هل الحرب الأميركية - الإيرانية قادمة؟

ليس ثمة تفسير للتحركات والمناورات العسكرية الإيرانية الحالية والتي تعمد الإيرانيون في خلالها إظهار أنواع حديثة من الصواريخ والسفن الحربية سوى أن خطر الضربة العسكرية الأميركية ضدها ربما يكون قادما، سيما بعد إعلان الرئيس الأميركي بشكل واضح أن الهجوم الإسرائيلي على لبنان جزء من المعركة الأشمل مع سوريا وإيران، علاوة على اقتراب مهلة مجلس الأمن الدولي في 31 آب/اغسطس الحالي لحسم موضوع تخصيب اليورانيوم، إضافة إلى مؤشرات كثيرة لاحتمال هذا الخيار ومنها:
- أكدت "الوثيقة الإستراتيجية للأمن القومي" التي نشرها البيت الأبيض 6 نيسان/إبريل 2006 أن الولايات المتحدة ما زالت على استعداد - رغم وضعها في العراق - لشن هجمات "وقائية" ضد كل من يهددها، وحددت إيران باعتبارها "الدولة التي تطرح أكبر تحد" للجوء للقوة ضدها. واللافت أن وثيقة مشابهة "للإستراتيجية الوطنية" تحدثت أيضا عن حق أميركا "في شن هجوم وقائي" أعلنتها إدارة بوش في أيلول/سبتمبر 2002 قبل أشهر من غزو العراق، كما أن ذات الأدلة الاستخبارية التي ثبت عدم صحتها عن العراق تتكرر حاليا مع إيران. ولكن الوثيقة الجديدة تحدد هدفها بأن "العالم سيكون أفضل حالا إذا أدرك الطغاة أنهم بامتلاك أسلحة دمار شامل سيتحملون عواقب ذلك".
- ثمة تقارير صحافية عدة ومنها مجلة "نيويوركر" الأميركية ذكرت أن إدارة بوش تخطط لعملية قصف واسعة ضد أهداف في إيران تستخدم فيها قنابل نووية مخترقة للتحصينات لتدمير مرافق إيران النووية التي يشتبه في أنها تستخدم لإنتاج أسلحة نووية، مثل سلاح "بي 61-11" لضمان تدمير منشأة "ناطنز" التي تضم أجهزة طرد مركزي، وأن هذا يثير مشاعر الاستياء داخل الجيش الأميركي.علاوة عن التقرير الخاص بالهجوم الإسرائيلي الأخير على لبنان وتاريخ الإعداد له وما يتضمنه من أهداف.
- ثمة اعتقاد راسخ لدى الإدارة الأميركية الحالية أن الوسيلة الوحيدة لحل المشكلة هي تغيير هيكل السلطة في إيران وهذا يعني الحرب وإن مسئولين سابقين في الاستخبارات يصفون عملية التخطيط (للحرب) بأنها "هائلة" و"نشطة" و"عملياتية"، وإن التخطيط العسكري يستند إلى الاعتقاد بأن "حملة قصف مستمرة على إيران ستقوض قيادتها الدينية وتدفع الشعب إلى القيام بانتفاضة للإطاحة بالحكومة."
- إن الجدل الذي دار خلال الولاية الأولى لبوش بين فريق دعا إلى التفاهم مع طهران وآخر دعا إلى مواجهتها حسم في ولاية بوش الجديدة لمصلحة الفريق الثاني، أي فريق الحرب؛ حتى إن مدير دائرة التخطيط في وزارة الخارجية خلال ولاية بوش الأولى "ريتشارد هاس" قال: إن القرار أصبح بيد الداعين إلى تغيير النظام لا الداعين إلى اعتماد الحلول الدبلوماسية.
- أعربت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس عن نفاد صبرها حيال "بطء المفاوضات الجارية في الولايات المتحدة حول الملف النووي الإيراني"، محذرة "من أنه لا يمكن أن تحصل عرقلة إذا ما لاح في الأفق تهديد محتمل"، وقالت رايس: "ليس ثمة وقت لإضاعته وعلينا الاهتمام بهذه المسألة"، وكانت بذلك تعقب على عدم حسم مجلس الأمن الموقف من إيران.
- أكدت تقارير بريطانية إن رئيس الوزراء توني بلير مهتم بالتباحث مع العسكريين البريطانيين في شأن احتمالات قيام واشنطن بضربة عسكرية ضد إيران، واعتبر مسئول كبير في الخارجية البريطانية في تصريحات أوردتها صحيفة صنداي تلغراف أن ضربات جوية بقيادة أميركية ستكون "حتمية" في حال إذا رفضت إيران الامتثال لطلب مجلس الأمن الدولي.
على الجهة المقابلة استعد الإيرانيون بقوة لهذا الخيار العسكري في ضوء إمهال مجلس الأمن الإيرانيين حنى 31 آب لوقف تخصيب اليورانيوم. ومن الخيارات الإيرانية الواضحة التي جرى التلويح بها:
- إشعال العراق وبخاصة جنوبه ذا الأغلبية الشيعية ضد القوات الأميركية، وهو أمر أكد الأميركيون قدرة إيران على القيام به، بدليل قول أحد مستشاري البنتاغون لمجلة نيويوركر: "إذا نفذنا خطط قصف إيران فإن القسم الجنوبي من العراق سيشتعل كالشمعة".
- غلق المدخل الشمالي للخليج (مضيق هرمز) الذي يمر منه خُمس تجارة النفط العالمية وتعطيل الملاحة هناك. وهذا الأمر يسير جدا؛ لأن إغراق أي مركب في هذا المدخل كفيل بغلقه.
- استهداف القطع البحرية الأميركية الموجودة في منطقة الخليج، وربما قواعد أميركية بالمنطقة، وهو أمر متوقع في ظل امتلاك طهران صواريخ مداها 1200 كم.
- ضرب أهداف إسرائيلية منها المفاعل النووي في ديمونة بالصواريخ، خاصة إذا شاركت تل أبيب في الحرب.
- إنهاء كل التعاون السلمي مع منظمة الطاقة العالمية والمضي قدما في مشاريع الطاقة النووية وربما السلاح النووي، خصوصا أن تقارير أميركية تحدثت عن أفكار عسكرية أميركية لاستخدام أسلحة نووية تكتيكية ضد إيران.
ولتحقيق هذه الأهداف الإيرانية المتعلقة بسياسة ردع الضربة العسكرية الأميركية ودفع واشنطن للتفكير في عواقبها العسكرية قبل الإقدام عليها جاءت المناورات العسكرية الإيرانية الأخيرة بهدف توجيه رسالة تحذير إلى أميركا، حيث كشفت هذه المناورات عن:
- إطلاق صاروخ "كوثر" أرض- بحر المضاد للسفن المتوسط المدى والمتطور جدا بنجاح. وهذا الصاروخ له قدرة على مكافحة أنظمة التصدي الإلكترونية "ولا يمكن تحريفه عن مساره بأي جهاز كان"، وذلك في إشارة واضحة إلى أن صواريخ "باتريوت" الأميركية أو "حيتس" الإسرائيلية المضادة لن تتمكن من التصدي له.
- تجربة ناجحة للطائرة المائية الحديثة جدا "لا يمكن رصدها على الرادارات"، وهي طائرة صغيرة الحجم بطيار واحد تطير على ارتفاع منخفض فوق سطح الماء ويمكن استخدامها "كقنبلة طائرة لتنفيذ عملية على سفينة"، وهي أقوى إشارة إيرانية لضرب السفن الأميركية في الخليج وغلق مضيق هرمز.
- إطلاق صاروخ الطوربيد شديد السرعة "هوت" تحت الماء، وهو صاروخ قادر - وفق مساعد قائد القوات الخاصة في الحرس الثوري الأميرال علي فدوي- على الإفلات من رادارات الأعداء وأجهزتهم لاكتشاف الأجسام تحت الماء، وبالتالي هو مصمم لإغراق السفن، وقد كشفت صحيفة إزفستيا الروسية عن أن هذا الطوربيد يشبه إلى حد بعيد صاروخا فائق القوة من صنع سوفيتي وروسي هو الطوربيد "شكفال" الذي تصل سرعته إلى 100 متر في الثانية.
- تجربة صاروخ متعدد الرؤوس وهو صاروخ "شهاب 3" الذي يبلغ مداه الأدنى 2000 كم؛ الأمر الذي يجعل إسرائيل والقواعد الأميركية في الشرق الأوسط في ضمن مرماه.
وبالتزامن مع هذه المناورات أعلن وزير الخارجية الإيراني "منوشهر متقي" أن بلاده لا تعتزم الامتثال لمطالب مجلس الأمن الدولي بشأن برنامجها النووي موضع الجدل، فيما قال الجنرال محمد حجازي قائد قوات ميليشيا الباسيدج الإسلامية التابعة للحرس الثوري "بعد أسابيع عدة من الحرب النفسية (المتصلة بالملف النووي)، توقع الغربيون أن نتراجع ونتخلى عن حقنا، ولم نكتف بعدم القيام بذلك بل أظهرنا قدراتنا" عبر هذه المناورات.
ويبقى السؤال: ماذا بعد هذه الحرب لو انطلقت بالفعل؟.. هنا يمكن تخيل السيناريوهات التالية:
- الأول: أن ترد إيران بضرب السفن الأميركية في منطقة الخليج وإغراق أو إتلاف بعضها، وأن تتحرك قوى شيعية عراقية لمهاجمة القوات الأميركية في العراق والمشاركة مع القوى السنية بالتالي في رفع معدل هجمات المقاومة (المعدل الحالي وفق الأميركان 60 هجوما يوميا!)؛ ما يحيل حياة هذه القوات إلى جحيم، ويفشل خطط السيطرة السياسية الأميركية على العراق، والخروج السريع من العراق بما سيشكل هزيمة عسكرية ولكنه ربما يخلف حربا أهلية في العراق.
- الثاني: أن يشمل الرد الإيراني إطلاق صواريخ على مفاعلات إسرائيل النووية وقواعد عسكرية أميركية في دول الخليج؛ وهو ما يعني توسيع نطاق الحرب ودخول تل أبيب طرفا، واشتعال أسعار النفط العالمية، وتشكيل خطر كبير على اقتصاديات دول الخليج التي ما تلبث أن تتعافى من آثار حرب أميركية في الخليج وتكوين فوائض مالية للتنمية، حتى تدخل واشنطن في نزاع جديد.
- الثالث: أن تسعى واشنطن لاستخدام سلاح نووي تكتيكي لأول مرة منذ الحرب العالمية، خاصة أن هذا مطروح - وفق صحيفة نيويوركر - في ظل اعتبار صقور الإدارة الأميركية الحالية لإيران ورئيسها بمثابة هتلر ونازية جديدة تشكل خطرا على المصالح الأميركية والغربية بأكثر من خطر العراق، ويزيد خطر هذا السيناريو قدرة الإيرانيين على الرد عسكريا.
أمام هذه السيناريوهات التي توضح أن إيران ليست بالخصم الهين وأنها تمتلك مقومات عدة للرد، هل يمكن أن تقبل الولايات المتحدة كما يقول قائد الحرس الثوري الإيراني بوضع إيران كقوة إقليمية، وأن تكون هذه التصريحات الأميركية مجرد تهديد بالقوة أو استخدامها بهدف تفعيل أسلحة العقوبات السياسية والاقتصادية؟ حتى في هذه الحالة فإن الغرب وأوربا تحديدا سوف يخسران اقتصاديا إذا توقفت المشروعات النفطية الضخمة بإيران، هذا فضلا عن أن مسار النفط العالمي في مضيق هرمز يظل دائما ورقة إيرانية في أي نزاع مستقبلي.
ربما يكون العدوان الإسرائيلي على لبنان مؤخرا يندرج في إطار الخيارات العسكرية المطروحة لما بعد 31 آب/اغسطس، وثمة تحليلات إسرائيلية أميركية عديدة تشير إلى أن ما جرى على الساحة اللبنانية لا يعدو كونه بروفا أولية للحرب القادمة، فهل نحن مع موعد جديد لحرب قادمة؟ أم أن السياسة البرغماتية الإيرانية ستنجح مرة أخرى في شراء المزيد من الوقت المستقطع؟ د. خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية