'مبروك' عليكم مجازركم الجديدة!

بقلم: د. كاظم المقدادي

من شاهد وتابع طيلة الأسابيع الثلاثة المنصرمة ما حصل ويحصل على أرض لبنان الجريحة، المستباحة،على أيدي قطعان الجيش الإسرائيلي المتوحشة، بمباركة الإدارة الأميركية، ودعمها المباشر، وتغطيتها السافرة لجرائم الإسرائيليين في لبنان وفلسطين، والجيش الإسرائيلي يواصل بطائراته الحربية، وصواريخه، وقنابله ،ومدفعيته الثقيلة وبعيدة المدى، تدمير كافة المدن والقرى اللبنانية، واجتياحها، وقتل المدنيين الأبرياء فيها، وتدمير بيوتهم، وممتلكاتهم، وتحريم الناجين والنازحين من القصف من لقمة الخبز والماء والكهرباء، وحتى الجرحى من إبسط إمكانات العلاج، بل وقصف سيارات الأسعاف والمركبات الناقلة للأدوية، حارما اللبناني من حق الحياة، وضمن هذا النهج توج فضاعاته بهجوم جوي بربري قام به فجر يوم الأحد على قرية قانا، التي لا يوجد فيها غير النساء والأطفال والشيوخ، محولاً إياها الى أنقاض. وهذه هي المرة الثانية التي يقترف في هذه المنطقة مجزرة بشعة بحق المدنيين، راح ضحيتها أكثر من 55، أغلبهم من الأطفال.
وكل هذه الجرائم البربرية تجري بمباركة الإدارة الأميركية ودعمها المباشر والصلف،أمام أنظار العالم، والعالم يتفرج ولا يحرك ساكناً!
فلا يسعنا إلا أن نهنئ أصحاب مقترح "الحل الجذري" للنزاع القائم بين إسرائيل ولبنان، ممثلاً بمقاومته الوطنية، قبل إيقاف القتال!.. ولكل من طبل وزمر له!
ترى هل ما زالوا يشكون بأن المقترح والقبول به كان ضوءاً أخضراً للجيش الإسرائيلي- كما نبه الخيرون- لتدمير لبنان بكامله، وللتمادي في جرائمه، التي بزت فضاعات النازية والفاشية؟!
وما عسانا أن نقول غير "مبروك" للأمم المتحدة، وبالذات أمينها العام كوفي أنان، تخاذله أمام جرائم الحرب الإسرائيلية، لدرجة أنه لم يجرأ حتى على إدانة قتل 4 وجرح إثنان من المراقبين الدوليين التابعين للمنظمة الدولية، عبر قصف مقراتهم!
ويكفي مجلس الأمن الأميركي (عفواً الدولي!!) خزياً وعاراً أنه ترسخ كإداة طيعة بيد الإدارة الأميركية ومشاريعها، بدلاً من مؤسسة دولية لضمان الأمن والسلم والعدالة والشرعية في كل مكان من العالم!
و"مبروك" للعالم الحر، وللدول "الديمقراطية" و"المحبة" للسلم والحرية، وأيضاً للمنظمات الدولية "المدافعة" عن حقوق الإنسان، ولكل إنسان "متمدن" و"حر"، موقف التفرج واللاأبالية على المجازر الهمجية، التي يقترفها الجيش الإسرائيلي وهو يشن حرب إبادة، ويقترف المذابح، وجرائم الحرب البشعة، بحق المدنيين العزل، ناشراً الموت والخراب والدمار في كافة الأراضي اللبنانية،مستخدماً أحدث أنواع الأسلحة وحتى المحرمة دولياً، ممعناً في قتل وترويع المدنيين، مقطعاً أوصال البلاد، منتهكاً المواثيق والأعراف والإتفاقات الدولية، وكأنه في غابة وحوش!
و"مبروك" للشعب الأميركي وحكومة بوش- الأبن، التي تتزعم "محاربة" الإرهاب، وهي الإرهابي الأكبر في العالم، التي فرضت نفسها دركياً دولياً وقاضياً لمحاسبة ومعاقبة من تريد، وفق مبدأ شريعة الغاب: "من ليس معنا، فهو ضدنا!"، وسيادة منطق القوة في أرجاء العالم، بدلاً من العدالة والحق وقوة المنطق، باسطة هيمنتها وغطرستها على الأمم المتحدة. ولا أدل على ذلك من رفضها لأيقاف القتال فوراً في لبنان (حتى ولو لـ 72 ساعة-كما إقترح ممثل الأمم المتحدة- لإخلاء الجرحى ولدفن الموتى)، وتغطيتها على جرائم الحرب التي يقترفها الجيش الإسرائيلي يومياً، ودعمها المباشر لأعماله الإرهابية ضد الشعب اللبناني. ليس هذا فحسب، بل وتمده بأحدث الصواريخ والقنابل وأشدها تدميراً وفتكاً بالبشر، حيث أفادت التقارير العسكرية أن إسرائيل تستخدم أسلحة مطورة وحديثة جداً، بما فيها أسلحة "ذكية"، تسلمتها العام الماضي من الولايات المتحدة،وتقدر بنحو 5000 قنبلة وصاروخ من مختلف أصناف الأسلحة "الذكية"، منها المضادة للتحصينات. وهي تطلق من الجو الى الأرض. ومنها قنابل مختلفة الأوزان: 250 كغم، و 500 كغم، و1000 كغم، ومعظمها توجه عبر الليزر والأقمار الصناعية. وأكدت تقارير عسكرية بأن البنتاغون زود إسرائيل بسلاح جديد من نوع القنبلة الأشد فتكاً GBu-28، والتي تعد ثاني أكبر القنابل الأميركية وأحدثها بعد القنبلة المعروفة باسم "ديزي - كنز” BLu-82 التي تزن 15 ألف رطل، واستخدمتها القوات الأميركية في معارك تورا-بورا في أفغانستان. وأكد الخبراء بان هذا النوع من القنابل يحتوي على شحنة ناسفة تبلغ 647 رطلاً، ويتألف باقي وزن القنبلة، أي حوالي 3 آلاف رطل (5.1 طن)، هو من اليورانيوم، الذي يعطيها القدرة التفجيرية الفائقة على اختراق المواقع الحصينة والملاجئ الخرسانية.
و"مبروك" للشعب البريطاني صمته، أولاً، ولا أباليته، ثانياً، تجاه رئيس حكومته توني بلير، الذي لا يخجل من تحوله الى تابع مطيع وذليل لجورج بوش الأبن، وتواطئه معه في سياسته ومواقفه المتهورة، التي لم تخلف للبشرية لحد اليوم سوى الكوارث والمحن! وها هو يسمح بكل صلف للطائرات الأميركية المزودة للإسرائيليين بأحدث الصواريخ والقنابل الفتاكة تمر، وتمون في مطارات بلاده، لتقتل أطفال ونساء وشيوخ لبنان وفلسطين!
و"مبروك" لأوروبا، التي كانت تفخر برعايتها وحمايتها لحقوق الإنسان، وهي تتغاضى اليوم عن الجرائم الإسرائيلية، خانعة، وعلى نحو مخجل، وتواصل سكوتها وتجاهلها للحكومة الإسرائيلية التي تدوس بالجزم على حقوق الإنسان في الأراضي العربية، وتهين كل يوم، بل وكل ساعة ودقيقة، المبادئ والقيم الإنسانية، منتهكة القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، فارضة نفسها فوق القانون والشرعية الدولية، بتواطؤ ودعم أميركي، سافر ومستهتر على نحو صلف، وكأنه يرمي لفرض مبدأ شريعة الغاب:"من ليس معنا، فهو ضدنا!"، وسيادة منطق القوة، بدلاً من العدالة والحق وقوة المنطق!
ولا يسعنا أيضاً إلا ان نقول: "مبروك" للأنظمة العربية، التي تتفرج ولا تحرك ساكناً، مواصلة جبنها وصمتها المخزي المريب على الجرائم الإسرائيلية بحق الشعبين الشقيقين اللبناني والفلسطيني، خانعة مستكينة للضغوط المهينة، غير مكترثة للمهانة التي ألحقتها الإدارة الأميركية وربيبتها إسرائيل بكل ما هو عربي، ولإذلال الشعوب العربية!
و"مبروك" لوسائل الإعلام العربية، وللمثقفين العرب، وعاظ السلاطين،الذين لم تهز مشاعرهم ماَسي الكارثة التي يعيشها الشعبان اللبناني والفلسطيني اليوم، بنفس الهمة التي إنتفضوا مدافعين عن الحكام، ولم يخجلوا عن صمتهم، ولم يتفوهوا بكلمة واحدة تدين المجازر والمذابح التي إقترفها الأوباش الصهاينة، قدر إنتقادهم وتجريحهم وإساءتهم للمقاومة الوطنية والإسلامية اللبنانية، لقيامها بإختطاف وأسر جنديين إسرائيليين، ومحملين إياها مسؤولية ما يحصل في لبنان الآن، مبررين، شاءوا أم ابوا، الجرائم الإسرائيلية المتواصلة، متناسين قتل وإختطاف اَلاف المناضلين من قبل إسرائيل، ولليوم تحتفظ بأكثر من 10 اَلاف أسير عربي..ترى ألا ينم هذا الموقف عن رغبة لـ "الخلاص" من المقاومة اللبنانية، بحجة الخطر "الشيعي- الإيراني"،خصوصاً وأن البعض إعتبر "حزب الله"، "العدو" الرئيس، وليس الإحتلال الإسرائيلي؟!
فتباً لكلم أيها المجرمون الإسرائيليون، ولكل من يدعمكم ويحميكم ويبرر جرائمكم بحق المدنيين العزل!
وقلوبنا معكم أيها الأشقاء اللبنانيون، وأنتم تتحملون الأهوال والمصائب! وألف تحية لكل وطني لبناني هب يقارع الغزاة والمحتلين الإسرائيليين بكل ما يستطيع، وفوق ما يستطيع، وساهم بتمريغ الغطرسة الإسرائيلية والأميركية بالوحل، وبالخزي والعار، بالرغم من البون الشاسع في القدرات والإمكانات العسكرية.. لكن قوة إرادتكم وتصميمكم على تطهير أرضكم من دنسهم، وبسط السيادة الوطنية على أرضكم الطاهرة، وبلوغ الحياة الحرة الكريمة، هي أقوى من الفانتوم والدبابات والصواريخ والقنابل "الذكية" الإسرائيلية- الأميركية!.. ونثق بان دماء شهداءكم الأبرار لن تذهب هدراً!
والخزي والعار للبرابرة الجدد، ولكل من يدعمهم ويسكت عن مجازرهم وفضاعاتهم! د. كاظم المقدادي
كاتب عراقي - السويد