هذا القرار يجب أن يسقط!

لا أسوأ من أن يموت المرء وهو على بعد أشبار من الهدف الذي من أجله بذل النفس والنفيس. لقد أصدر مجلس الأمن الدولي قراره الجديد الرقم 1701 والذي لا هدف له سوى الزج بمزيد من القوى في الحرب على "حزب الله" التي يخوضها الجيش الإسرائيلي، وتقودها سياسيا، في المقام الأول، إدارة الرئيس بوش، والتي لم يأتِ القرار "الدولي" الجديد إلا ليذلل العقبات من الطريق المؤدية إلى استمرارها في غير شكل وأداة ووسيلة.
"القرار" لن يوقف أبدا الحرب على "حزب الله"، الذي على يديه، على يده العسكرية وعلى يده السياسية، أوشك، ويوشك، "الشرق الأوسط الجديد"، والمضاد للذي تريده رايس، أن يُوْلَد، وإنَّما سيؤسِّس لها تحالفا جديدا، بعضه من داخل لبنان، وبعضه من العرب الذين لأسباب عديدة لا يريدون للإخفاق العسكري ـ الاستراتيجي الإسرائيلي الكبير أن يتحوَّل إلى نصر سياسي ـ استراتيجي لـ "حزب الله"، الذي أثبت أنَّ هَزْم الجيش الذي لا يقهر ليس بمعجزة إلا في أبصار وبصائر العاجزين الذين لا يملكون من المصالح الشخصية والفئوية إلا ما يحملهم على صنع مزيد من أسباب العجز القومي، وعلى نبذ كل الطرائق والأساليب التي جعلت "المعجزة"، أي هَزْم الجيش الإسرائيلي، هدفا سياسيا واقعيا في متناول الأيدي.
"القرار" لن أفهمه على أنه "نصف انتصار" لـ "حزب الله"، و"نصف هزيمة" لإسرائيل، فهذا الفهم يراد له أن ينتشر ويسود حتى يصبح ممكنا تحويل "نصف الانتصار" إلى "نصف هزيمة"؛ ثمَّ إلى "هزيمة كاملة" لـ "حزب الله". سأفهمه كما الواقع يفهمه.. سأفهمه على أنه جزء لا يتجزأ من الحرب المستمرة على "حزب الله"، وعلى أنه في "ذكائه"، وفي هدفه النهائي، لا يختلف عن "القنابل الذكية".
"القرار" إنَّما يريد لـ "جنوب نهر الليطاني" أن يخلو تماما من "بنت جبيل"، وأن تنتشر فيه، طولا وعرضا، "ثكنة مرجعيون"، فـ "حماة" الجنوب، ولبنان عموما، يجب أن يكونوا من جنس أولئك الذين رأيْنا المئات منهم وهم "يحامون" عن أنفسهم، وعن الجنوب، وعن لبنان، وعن المدنيين، بما يشرح لنا خير شرح عبارة "بسط الشرعية اللبنانية مع قواها العسكرية والأمنية لسيطرتها المطلقة على كل شبر من أرض لبنان"!
"القرار"، وفي قضية الجنديين الإسرائيليين الأسيرين، يريد أن يُلْحِق هزيمة سياسية ومعنوية بقيادة "حزب الله"، وبالأمين العام للحزب حسن نصر الله على وجه الخصوص؛ ولا بد، بالتالي، من أن يعلن "الحزب" الآن أن لا حل غير الحل الذي يقوم على "الإفراج المتبادَل المتزامِن". "القرار" يسمح للجيش الإسرائيلي بالبقاء في مواقع ومناطق لبنانية شمال "الخط الأزرق"، وبالقيام بمزيد من الأعمال العسكرية بدعوى ممارسة إسرائيل لحقها المشروع في الدفاع عن النفس. وإذا عاد إلى ما وراء "الخط الأزرق" فلن يعود إلا "بَعْد" تلبية شروط ومطالب إسرائيلية ـ "دولية" منها قيام قوة "اليونيفيل" الجديدة (في عددها وعتادها ومهماتها) التي ستتولى نقل السيطرة على المواقع والمناطق التي تحتلها إسرائيل (باستثناء مزارع شبعا وتلال كفر شوبا) من الجيش الإسرائيلي إلى الجيش اللبناني، الذي ينبغي له، بالتعاون مع قوة "اليونيفيل" الجديدة، أن "يُنظِّف" منطقة جنوب الليطاني من مقاتلي وأسلحة "حزب الله"، فقبل أن يُنْجِز تلك المهمة وتتأكد إسرائيل أنه أنجزها فعلا لن يقوم الجيش الإسرائيلي بتسليم تلك المواقع والمناطق لقوة "اليونيفيل" الجديدة لتقوم، من ثمَّ، بتسليمها للجيش اللبناني. ويجب، أيضا، أن تتأكد إسرائيل أن الجيش اللبناني (وبتعاون ممكن مع قوة "اليونيفيل" الجديدة) قد منع، برا وبحرا وجوا، وصول أسلحة وذخائر إلى "حزب الله". أمَّا مزارع شبعا وتلال كفر شوبا فحل مشكلتها مؤجَّل، فأولا يجب تنفيذ البند الخاص بسلاح "حزب الله" من القرار الرقم 1559. و"القرار" لا يُلْزِم إسرائيل أن تعوِّض لبنان ولو بعضا من الخسائر المادية التي ألْحقتها به آلتها الحربية.
إنَّ "حزب الله" مدعو إلى الإفادة قدر الإمكان من "القرار" لجهة تعويض ما فقده هو ولبنان من أسباب ومقومات الصمود العسكري (والسياسي) والإنساني، فلا بأس من هدنة، أو من شبه هدنة، قد تستمر زمنا يقاس بالأيام. ولكن هذه الإفادة يجب ألا تتعارض مع مبدأين: حقه في الاستمرار في المقاومة العسكرية ما بقي جندي إسرائيلي واحد شمال "الخط الأزرق"، وحقه في أن يظل محتفظا بسلاحه ووجوده العسكري، وفي جنوب الليطاني على وجه الخصوص، حتى تزول "الأسباب" التي من أهمها انتهاء الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا وتلا كفر شوبا. أمَّا إذا أظهر "الحزب" عجزا عن منع إسرائيل من تحويل هزيمتها العسكرية إلى نصر سياسي فلن أجد سببا يعدل الجزء الأعظم من أسباب ذاك العجز سوى "الموقف السوري". جواد البشيتي