قانا وأخواتها

بقلم: د. خليل حسين

لم يعد بالمقدور الكتابة سوى أسئلة ساذجة باعتبارها الوسيلة الوحيدة لإفهام من لا يريد أن يفهم، ولإسماع من لا يريد أن يسمع. قبل عقد من السنين كانت قانا وأخواتها عبرة للصمود والمقاومة، وكانت المدخل لتفاهم نيسان الذي أرسى قواعد المقاومة وأسلوب عملها، واليوم تأتي قانا مجددا وهي مجللة بالغار، ومجبولة بدم الأطفال لتقول كلمتها الفصل في الصمود.
اليوم قانا كما كانت أخواتها من قبل مروحين وعيتا الشعب وبنت جبيل ومرفوعة الرأس. اليوم قانا كما كانت قبلها صريفا والمنصوري والقليلة وعيناتا وميس الجبل وعشرات العشرات من القرى والدساكر، كلها تنتظر ولن تبدل تبديلا.
ألم يقتنع العالم ومعهم العرب أن لا مجال للقوانين الدولية تحت الشمس؟ ألم يقتنع العالم بأسره أن الأمم المتحدة نفسها لم تعد حافظة للسلم والأمن الدوليين؟ ألم يقتنع العالم بعد أن الأمم المتحدة ومجلسها الحافظ للأمن والسلم الدوليين قد استقال من وظيفته أو أقيل سيان؟ ألم يقتنع العالم بأن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل قد فُوضت لتنظيم المجازر الجماعية على الأرض جمعاء؟ ألم يقتنع العالم بعد أن ثمة شعب يُباد ويذبح وان ثمة عمى وطرش سياسي تفشى في العالم؟ ماذا تريد واشنطن وتل ابيب بعد؟ وماذا يريد العالم والعرب بعد؟ إذا كانت كل تلك المجازر لا تكفي ثمة شعب مقاوم ينتظر الحديد والنار بلحم أطفاله ليؤكد أن النصر قادم قادم.
هل تعرفون يا عرب أن جبال ووديان وسهول ووهاد جبل عامل مقلع الرجال الرجال؟ وهل تعرفون يا عرب أن عروس عروبتكم قانا هي مقلع الأطفال الأطفال المقاومة؟ أتعرفون يا عرب أن في قانا نساء تنجبن الأطفال لكي ترضعن شرف المقاومة وإبائها؟أتعرفون يا عرب أن في قانا خُدج نالوا شرف الشهادة بعمر ساعات لا أيام؟ أتعرفون يا عرب أن لحم أطفال قانا وأخواتها يصنعون عزتكم وكرامتكم؟أتعرفون يا عرب أن نساء قانا وشيوخها يصرخون في وجهكم لا نريد مالا ولا مساعدات بل نريد شرفا وكرامة وإباء؟ وماذا تريدون أن تسمعوا؟ أتريدون سماع أصوات الاستسلام والانهزام؟ أم أصوات الخنوع والذل والهوان؟ أتريدوننا أن نصرخ أولا فلن تسمعوا سوى صوت المقاومة الذي صمَّ آذانكم فزعا وخوفا ورعبا على أموالكم ومشاريعكم واستثماراتكم؟ ماذا تريدون منَّا أتريدون إخراسنا وإسكاتنا فنحن بالفطرة مقاومون حتى النفس الأخير؟ أتريدون دفننا أحياء فتاريخنا مقاومة؟ أتريدون إذلالنا فتاريخنا ممانعة؟ أتريدون تجويعنا فتاريخنا زهد وكفاف؟ أتريدون إظمائنا فتاريخنا كربلاء؟ ماذا تريدون يا عرب؟ أو بالأخرى هل تعرفون ماذا تريدون؟
قانا وأخواتها اليوم تناشد شركائهم في الوطن وتدعوهم إلى حفظ دمائهم وشهدائهم وكراماتهم، تدعوهم اليوم لتجاوز الصغائر وعدم الوقوع في الكبائر. قانا وأخواتها اليوم تبحث عن صوت يشد أزرهم في وجه أعدائهم، قانا وأخواتها اليوم خائفة على تضحياتها ودماء أطفالها، قانا وأخواتها اليوم ترتجف جزعا من مواقف مغامرة مقامرة تهدر إنجازاتها، قانا وأخواتها اليوم بحاجة لرجال رجال يعرفون كيف يقفون ويفاوضون ، قانا وأخواتها تناديكم اليوم الصمود الصمود، فلا تتراجعوا أمام الضغوط ولا تنهاروا أمام التهديدات، فالويل والثبور وعظائم الأمور لمن سيفرط بدمائنا.
اليوم قانا وأخواتها تهدي انتصارها للبنان كله وللعرب كلهم، علهم يعرفون هذه المرة كيف يدافعون عنها، فهل سيستطيعون؟ أم هم لا زالوا ينتظرون الموفودين الدوليين والأمريكيين؟هل لا زالوا يراهنون على زيارات الإدارة الأمريكية ووزيرة خارجيتها؟ ألم تكفي كل تلك المجازر والإبادات الجماعية لمحاولة فرض الشروط؟.
ألم يكن خطأ التنصل وسياسة نفض اليد من المقاومة؟ وهل احترمت إسرائيل هذا الموقف؟ ألم تعتدي على المقاومين وغير المقاومين؟ وهل فرَّقت بين المقاوم وغير المقاوم؟ وهل ميَّزت بين المدني والعسكري؟وفعلا ما نفع الجسر الذي سنمر عليه بلا شرف؟ أليس أشرف لنا أن نعيش عتمة النهار والليل بلا كهرباء وماء من أن نرى الذل والهوان؟
أليس خطأ التعويل على البكاء على شاشات التلفزة ومناشدة جلادينا وقف إطلاق النار؟ أليس من الأفضل والأجدى أن ندعم مقاومتنا وشعبنا بدلا من انتظار المبادرات؟أليس الأفضل أن نفرض شروطنا بدلا من أن تُفرض علينا؟ ربما هناك أحد لا زال يبحث عن صوت العقل والتعقل الذي افتقده منذ زمان وربما هناك احد لا زال يغرس رأسه في الرمال خوفا على التروي والتعقل وعدم المغامرة والمقامرة.
قانا وأخواتها اليوم تذكركم بأن مجزرتها السابقة في العام 1996 حدثت في عرين الأمم المتحدة وقلبها لا خارجها. قانا وأخواتها اليوم تذكركم بمجزرة مروحين وشهامة الأمم المتحدة بعدم حمايتها، قانا وأخواتها اليوم تناشدكم بدماء ولحم أطفالها بأن لا تستجلبوا المزيد منها، قانا وأخواتها اليوم تؤكد لكم أنها لا تحتاج إلى شهود زور أُخر، ولا تحتاج إلى جلادين أخر.قانا وأخواتها اليوم تستصرخ ضمائركم ألاَّ تستجلبوا الذئاب لحماية الأطفال، تناشدكم ألاَّ تقتلوها مرتين، قانا تناشدكم ألاَّ تجربوها مرتين. قانا وأخواتها كفرت بالأزرق وقبعاتها، قانا وأخواتها ستطلع من جلدها لتقول كفى متاجرة ومساومة علينا، قانا وأخواتها تريد سلاحا ومقاومة ، قانا لا تريد من الأزرق وقبعاتها إلا الرحيل إلى المعتدي ومواجهته.
قانا وأخواتها تقول اليوم مجازركم لم ولن تخفينا، حفلات الموت المنظمة لنا لم ترعبنا ولن تثنينا، قانا اليوم بلحم ودم أطفالها تجبل حكايات النصر والتحرير وتفرض على من يريد الاستسلام قوانين الحرب والسلم، قانا وأخواتها مرفوعة الرأس صامدة شاخصة شامخة في وجه الأزرق والأحمر وكل ألوان العهر، قانا اليوم لن تستلم هي دفعة على الحساب لمقلع الرجال الرجال.
ماذا نقول لكم أيها اللاهثون لزيارة القابلة القانونية الأمريكية؟ ألم تأت في السابق وفي يدها المبضع لاستيلاد الشرق الأوسط الجديد من أرحام نسائنا؟ ألم تجلب معها صفقات الصواريخ الأمريكية الذكية لقتل أطفالنا وخُدجِنا؟ ألستم تعلمون أن في أحشاء نسائنا أجنة تصرخ للنزول لتشرب حليب المقاومة وعرينها؟
قانا وأخواتها اليوم لا تريد ممرا آمنا للمساعدات وهي تعرف لمن هذا الممر، قانا وأخواتها تريد منكم أن تحفظوا ماء وجوهكم فقط أيها المتخاذلون، قانا تقول لكم اليوم إسرائيل ستطلب وقف إطلاق النار لا نحن، قانا وأخواتها تقول لكم أننا سنعلم من يريد أن لا يتعلم فن الصمود.
وبلغة العرب ومعاجمها نقول لكم إن قانا وأخواتها هي هي الفعل غير الناقص، هي علامة رفع الرؤوس ونصب الصمود وجر المهزوم، تختصر مجلدات النحو والصرف.وبلغتكم يا عرب أيضا نقول ألم تقرأون في قرآننا الكريم "أن حزب الله هم الغالبون"! د. خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني