عندما يصبح نشر الكتاب تجربة حياة

القاهرة - من السيد نجم
لابد من الروح والجسد

بقدر ما للكتابة الابداعية من خصوصية، بقدر ما فيها من عمومية، بل لا قيمة للعمل الإبداعي ان أفرط في خصوصيته الذاتية، بحيث لا يفرض سؤالا لدى الملتقى معبرا عن التماس الموضوعي بين المتقى والعمل الإبداعي.
من هنا يصبح "الكتاب" ونشره محل التساؤل دوما ماذا قدم لنا؟ ولماذا؟ وكيف؟
دون أن ندرى نصدر الكتب، ولا نسعى لأن تصبح جواب للسؤال الخبيث الدائم، وهذا أفضل على كل حال للمبدع. الا أن الأعمال الكبرى والجيدة هي التي تبقى ببقاء السؤال، مع دوام البحث عن اجابة.. وهو دور القارئ (وقد أصبح الناقد ضمن زمرة القراء).
لقد تنوعت صور الكتب المعبرة عن التجارب الحياتية الكبرى.. فهناك الكتب الابداعية على مختلف أشكالها التي ترصد تجربة بذاتها عاشها الكاتب، مثل التجربة الحربية، والمرض، والقهر وغيرها من التجارب الخاصة جدا/العامة جدا.
وهناك الكتب التي رصدت التجربة، الا أنها رصدت المبدع نفسه أيضا، فكم من التجارب الذاتية العميقة، التي تبدو من الخصوصية أنها أهم من تجارب عامة ومطروحة على أرصفة الأفكار والأحداث.
لعل كتاب الأعمال المجمعة للروائي والقاص "سعيد عبد الفتاح" والمسمى "من مؤلفات سعيد عبد الفتاح" واحد من تلك الكتب التي كشفت عن صاحبها وأحواله وتحولاته، أكثر من كتب كثيرة صدرت كأعمال مجمعة لروائي أو قاص أو شاعر.
صدر الكتاب عن الهيئة المصرية للطباعة والنشر منذ أسابيع قليلة، يقع في أكثر من 400 صفحة من الحجم المتوسط.. يضم الكتاب رواية "مقامات الفقد والتحول"، مجموعة قصص "ساعات الليل والنهار"، "وجه العالم".
للكتاب وجهان للقراءة.. الأول بكونه مجموعة من الأعمال الابداعية (رواية - مجموعتين قصص قصيرة) الثاني بكونه معبرا عن تجربة صاحبه الحياتية.
فضلت التوقف عند الصورة الثانية للقراءة لعدة أسباب:
لأن الكاتب سعيد عبد الفتاح توقف عن الكتابة الابداعية (بشكل علني.. أعني أنه لم ينشر قصة قصيرة واحدة، بعد نشره الرواية الأولى والوحيدة له "مقامات الفقد والتحول" عام 1991م).
ثم تفرغ الكاتب في تخصص "تحقيق التراث"، ولعله بعد سنوات قليلة من نشر الرواية، لم يعد حريصا على متابعة الحياة الأدبية بالشكل المباشر، مع الاهتمام أكثر كثيرا بالغوص في عالم "التراث"، ثم تحقيقه ونشره.. وقد حقق نجاحات أكيدة في هذا المجال.
ولما كان "سعيد" أحد أعضاء جماعة أدبية "نصوص 90"، وكنت أحد أعضاءها المؤسسين، ثم بدأ في الانقطاع عن جلسات الجماعة الدورية، كل ثلاثاء وسط حيرة الجميع والسؤال عن السبب.. اتضح لنا جميعا أن الكاتب اختار "الصوفية" مجالا من مجالات التراث متخصصا في فنونه وكتابه ومفاهيمه بل وعالمه.. ارتبطت تلك المعلومة بملاحظة الأصدقاء أن الصديق أصبح ملتحيا.
وانقطعت أواصل الاتصال الدورية، وما بين الحين والحين نتابع بعضنا البعض (أعني مجموعة نصوص90 والصديق سعيد)، وتأكد للجميع أمرين.. أنه بذل في مجال تحقيق التراث (الصوفي منه)، وأنه لم يعد يكتب القصة.
كانت المفاجأة أن تقابلنا وقدم لي كتابه هذا (جامعا به كل أعماله الابداعية)، ثم قال مبررا أمرا ما في رأسه، ولم يدر بذهني التساؤل حول دلالة ما قال، الا بعد أن تفحصت الكتاب وكنت قد قرأت تلك الأعمال من قبل:
"يمكن للفرد أن يبقى داخل مكان للشيطان ويكسب حسنات"، "..كيف تتلقى الأمر، الخبر، العمل الفني أو تأويل ما تسمع وما ترى- ثم استشهد بأبيات من أغنية لأم كلثوم يمكن أن تكون مديحا في النبي أو للعشيق-"، ".. شيخي وافقني على ما أقوله لك الآن"..الخ.
لم تكن مفاجأة لي أن أقرأ الاهداء بالنص التالي: (الى شيخي وقدوتي،
من له في البلاغة الباع الكبير،
والنور الأكبر:
سيدي صلاح الدين التجاني).
اذا فالكتاب وقد صدر بعد حوالي ربع قرن من عدم نشر عملا قصصيا (ما علمي بوجود قصص كتبت خلال تلك الفترة ولم تنشر) له دلالات متعددة:
أن الكاتب خاض تجربة صوفية وظن أن في كتابة القصة ما يسئ الى تجربته..
عدل الكاتب من فكرته، وربما أراد اختبار فكرته المعدلة بنشر كتابه هذا..
وربما المتابع لكتابات "سعيد عبد الفتاح" المنشورة (والتي كتبت قبل تجربة الصوفية) تشي بقدر لا يستهان به بتعلق الكاتب بالجانب الروحي/الصوفي، حتى قبل أن يغوص في أعماقه.
فرواية "مقامات الفقد والتحول" تشي باطلاع الكاتب على التراث الصوفي (كقارئ عادى) وتأثره به.. من حيث عنوان الرواية، ومن حيث البناء الفني الصوفي، والشخصية المحورية لشيخ صوفي في قرية، تعلق به سكانها وتعلق بهم.. وعند فقده بالموت يشعر الجميع بالفقد الحقيقي، لأنه الروح التي جمعت بينهم. كذلك بدت القصص القصيرة متعلقة بروح الصوفية بمعنى ما.
لعل أهمية هذا الكتاب ترجع الى أسباب عامة وأخرى خاصة.. من خلال التجربة الذاتية للكاتب، فقد كان عقد التسعينيات من القرن الماضي معبأ بنزعة دينية/سياسية، بل وقد عانت مصر كثيرا من تلك الأفكار المتطرفة (بعد نكسة 67).. مع سقوط المشروع القومي المصري والذي تبنى الأفكار الاشتراكية.. وربما الخلاص الذاتي بتبني الأفكار الصوفية كان أحد توجهات الشباب كحل فردى ولا يغضب المجتمع السياسي.
ثم اعادة النشر لفن قصصي بعد ربع قرن، يشي بانفراج ما في الفكر الجمعي، وقبول المجتمع السياسي/الديني له.
أما دلالة اعادة النشر على المستوى الخاص للكاتب، فهي تشي برحابة الفكر والصدر لاستيعاب مفهوم كثيرا ما يسعى الكاتب الى الاشارة اليه في قصصه: "لابد من الروح والجسد".
لذا كانت تلك الوقفة غير النقدية مع كتاب إبداعي بالدرجة الأولى، الا أن انه عندي أهميته ترجع الى أهمية التجربة الحياتية التي خاضها الكاتب ومحقق التراث "سعيد عبد الفتاح".