة فنية متميزة، قصصاً ورواياتٍ، بل إنه وصل إلى درجة النبوءة، كما رأينا في روايته الشهيرة "ثرثرة فوق النيل"، التي كتب عنها بعض النقاد أنها تنبَّأت بما جرى في العام 1967. كما أن الغنى السينمائي لنجيب محفوظ لا يقتصر على رواياته، فكثير من قصصه القصيرة يصلح أعمالاً سينمائية، إذا توفر لها كاتب السيناريو المكتشف، الذي يضع يديه على أبعادها المتنوعة، وما تفجره من قضايا.
ومن العلامات المهمة، والمثيرة للدهشة، في علاقة نجيب محفوظ بالسينما المصرية، سلوكه الفريد مع السينمائيين الذين تعاملوا معه، والذي سنَّ به سُنَّةً غريبة، حين أعلن أنه غير مسؤول عن العمل السينمائي المأخوذ عن رواياته وأعماله القصصية، فما تصنعه السينما جنس فني مختلفٌ عن الروايات والقصص التي سطرها قلمه؛ وقد فتح بذلك الباب على مصراعيه لكتَّاب السيناريو الذين يعطون لأنفسهم الحق في تجاوز كل الحدود، وتغيير ملامح الأعمال الأدبية، وأحياناً مسخها؛ فقد أعطاهم كبير كتَّاب مصر الرخصة! وعلى أي حال، فقد قُتِلت بحثاً قضيةُ العلاقة بين الشريط السينمائي والعمل الأدبي المعتمد عليه؛ وهي قضية تتداخل في تحديدها عوامل متعددة، منها : قيمة كاتب السيناريو وثقافته وقدراته الفنية؛ وزمن كتابة السيناريو، ومدى تطابقه أو ابتعاده عن زمن أحداث العمل الأدبي الأصلي.
فماذا عن النموذج الذي نتناوله الآن: شريط "ليل وخونة" للمخرج الراحل أشرف فهمي؟
واضح أن أشرف فهمي كان يريد أن يقول أن لديه وجهة نظر مغايرة في محفوظ؛ فقد خاض تجربة التعامل مع نصوص محفوظية – التعامل للمرة الثانية – في عملين: "وصمة عار"، الذي عالج فيه رواية "الطريق"؛ وكان حسام الدين مصطفى قد سبق أن قدمها في شريط يحمل العنوان الأصلي للرواية. أما العمل الثاني، فهو هذا الشريط: "ليل وخونة"، الذي عالج فيه رواية "اللص والكلاب"، التي كان كمال الشيخ قد سبقه إلى معالجتها في شريط يحمل عنوان الرواية الأصلي، أيضاً. إن قيام أشرف فهمي بذات الفعل مرتين يؤكد على رغبته في طرح وجهة نظر مغايرة؛ وهذا حق طبيعي؛ وربما يأتي غيره ويقدم لنا رؤية ثالثة "للص والكلاب". ولماذا نقول ربما يأتي، فقد حدث فعلاً، وجاء من قدم لنا "اللص والكلاب" للمرة الثالثة، في الشريط السينمائي "الهروب"، من إخراج عاطف الطيب، وسيناريو مصطفى محرم، الذي أباح لنفسه أن يقول أنه هو كاتب القصة والسيناريو والحوار! وعلى أي حال، ففي تاريخ الفن أمثلة كثيرة لتعدد تجارب التناول الفني لعمل أدبي بعينه .. انظروا – على سبيل المثال لا الحصر - إلى الشيكسبيريات التي عولجت في مدارس فنية وفكرية مختلفة، وصبغتها رؤى ومذاهب سياسية شديدة التباين، وفي قوالب متعددة ، سينما، ومسرح، ومعزوفات موسيقية، وأوبريتات، وباليهات.
إذن، هو حق طبيعي أن يقول فنان إن لي وجهة نظر مغايرة.
وحق طبيعي لنا، نحن جمهور المشاهدين، أن نتساءل، في بعض الحالات: ما الضرورة؟ هل هي مجرد الرغبة في خوض "مغامرة" فنية؟ هل هي مسألة "استسهال"؟ هناك طريق معبّد، شقَّه آخرون، فلماذا لا ندوسه نحن أيضاً؟
أغلب الظن أن نية المخرج والسيناريست كانت طيبة، إذ رغبا في التعرض للتغيرات الحادة والرهيبة التي "حرثت" المجتمع المصري في الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك عبر رواية محفوظ. ولكن السؤال الذي يلي تقديم حسن النية، هو: لماذا تم ذلك من خلال اللص والكلاب، بالذات؛ بينما يوجد – عند محفوظ وعند غيره من الأدباء المعاصرين – عشرات الروايات والقصص التي تتعرض للموضوع مباشرةً، ولا تجعلنا بحاجة لأن نعتمد على عمل بعيد نسبياً، ونلوي أذرعته، لنرغمه على أن يقول ما نريد أن نقوله نحن، عن أحوال "هذه الأيام"؟ إن المزلق الذي تتعرض له مثل هذه المغامرة، يتمثل في أن المشاهد المتابع الواعي تكون لديه مرجعيته الخاصة، المستمدة من العمل الأدبي، ومن المعالجة أو المعالجات السابقة؛ وتظل هذه المرجعية حاضرة تحاوره، بل وتخيّم على وعيه، وهو يشاهد الشريط، بل إنها قد تفسد عليه متعة المشاهدة.
إذن، فقد كان ثمة ما "يسد" في هذا المجال، ويقوم بالمطلوب، ويرضي رغبة المخرج في المشاركة في حوار حول أحوال الوطن في زمن ما؛ فهل كانت المسألة مجرد استغلال لصيت نجيب محفوظ والضجة التي تزايدت حول اسمه، بعد حصوله على نوبل؟
ثم إن الفيلم، على مستوى الطرح النقدي، لم يقدم لنا لغة سينمائية متميزة مختلفة عن سابقه، بل كان – كرأي بعض النقاد – مجرد توليفة سينمائية تجارية، من موجة سينما الثمانينيات، التي كانت تغازل مشاعر وحواس طبقات خلَّقتها الظروف الاجتماعية والاقتصادية الانفتاحية والتطبيعية، فرضت ذوقها، حتى يومنا هذا، على المسرح والأغنية والسينما في مصر، بصفة عامة.
وفي رأينا، فإن "ليل وخونة" يحاول أن يدين الحل الفردي، في زمن اتجه فيه الجميع إلى هذا النوع من الحلول، واتبعوا مبدأ "لينج كلٌّ بجلده!"، و"ليهبر من يستطيع، بقدر ما يستطيع، ويجري!"؛ وهي النغمة التي سادت الأحوال العامة في فترة انفتاح الثمانينيات الساداتي، في مجتمع ضيّع فرصة الاستثمار الحقيقي لانتصار جيشه في حرب حقيقية مع العدو الصهيوني؛ وتكفلت متتابعة الأحداث التي أعقبت الحرب بتغيير ملامح المجتمع المصري، بل زوّرتها. غير أن الشريط عرض هذه القضية الخطيرة بصورة لا تخلو من سذاجة، ولا تحترم عقلية المتفرج العادي، ناهيك عن عقلية المستنير؛ بل إننا كنا نتصور، في بعض المشاهد من شريط "ليل وخونة"، أن المخرج والسيناريست قد نسيا هدفهما، وأنهما ينتصران للحل الفردي، لا يدينانه.
وقد تعمد شريط "ليل وخونة" أن يتباعد عن الرواية، مقترباً من الحادثة الأصلية الشهيرة، التي أقام عليها نجيب محفوظ البناء الروائي "للص والكلاب"، حادثة سفاح الإسكندرية محمود سليمان، فتغير اسم البطل من سعيد مهران إلى صلاح سليمان، وتغيرت مهنة "الأستاذ المثقف المحرِّض" من الكاتب الصحفي رؤوف علوان إلى المحامي محسب، كما تغير – دون ضرورة – اسم نبوية، الزوجة الخائنة، إلى سناء؛ واسم نور، البغي، إلى قمر؛ واسم عاشور عليش، "صبي" سعيد مهران، الذي خانه في غيبته، إلى شقرون، والأخير هو اسم لشخصية محفوظية في رواية أخرى، بل إنه اسم من نحت محفوظي خالص. فهل كانت هذه التغييرات رغبة من صانعي الشريط في الابتعاد، أكثر، عن رواية نجيب محفوظ؟ لماذا، إذن، تصدَّر اسمُ الكاتب "تيترات" الشريط؟ أعتقد أن جانباً من الإشكالية كان يمكن أن ينتهي لو جاء في هذه "التيترات" أن الشريط مأخوذ عن رواية كذا، لنجيب محفوظ، وليس قصة: نجيب محفوظ.
إن مشكلة ابتعاد السيناريو عن جوهر العمل الأدبي تتضمن شقاً أخلاقياً؛ مع احترامنا لحق نجيب محفوظ في التنصُّل مما تفعله السينما بأعماله؛ فالسيناريو – الذي يطلق عليه الجيل الجديد من السينمائيين، ربما استخفافاً، لفظ "الورق" – هو كتابة تصنع سينما؛ والسينما أداة تخاطب الملايين من جماهير لا تحب القراءة، أو لا تقبل عليها، أو لا تعرفها؛ إنها – هذه النوعية من الجماهير – تستمد ثقافتها العامة من هذه السينما؛ فيستقر في وجدانها ووعيها أن "هذا" هو نجيب محفوظ، وهذا هو فكره؛ لأن الشريط لا يلحق به مذكرة تفسيرية توضح الفارق بين الرواية والعمل السينمائي الملتصق بها، التصاق الطفيل بالعائل!
إن من يعرف النص الأدبي "اللص والكلاب"، يجد أن كاتب السيناريو ضحّى بالكثير، ليصنع شريطه المسمى "ليل وخونة"، وارتضى من الرواية بزاوية محدودة للغاية. وربما كان السبب وراء تجاوز كاتب السيناريو لمحتوى نجيب محفوظ في "اللص والكلاب"، هو أن هذه الرواية مكتوبة بتكنيك "تيار الوعي"؛ وهو ما يجعلها مكثّفة، متعددة المستويات النفسية، التي يصعب ترجمتها إلى أحداث وحركة، أي إلى لغة سينمائية؛ خصوصاً إذا كان كاتب السيناريو محدود القدرات، أو أنه لم يشأ أن يبذل جهداً أكبر. لقد استخدم محفوظ هذا التكنيك بحرفية بالغة، فجعل نور تبرز للبطل سعيد مهران من الظلام، فجأةً .. من ظلام مهنتها كفتاة ليل، لتنير الطريق للبطل التائه، في عذابه أمام من خانوه وخدعوه؛ في حين أن نبوية – الزوجة الخائنة – لم تظهر لنا في الرواية إلاّ من خلال ذكريات مهران عنها، في تيار وعيه المنساب في تموجات متعاقبة، تعتمد على استحضار الماضي (الفلاش باك)؛ فتتعاقب الذكريات، ويتداخل الماضي بالحاضر، ويتشابك العالم الداخلي للبطل – من خلال "الفضفضة"، أو "المونولوج الداخلي" – مع العالم الخارجي، الذي يصفه لنا المؤلف مستخدماً ضمير الغائب. ونحسب أن نجيب محفوظ هو أول من نقل هذا الأسلوب الجديد في كتابة الرواية، من كتّاب أوربيين، مثل ألان روب جرييه، وميشيل بوتور، واستخدمه في "اللص والكلاب".
كانت نور، إذن، التي تخلّى الشريط عن اسمها، وسطَّح كاتب السيناريو شخصيتها، ترمز إلى شعاع الأمل الوحيد في حياة سعيد مهران المضببة الغائمة، وهو يتخبَّطُ وسط الذكريات الأليمة والواقع المرير الذي يعايشه؛ فهو لم يوفق في تنفيذ خطة الانتقام التي وضعها، فكلما سدد مسدسه نحو أحد من "الكلاب" الخونة، أصابت رصاصاته أبرياء لا ذنب لهم، فتزداد عذاباته وآلامه. وهكذا، أصبح سعيد مهران ضحية للعدالة التي رغب في إقرارها هو بذاته، على الخونة في مجتمعه؛ فأصبح طريداً بين بني جلدته، تلاحقه "الكلاب الحقيقية" للشرطة. ولم يكن أمامه سوى نور، التي تخفيه في بيتها، بالقرب من المقابر (وليس في عوَّامة على النيل، كما في الشريط)؛ بل إنها حاولت إقناعه بالابتعاد عن الجريمة، ومغادرة شهوة الانتقام. وتختفي نور، عند نهاية الرواية، اختفاءً مبهماً؛ ولا يقول المؤلف كلمة واحدة عن مصيرها؛ وعن ذلك يقول نجيب محفوظ، في لقاء خاص مع واحدة من دارسي أدبه "لقد اختفت نور من حياة بطل الرواية لأنها أدت مهمتها، فلم يعد بوسعها أن تفعل أي شيء من أجله؛ فهو مفقودٌ مفقود .. لقد انتهى دورها في الرواية، وفي حياة البطل، لذلك اختفت".
والجدير بالذكر، أن نجيب محفوظ انتقل، في هذه الرواية، إلى بداية مرحلة جديدة من مسيرته الإبداعية، مخلِّفاً وراءه مرحلةً اهتم فيها برسم محيط اجتماعي كامل، يغصُّ بالشخصيات، إلى مرحلة يقدم لنا فيها شخصيات فردية معزولة؛ وقد استلزم ذلك أن يتلاشى العالم الخارجي إلى أقصى حدِّ، ولا يتبقى منه إلاّ ما يكفي ليكون خلفية روائية، تساعد في إبراز ملامح الشخصية الروائية المفردة. رجب سعد السيد ragabse@yahoo.com