المدونات الإلكترونية: من المراهقة إلى السياسة

واشنطن
دوّن على مسؤوليتك

شهد العالم في العقود الماضية عدة تطورات وتغيرات أثرت على كافة الدول، وتميزت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالتراوح بين الأزمات المتكررة، والانفراجات المؤقتة، وما صاحب ذلك وذاك من إطار العولمة الذي أحاط بالدول كافة، وما أدى إليه من زيادة تواصل الكثير من الأفراد العاديين عن طريق ما يطلق عليه اسم "طريق المعلومات السريع" الذي حول العالم إلى قرية صغيرة إلا وهي شبكة المعلومات الدولية الإنترنت.
ومن بين مظاهر العولمة التي ساهم التطور التكنولوجي في انتشارها كانت ظاهرة المدونة الالكترونية أو "البلوغ" BLOG. ماهية البلوغ ومتى ظهر؟ برزت ظاهرة المدونة في التسعينات، وتحديدا سنة 1997 ومصطلح blog هو إدغام لعبارة web log والتي تعني مدونة الكترونية. وكان جورن بارغر هو أول من صاغ مصطلح blog في17 ديسمبر 1997، وبدأت الظاهرة كمذكرات أو مفكرات شخصية إلكترونية يستعملها أصحابها لتدوين الأحداث الهامة في حياتهم، ويكون ذلك بترتيب زمني محدد.
وتعتمد المدونات الالكترونية على محتويات عديدة من النصوص والصور، وتحتوي أيضا على بعض الروابط الإلكترونية الأخرى من صفحات الكترونية مختلفة. واهتمت المدونات الالكترونية في البداية بموضوعات حياتية بسيطة كالغذاء والأخبار المحلية والتجارب الشخصية، بعد ذلك لاقت المدونات الالكترونية أو blog عند بداية ظهورها رواجا وشعبية كبيرة في صفوف المراهقين والشباب الذين كانوا يدونون كل تجاربهم وقصصهم في مدوناتهم الالكترونية، وهدفت في البداية إلى تبادل مدوناتهم مع أصدقائهم.
غير أن المدونات الإلكترونية لم تلبث أن تطورت لتصبح وسيلة يستعملها السياسيون لتبليغ أفكارهم وللتأثير على الناخبين كجزء من حملاتهم الانتخابية
ساسة أمريكا والمدونات الالكترونية مثلت المدونات الالكترونية عاملا هاما في السياسة الأمريكية منذ الانتخابات الأخيرة، إذ اعتمد المرشح الانتخابي الديمقراطي جون كاري في حملته الانتخابية الرئاسية الأخيرة عام 2004 على الانترنيت، وخاصة على المدونات الالكترونية. وقد أشاد العديد من المحيطين بجون كاري بفعالية الانترنيت بصورة عامة، والمدونات الالكترونية خاصة في جمع الأصوات الانتخابية. ومنذ ذلك التاريخ اعتمد عدد كبير من السياسيين على المدونات الالكترونية في بث مقاطع الفيديو القابلة للتحميل التي يعرضون فيها آراءهم السياسية لاستمالة وإقناع اكبر عدد ممكن من الناخبين.
ويقوم بعض السياسيين الأمريكيين الآخرين كالسيناتور بيل فريست بالإجابة على أسئلة واستفسارات القراء والمهتمين بالشئون العامة عن طريق مدونتهم الالكترونية أسبوعيا. كما يفضل عضو أخر من الكونغرس أن يجيب عن الأسئلة الموجهة له عن طريق مدونته الالكترونية، كما يقول إنه يفضل أن ترسل له الأسئلة في شكل تسجيلات، وأن يجيب هو عليها بنفس الطريقة لأن ذلك يمكنه من التواصل "المباشر" بالأفراد على حسب تعبيره.
ولأن الوسائل التكنولوجية الحديثة أصبحت تمثل جزءا لا يتجزأ من الحياة السياسية، أيقن السياسيون أنه من الضروري أن يكون بعض المختصين في تصميم المدونات الإلكترونية من ضمن موظفيهم، ويسمى هؤلاء بالمدونين المحترفين، وهو ما قام به حاكم ولاية فيرجينيا مارك وارنر الذي يتوقع أن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة عن الحزب الديمقراطي. و قال ليوناردو السيفار مدير مكتب اتصالات النائب الجمهوري لين سوان عن ولاية بنسلفانيا إن "نجاح حملة انتخابية لا يتوقف على أن يكون للمرشح مدونة الكترونية أم لا، ولكنه تم إثبات أن للمدونات الالكترونية وللوسائل التكنولوجية تأثيرا كبيرا على نتيجة الانتخابات، وعدد الأصوات."
ويقول بعض المحللين السياسيين إن لجوء السّاسة لاستخدام هذه الوسائل الإعلامية المتطورة والحديثة كالإنترنت والمدونات الالكترونية يعود إلى انخفاض أسعارها، وسهولة إيجادها على شبكة الإنترنيت. كما أن المواد الإعلامية على شبكة الانترنيت تجد رواجا كبيرا لدى القراء، حيث أثبت أحد استطلاعات الرأي مؤخرا، أن قراءة الأخبار السياسية من صفحات الانترنيت قد تضاعف ست مرات بين عامي 1996 و 2004 في الولايات المتحدة.
ولذلك أصبح الساسة مهتمين أكثر بمواقعهم على صفحات الانترنيت، وبمدوناتهم الالكترونية وبتغييرها وإضفاء أساليب جديدة عليها كلما تعلق الأمر بحملة انتخابية أو استطلاع للرأي. ويستعمل الساسة المدونات الإلكترونية لعرض برامجهم السياسية، وتشكيل الرؤية السياسية للقراء بما يتماشى مع مصالحهم وما يمثل أحزابهم السياسية.
ولا يتوقف التغيير الذي شهدنه المدونات الالكترونية عند الانتقال من مذكرات شخصية إلى وسيلة من وسائل الضغط السياسي، بل إنه يتخطى ذلك إلى استعمالها كوسيلة للمراقبة خاصة في الشركات الكبرى!
المراقبة عبر المدونات الالكترونية أصبحت المدونات الالكترونية في الولايات المتحدة وسيلة مراقبة ووسيلة مصادرة للأفكار، وهو ما يعتبره العديدة انتهاكا للمادة الأولى من الدستور الأمريكي، واعتداءا على الحرية في التعبير عن الرأي. وتم تسجيل العديد من الحالات في الولايات المتحدة التي وصلت إلى القضاء بسبب ما يكتبون في مدوناتهم الالكترونية، إذ قامت إحدى الشركات الكبرى التي رفضت الإفصاح عن اسمها بتقديم سجل عدد من موظفيها للقضاء الأمريكي زاعمة أنهم كشفوا عن أسرار العمل بما يكتبونه بمدوناتهم الالكترونية، مضيفة أن المدونات الالكترونية يقرؤها الجميع نظرا لأنها موجودة على شبكة الانترنيت بما في ذلك منافسو الشركة مما يضر بمصالحها المالية والتجارية المباشرة.
وتقول ألين سيموناتي التي تم فصلها عن العمل كمضيفة بشركة دلتا للطيران بسبب بعض الصور التي نشرتها بمدونتها الالكترونية وهي ترتدي ملابس العمل الرسمية، إن ما وقع لها كان ظلما واضحا لأنها لم تنشر أي صور تسيء لسمعة الشركة، وإن البعض من زملائها الذكور قاموا بنفس الأمر ولم يتم طردهم، وبناء على ذلك رفعت سيموناتي الأمر إلى القضاء الأمريكي مطالبة بتعويض، مشيرة إلى أنه من الضروري أن تقوم الشركات بوضع تعليمات وحدود واضحة لا يجب تخطيها من قبل العمال في مدوناتهم الالكترونية.
وأكدت سيموناتي أنها لم تكن تتوقع أن يتم طردها من العمل بسبب بعض الصور التي نشرتها وهي ترتدي زيّ العمل.
ورد أحد مديري شركة دلتا للطيران أنه من الضروري أن يكون العمال واعين بما ينشرون في مدوناتهم الالكترونية، وأن يضيفوا عبارات تجنبهم المسائلة القانونية أو الإدارية مثل "أنا لا امثل الشركة" أو"أنا أتحمل مسئولية ما يتم نشره" تجنبا لكل تعقيدات.
ويحث عدد كبير من الليبراليين في منطقة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا على ضرورة الحفاظ على ما تتمتع به المدونات الالكترونية من حرية منذ ظهورها بدعوى أن حرية التعبير عن الرأي هي ما زادت من شعبيتها، ومن إقبال الناس عليها.
وهكذا، فالمدونات الالكترونية يمكن استعمالها كما يريد الشخص، وهي أكثر الوسائل غير المكلفة حرية في التعبير عن الرأي وأعظمها سهولة ونجاحا في التلاعب بالأفكار علاوة على نشر الإيديولوجيات ومصادرة الأفكار بالتجسس على الأفراد في الوقت ذاته. (تقرير واشنطن)