قانا.. عاصمة 'الشرق الأوسط الجديد'!

في قانا، رأيْنا "الشرق الأوسط الجديد"، والطريق المؤدِّية إليه. وسمعْنا الرئيس بوش، صانع وموجِّه ومفجِّر "القنبلة الفراغية" وهو يخاطب الجُثث من أطفال قانا قائلا: "من أجل الأطفال نريد السلام الدائم". وعَرَفْنا سلاحا جديدا يُخاض به "امتداد السياسة"، أي الحرب. وهذا السلاح يدعى "المعاناة الإنسانية"، فهذا "الامتداد" ما عاد "الحرب النظيفة"، وإنما "الحرب الوسخة". إنَّ ما يشبه "هيروشيما"، التي تضرب جذورها عميقا في الشريعة التوراتية للحرب، هو الذي غدا امتدادا للسياسة؛ وإنَّ "الجريمة" غدت "الوسيلة" التي يحق لإسرائيل استعمالها في ممارستها لـ "حقها المشروع في الدفاع عن النفس"، وإنْ أصرَّ ممثلو القوة الوحشية العظمى في العالم على أنَّ ما قامت به دولة القذارة التوراتية في قانا ليس من جنس "جرائم الحرب"؛ وإذا كان لا بد من الحديث عن "جريمة" فلا بأس، في شريعتهم، من أن نتَّهم الضحايا من أطفال قانا بأنهم ارتكبوا جريمة في حق أنفسهم إذ لم يمتثلوا لأمر المغادرة الإسرائيلي مع أنَّ جيش الدفاع الإسرائيلي هيَّأ لهم أسباب النزوح الآمن إذ دمَّر الطرقات وحاصرهم بالنار من كل حدب وصوب!
قانا كَتَبَت، أوَّل ما كَتَبَت، بيانين: بيان السنيورة، وبيان بري. أعْلمُ أنْ ليس في الاضطرار فضيلة؛ ومع ذلك أُشيد ببيان السنيورة، فها هو أوَّل عربي من أهل الحُكم عندنا يقول للقابلة ـ القاتلة رايس لا تأتي إليَّ، فلا حديث بيني وبينكِ قبل الوقف الفوري، وغير المشروط، لإطلاق النار، وعودة الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء "الخط الأزرق".
أتمنى، أوَّلا، أن يظل السنيورة عند موقفه البطولي، بحسب مقياس البطولة الرسمية العربية؛ ولكني أتمنى، ثانيا، أي أوَّلا من حيث الأهمية، أن يعلن السنيورة أن "الفوري" في عبارته إنما يعني الآتي: على إسرائيل والولايات المتحدة أن توقفا، الآن أو بعد يوم أو يومين لا أكثر، إطلاق النار على لبنان، شعبا ومقاومة، فإذا انقضت المهلة تلك من غير أن يتوقف إطلاق النار فإنَّ لبنان لن يقبل بعد ذلك، وبسبب ذلك، أي وقف لإطلاق النار.. وأتمنى، ثالثا، أن يطلب لبنان، عبر السنيورة، مغادرة قوَّة الطوارئ الدولية جنوبه فورا، فما الداعي لبقائها؟
أمَّا بري فبيانه كان يمكن أن يكون مبينا لو أنه شرح وأوضح شروطه الجديدة للإفراج عن الجنديين الإسرائيليين الأسيرين لدى "حزب الله"؛ ولكنه خيرا قال إذ أوضح أنَّ الشروط القديمة كانت من عنده وليس من عند "حزب الله".
المواقف العربية المفقودة كثيرة، وكثيرة جدا. ومنها، مع أنَّ نيلها ليس بالتمني، أن يعلن سعد رفيق الحريري أن دم والده ليس بأغلى من دماء أطفال قانا، وأن يدعو، بالتالي، إلى إغلاق ملف التحقيق الدولي في جريمة اغتيال والده حتى يُفتح ملف التحقيق الدولي في جريمة اغتيال أحباب الله في قانا.
ومنها، الاعتذار إلى الشعب اللبناني ومقاومته عن عبارة "المغامرة غير المحسوبة العواقب"، والتي تضافرت و"القنبلة الفراغية" على ارتكاب جريمة قانا.
ومنها أن تلبس العواصم المعتصمة بحبل الخنوع، الحِداد السياسي، فلا تستقبل رايس وأشباهها، وتقف الوقفة ذاتها التي وقفها السنيورة ولو عن اضطرار.
ومنها أن يخجلوا جميعا من "مواقف الإعراب" التي لا محل لها في "الإعراب السياسي"، فالقيادة تَفْقِد معناها إذا ما ظلت يدها أقصر من لسانها، وإذا ما ظل لسانها لا يعرف من "لغة السياسة" إلا عبارة "نُعْرِب عن.. وعن.."، فـ "الشعور" ليس فعلا إراديا، والإعراب عنه ليس موقفا؛ ولو كان موقفا لتحوَّل العبد إلى سيد عند شعوره بالغضب، وعند إعرابه عنه!
لم يقف العرب من جريمة قانا إلا كل ما يحتاج إليه خَلْق "فرعون" من مواقف، وكل ما يمد المجرم بمزيد من أسباب البقاء، ويشجعه على ارتكاب مزيد من الجرائم، وكأن لا موقف يملكون إلا الموقف الذي يجعل صاحبه شيطانا أخرس! جواد البشيتي