إسرائيل عملاق قدماه من طين

على الرغم من انهيار الحرب الباردة وأفول ايديولوجياتها فإن بعض أقوالها وعبرها ما زال صالحاً ومن بينها وصف شهير لـ”الإمبريالية الأمريكية” منسوب للزعيم الصيني ماوتسي تونج يقول إنها: عملاق قدماه من طين. وفي وصف آخر ربما صدر عن هوشي منه أو تشي غيفارا إنها نمر من ورق.
كان هذا النوع من الأوصاف يطلق في سياق حروب عصابات في الأرياف أو غوار في المدن مبنية على كتل سياسية اجتماعية صلبة معبأة وطنياً وايديولوجياً ومصممة على الانتصار في حروب عادلة على عدو مهيمن أو محتل متفوق تكنولوجياً ويمتلك آلة حربية أسطورية لا تقهر بالقياس إلى قوة العصابات الضئيلة ذات التسليح المتواضع.
في كل الحالات التي اندلعت فيها مجابهات من هذا النوع كان النصر حليف الطرف الذي تصور عدوه على هيئة عملاق من طين أو نمر من ورق، وكان التصور نفسه عنصراً حاسماً في المعركة، ولعل المثال الأبرز يكمن في الانتصار الفيتنامي الشهير على الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب الباردة في معارك طاحنة ما زالت حتى اليوم تثير كوابيس الأمريكيين.
لم يكن أحد يظن أن هذا النوع من المجابهات مرشح للظهور مجدداً بعد نهاية الحرب الباردة، ذلك بأن الظن الشائع هو أن انتصار الفيتناميين لم يتم بسبب تصميمهم على قهر عدوهم المحتل، وإنما بسبب الدعم الصيني السوفييتي، الأمر الذي ستكذبه من بعد وقائع ثابتة من بينها انهيار الحملة الأمريكية على الصومال والحملة الأمريكية على العراق، وفي الحالتين كان أو لا يزال الطرف المناهض للاحتلال يجابه عدوه وحيداً من دون عون خارجي يذكر.
ويلاحظ في السياق أن الحرب “الإسرائيلية” الراهنة على لبنان تنطوي على عناصر مجابهة من النوع المشار إليه، من جهة جيش “إسرائيلي” مصنف في المرتبة الرابعة بين جيوش العالم. يمتلك أهم الأسلحة المعروفة دولياً جواً وبراً وبحراً، يحتفظ بتفوق تكنولوجي رفيع المستوى ومماثل لنظيره الغربي، يتمتع باقتصاد قوي وعصري، يتلقى حماية وتأييداً من الغرب وبخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، استطاع أن يوفر الاستقرار على حدوده الطويلة مع الأردن عبر اتفاقية وادي عربة، تمكن من إخراج مصر أكبر دولة عربية من الصراع عبر اتفاقيات “كامب ديفيد”، ولا يشعر بقلق تجاه أي من الدول العربية خصوصاً بعد أن ألحق بمعظمها هزيمة شنيعة في حرب العام 1967 وسلبها نصراً كبيراً في العام 1973 وما زال قادراً على ردعها حتى اليوم.
من جهة ثانية، وبالمقابل نجد مقاومة متوسطة التسليح لا تلقى ترحيباً من عدد من الطوائف اللبنانية، تحتفظ بعلاقات مع قوة إقليمية صاعدة، تتمتع بعلاقات استراتيجية مع سوريا البلد العربي الوحيد على حدود لبنان الشرقية والشمالية، مصنفة في لائحة المنظمات الإرهابية التي تنشرها سنوياً الولايات المتحدة، تتمتع بشعبية كبيرة في أوساط الشيعة اللبنانيين، تفصح نشاطاتها السياسية والعسكرية عن تصميم وإرادة صلبة مصدرها ايديولوجيا إسلامية متماسكة، تتصرف بموازنة مالية محدودة قياساً بالعدو، يُقدر عدد مقاتليها بأقل من ثلاثين ألف مقاتل، تنتصر على “إسرائيل” بطريقة مدوية عام 2000 وبعد أكثر من عشرين عاماً من الاحتلال “الإسرائيلي” المتواصل، تؤمن بصورة قاطعة بأن العدو قابل للهزيمة وقد خبرت ذلك من خلال معارك التحامية مع الجنود “الإسرائيليين” طيلة أكثر من عقدين.
في سياق المجابهة بين الطرفين لا يحتاج المرء إلى جهد كبير للاستنتاج أن حزب الله اعتبر في استراتيجيته القتالية أن عدوه “عملاق قدماه من طين”، ويتضح ذلك من مراقبة الضربات المميتة التي وجهها الحزب إلى مركزي القوة الأبرز لدى “إسرائيل”، أي “قدمي العملاق” إن جاز التعبير. المركز الأول يتمثل بسلاح المدرعات الذي حمل الصهاينة إلى أرجاء واسعة محيطة بكيانهم، والمركز الثاني يتمثل بالسكان الذين يشكلون عماد المشروع الصهيوني الذي وضعهم في هذه الأرض لاستيطانها.
لقد تمكنت مجموعات المقاومة الصاروخية من إعطاب سلاح المدرعات ونجحت مجموعات صاروخية أخرى في تشتيت أكثر من ثلث سكان “إسرائيل” بواسطة قذائف معظمها يعود إلى أسلحة الحرب العالمية الثانية، وبذلك حولت مركزي القوة “الاسرائيليين” إلى مركزي ضعف، فبدا العملاق “الإسرائيلي” مطابقاً لصورته المرسومة في أذهان المقاومين أي عملاق هائل يرتكز إلى قدمين من طين.
خلال أكثر من شهر، كان هذا العملاق يحتل شاشات التلفزة بطائراته الحربية القاتلة يعيث خراباً ودماراً ويشن من دون جدوى حرباً نفسية ضارية عبر المنشورات التحذيرية الرادعة لإقناع اللبنانيين بأنه لا يقهر، مستنداً إلى معاركه وحروبه السابقة، ولعله يكتشف في هذه اللحظات بمرارة بادية للعيان حجم الخراب المعنوي والمادي الذي أصيب به مرة واحدة وإلى الأبد على يد قبضة من المقاتلين المصممين الذين يدينون بانتصارهم إلى نظرتهم الواثقة بأن عدوهم أقل شأناً منهم، وأنه خليق بالهزيمة والاندحار، وأن الوقت الذي كان يفر فيه العرب حفاة لدى مرأى المدرعات “الإسرائيلية” قد ولى إلى غير رجعة.
في جنوب لبنان كما في فيتنام وغيرها من قبل، يدين الناس بانتصاراتهم إلى صورة عدوهم في عقولهم وإلى اعتقادهم الراسخ بهزيمته.. أما الوسائل فهي من التفاصيل المكملة. فيصل جلول